من قلة الأعمال والأفعال أدمّنا كثرة الأقوال

بقلم مهدي قاسم

نحن الشرق الأوسطيين ، عربا و مسلمين ــ عموما ــ مغرمون
بكثرة الكلام ، بل يمكن القول نحن أكثر الشعوب و الأقوام كلاما و أقوالا و كتابة ، بدون أي ملل ، كذلك بإعادة ما نقوله ألف مرة و مرة ، بلا كلل أو عجب ، معتقدين بأننا بذلك أنما قد قمنا بواجبنا و برأنا ذمتنا من الواجبات الملقاة على عاتقنا ، وهو الشعور المخادِع
و المغري الذي يدفعنا إلى المضي قدما و حثيثا في زيادة القول و التوغل في اسهابه و أطنابه ، و الانغماس اليومي في غزارة القول و الكتابة وصناعتها المجانية ، سيما بعدما وفرّت لنا وسائل التقنية المتقدمة في سرعة النشر والترويج الصاروخيين !!..

هذا بالنسبة للكثير الذين يزوالون و يمارسون أنواع القول
أو الكتابة يوميا أو أسبوعيا ، أما القراء المفتونون بكثرة القول و الحكي فهم أيضا يعجبهم هذا الأمر و يدغدغ مشاعرهم ــ كضرب من ضروب خداع ذاتي ــ فيسمعون أو يقراءون كلاما يعجبهم في مدح أو ذم هذا و ذاك من ” شخصيات عامة ” أو نقد ظاهرة سلبية مثل ظاهرة الفساد و
سوء والخدمات ، فيسمعون أو يقرأون وثم يهدؤن ، حتى يشعر القوّال والحكواتي أنه قد أدى واجبه على أحسن ما يرام و كذلك الأمر بالنسبة للمستمع المولع بكثرة الكلام من حيث التنفيس عن الاستياء و السخط !! ..

كل هذا ، دون أن يخطر لا على بال هذا ، و لا على بال ذاك
، أنه سبق له أن قال هذا الكلام أو كتبه الآف مرات ومرات ، وأن الآخر ــ المسمتع ــ قد سبق له أن قرأه أو سمعه ملايين مرات عبر صحف ومواقع وفضائيات ..

ولكن مع ذلك لا يملّون ولا يضجرون …

أما السبب أو الدافع ؟ :

فهو قلة الفعل المفيد و العمل البناء . والعجز عن التغيير
الإيجابي نحو الأحسن و الأفضل ..

لأننا يستهوينا القول بجماله ويفتتنا بسحر خفي و جذاب آسر
لا يشعر به غيرنا نحن الشرق الأوسطينيين ..

أما العمل الجدي و الخلاّق النافع فهو سرعان ما يضجرّنا
فنهرب منه إلى القول الجميل و الحكي الطويل لأنه لا يكلفنا جهدا أو تعبا !!..

و كأنما مؤلف ألف ليلة و ليلة قد أدرك هذا الأمر فسبقنا
بمئات سنوات !!..

فنفرط في القول و الاستماع إلى القول ، منكفئين في الوقت
نفسه نحو الماضي الغابر ، ذلك الماضي المغبر ببؤسه وسقمه ، و الذي ما كان يوما جميلا ، حتى يعتد به المرء أو يحّن إليه ..

طبعا ، ولا الحاضر الآني رائع إلى حد الافتخار به ..

علما أن الكلام ذات المضمون الجيد والهادف يمهّد الطريق
للفعل الجيد ولكن لن يكون بديلا عنه ..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close