في ادب الحياة، الفلسفة للشعب !

* د. رضا العطار

مما يجهله كثيرون ان التفكير البشري ظاهرة اجتماعية. واقرب ما يدل على ذلك انه غير مستطاع الا بالكلمات اي باللغة، لأن اللغة هي الألة التلفونية بين افراد المجتمع. واذا نحن تصورنا انسانا يعيش في صحراء وقد نشأ فيها منذ الطفولة منقطع عن الاتصال بأحد، فاننا نقطع بانه لا يستطيع التفكير الا بمقدار ما يفكر الذئب او الاسد اذ ليست له لغة. ولكن نظام المجتمع زيادة على كلمات اللغة يعين تفكير الشخص العادي وتفكير الاديب والطبيب والفيلسوف والفنان. وهذا واضح في الادب العربي القديم كما هو واضح في الاداب القديمة للامم الاخرى.

فقد كان الاديب يكتب للملوك الذين يعتمد في عيشه على بقائهم وبقاء حاشيتهم من امراء واثرياء وفقهاء، ولذلك كانت كتب الادب صنفين احدهما لتسلية الملوك مثل كتاب الاغاني للاصفهاني والاخر لدراسة الاداب التقليدية مثل الكامل للمبرد.
والملوك تعيش بالتقاليد فكان مثل المبرد يجد العيش والحافز في تأليفه مثل هذا الكتاب لان مناخه الذي ينمو فيه هو المناخ الملوكي وكان هذا شأن الفلسفة ايضا.

لأن الذين كانوا يدرسونها كانوا من الفقهاء في الدين فكانوا لهذا السبب يحرصون على ان تخدم الفلسفة التقاليد والعقائد القديمة السائدة وليس المقصود هنا انه لم يكن هناك ساخطون مثل ابن رشد او محي الدين بن عربي لان في كل مجتمع طوائف ساخطة. لذلك كان اهتمام الفلاسفة مقتصرا على بحث القيم العقائدية وليس القيم الاجتماعية. و كان اهتمامهم يتجه في الاكثر نحو استخدام الفلسفة لبحث الاسلوب الصالح للعيش في هذه الدنيا. ولم يكن هذا شأن المسلمين او اليهود فقط بل كان شأن المسيحيين ايضا في اوربا ولم يكن من الممكن ان يكون غير ذلك، اذ كان الفلاسفة السالفون من رجال الدين على الدوام.

كانت الفلسفة قديما تحطم نفسها على صخرة الغيبيات، فتسأل : ماذا بعد الموت ؟ وماذا وراء الكون ؟ وماذا وراء المادة ؟ ونحو ذلك. ولم يستطع فيلسوف واحد ان يقنعنا برأي حاسم في هذه الموضوعات اذ كان يخرج من تيه كي يدخل في تيه آخر. وكان بذلك اشبع يالاعمى يبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة. والقطة مع ذلك ليست موجودة

وقد انتهى ابن رشد الى القول المأثور: لا ادري. وهذا ما انتهى اليه هربرت سبنسر الذي وصف هذه الاشياء بانها ( مالا يمكن معرفته ) وانتهت الفلسفة في عصرنا الى ترك هذه الاشياء وقنعت بان يكون موضوعها الحياة … كيف نعيش احسن العيش ؟ … كيف نفهم الفهم الصحيحج ؟ … كيف نحقق السعادة ؟ وما هي السعادة ؟ … هل السعادة تحقق الشهوات ام زيادة العقل ؟ … كيف ننتج اكثر الانتاج واحسنه ؟ … كيف نحكم احسن الحكم ؟ … ما هي القيم الفردية والاجتماعية التي تزيدنا صحة في الجسم وذكاء في العقل وطيبة في النفس ؟

هذا وغيره مما يتصل بالحياة قد اصبح مهمة الفلسفة وشغل بال الفلاسفة، ويمكن ان نقول ان الفلسفة القديمة كانت تفكيرا من اجل التفكير كما كان الادب في وقت ما فنا من اجل الفن اما الان فان كلا منهما يجعل الحياة البشرية بجميع ملا بساتها موضوعه. ونحن اسعد حالا واعرف بمكانتنا فيهما مما كنا حين كان لكل منهما غيبيات نعجز عن فهمها.

ولما انحصر سلطان الملوك ورجال الدين بعد ظهور الشعب على مسرح الحياة ظهرت قيم جديدة في الفلسفة والادب. ولذلك نجد العالم الالماني ليشبرغ يسأل: ما هي الفلسفة ؟
فيجيب انها 1 – من انا . 2 – ماذا يجب ان افعل ؟ 3 – وماذا اعتقد ؟ وبهذه الاسئلة يتحرر الانسان من المفاهيم القديمة ويصل الى القيم الجديدة.
وهناك من ينكر ان هناك علما يمكن ان يسمى فلسفة وقصارى ما يمكن ان يقال انها التحقيق المنطقي للمعارف البشرية، بغية معرفة انها صحيحة اوخاطئة.

وتطل السيكولوجية على الفلسفة وهي تقول: لماذا هذا الجهد ؟ انما العقل هو غاية الحياة واذن هو غاية الفلسفة التي تطرح هذه الاسئلة.
كيف اجد نفسي في المجتمع – كيف اجد نفسي في العلوم والفنون ؟ – كيف اجد نفسي في منطقي وعقائدي ؟ _ كيف اجد نفسي في معان السعادة والفاقة ؟ =- كيف اجد نفسي في معاني الخير والشر ؟

اننا نعلم بأن تطورنا البيولوجي بدأ منذ ان نبض طين السواحل بالحياة قبل )الف مليون سنة ) الى ان ظهر الانسان الحالي بشكله هذا، ولم يحدث كل هذا الاّ بفضل طبيعة الارتقاء نحو الاحسن، اي نحو تكامل العقل. فلم اعد اهتم ماذا وراء الموت وماذا وراء الكون ؟ وانا اجيب عليها بكلمة فيلسوف العرب ابن رشد: لا ادري
وكذلك الشأن في الفلسفة، فان بروز هموم الشعب واحاطتها باهتمام المفكرين قد جعل للفرد الذي كان مهمشا في الماضي مكانا جديدا خطيرا. فالمجتمعات قد تغيرت وانها بدلا من ان تكون مجتمعات الملوك والرهبان اصبحت اليوم مجتمعات الشعب كله. فأصبح الاديب والفيلسوف كلاهما يهتمان بتطلعات الشعب اي بهموم افراده.

* مقتبس من كتاب (مقالات ممنوعة) للموسوعي سلامه موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close