مع سجاد تقي كاظم وما أسماه انسلاخي عن المكون الشيعي 3/4

ضياء الشكرجي

dia.al-shakarchi@gmx.info

www.nasmaa.org

وأعود إلى إيماني بالفيدرالية، وكيف كان حلمي الذي كان وهما عام 2003 أن تكون فيدرالية العراق كالنموذج الألماني. يسمى الإقليم أو المقاطعة الفيدرالية في ألمانيا Bundesland وترجمتها الحرفية البلد الاتحادي، وفي ألمانيا بعد اتحاد الألمانيتين ستة عشر بلدا اتحاديا. هل يوجد في ألمانيا بلد اتحادي كاثوليكي وبلد اتحادي پروتستانتي، حتى تريد في العراق إقليما شيعيا وآخر سنيا؟ هناك ستة أحزاب ديمقراطية في ألمانيا (الاتحاد المسيحي الديمقراطي CDU، الاتحاد المسيحي الاجتماعي CSU، الحزب الديمقراطي الاجتماعي (أو الاشتراكي) SPD، الخضر Grünen، الحزب الديمقراطي الحر (الليبراليون) FDP، حزب اليسار Like Partei)، فالحكومة الاتحادية حاليا مؤتلفة من الحزبين الكبيرين، وسبق وتشكلت الحكومة الاتحادية من الديمقراطيين المسيحيين والليبراليين، وفي البدان الاتحادية (الأقاليم) ترى تنوعا، في ائتلافات ثنائية وأحيانا ثلاثية، وتارة نجد رئيس حكومة البلد الاتحادي من المسيحيين الديمقراطيين، وتارة من الديمقراطيين الاجتماعيين، وتارة من الخضر، وتارة من اليسار، وفي باڤاريا من المسيحيين الاجتماعيين. هي تعددية سياسية وتنوع سياسي، غير قائمين على أساس الدين والكنيسة أي ما يقابل المذهب في الإسلام. وحتى وجود حزبين بتسمية مسيحية، فهذا له جذور تاريخية ولم يعد هاذان الحزبان دينيين، وأحزاب مماثلة لهما في بلدان أورپية تسمي نفسها بحزب الشعب أو حزب الوسط أو المحافظين، وشخصيا كعلماني ضد التسمية المسيحية للحزبين المذكورين. فكوني في أورپا وأعرف تجارب فيدرالية ناجحة ورائدة لا يعني إن عليّ تبني تشكيل فيدراليات على أساس طائفي، لأن فيدراليات أورپا لا طائفية ولا دينية. أن تكون أكثرية نفوس بلد اتحادي (إقليم) من الكاثوليك أو الپروتستانت، فهذا كان حاصل تحصيل، ولم تشكل هذه الأقاليم على هذا الأساس، ولذا أقول لا مشكلة لي أن يتأسس إقليم تكون أكثرية نفوسه من هذه أو تلك الطائفة مع ضمان حقوق الأقليات كمواطنين درجة أولى متساوين مع الأكثرية كما بينت.

المشكلة في حزب الدعوة وعموم الأحزاب الإسلامية وكذلك في الأحزاب الإيديولوجية الشمولية، إنها لا تؤمن بشيء اسمه وطن، بل (رسالتها) كانت عابرة للحدود، فتدعو إلى أمة إسلامية، وأمة عربية، وربما أمة شيعية، وأمة سنية، أو أمة أممية بلشفية. وأنا بوصفي ليبراليا أؤمن بالمواطنة العراقية، كنموذج مصغر للمواطنة الكونية الإنسانية الحداثوية غير المؤدلجة.

أما المثال عن إيران وتركيا في نجاحهما في تأسيس دولة فارسية هنا وتركية هناك، فإني أدين العنصرية، فأتاتورك رغم إعجابي بمشروعه في علمنة تركيا، والذي قضى عليه أردوغان، فإنه أي أتاتورك كان عنصريا، ولذا سمى الجمهورية التي أسسها باسم القومية التركية التي ينتمي إليها، بينما الأناضول كانت بلدا متعدد القوميات والأديان. وكذلك يمكن أن يقال شيء مشابه عن هيمنة القومية الفارسية بنوع من تحالف مع القومية التركية (الآذرية) في إيران، فلا نرى عربيا في موقع سياسي متقدم، ولو إن هناك بعض الحالات النادرة، لكننا ربما لا نرى كرديا قط في موقع متقدم، ناهيك عن البلوچ والسنة وغيرهم. ولذا نادى شريعتمداري بالفيدرالية لإيران، فحكم عليه الخميني بالإقامة الجبرية حتى وفاته، واتهم بالتآمر مع وزير الخارجية آنذاك صادق قطبزاده الذي أعدموه. ثم عندما تتخذ إيران وتركيا وهما محكومان بنظامين غير ديمقراطيين، هل يعني هذا إن المهم عندك تأسيس كيان للشيعة، حتى لو كان غير ديمقراطي؟

يوجه السيد سجاد تقي كاظم إليّ السؤال الآتي: فأنت لديك رؤية لـ«إقليم وسط وجنوب» [كما يسميه، وطبعا هذا بالنسبة لي في حال تأسس الإقليم ديمقراطيا ودستوريا]: عدم صهر الأطياف الأخرى في هوية الأكثرية الشيعية العربية، (عدم سيطرة أسر على مقاليد الإقليم المالية والسياسية والأمنية، أن يتمتع جميع الأطياف بحقوق المواطنة متساوين مئة بالمائة مع الأكثرية، أن تكون سياسة الدفاع والخارجية والاقتصاد موحدة، وليس لكل إقليم رئيس لديه صلاحيات فوق الدولة ككل، رفض تنفذ الأحزاب [أعني بالذات أحزاب الإسلام السياسي الطائفية والفاسدة]، شيء جميل، إذن لماذا لا تتبنى مشروع وقضية إقليم وسط وجنوب وتطرح رؤيتك وضماناتك لطمأنة الآخرين من المشروع. مع العلم إن تمتع جميع الأطياف بنفس حقوق المواطنة التي يدعو إليه مشروع العشرين نقطة، يستثني السنة من هذا الحق، إذ يرد في النقطة التاسعة: «بخصوص الأطياف من غير الشيعة العراقيين والموجودين في الكيان الشيعي العراقي كالصابئة والمسيحيين، فلهم الحقوق الكاملة في هذا الكيان، ويمثلون جزءً من تركيبته السكانية»، فهو يستثني السنة، ولا أدري هل يريد إرغام سنة بغداد والبصرة وديالى على ترك الإقليم الشيعي، وبالتالي يقوم بتطهير طائفي، خاصة إننا نعرف إن مواطني هذه المحفظات من المسلمين ليسوا أحاديي المذهب.

نقلت تقريبا ما كتبه، دون المقارنة بين ما كتبته له في رسالتي، وما نقله عني، لكن من حيث المضمون، هذا كان ما ذكرته. فأجيب مرة أخرى، بأني لم أقل إني أؤيد تأسيس الوسط والجنوب لكن بهذه الشروط، بل قلت أقبل بهذا الإقليم، إذا تأسس بهذه الشروط، وقبل كل شيء إذا عبر عن إرادة أبناء المحافظات المعنية. فإننا نعرف إن هناك دعوات مختلفة لتأسيس الأقاليم، منها الدعوة لتأسيس إقليم البصرة. ولذا أقول أنا مع تأسيس الأقاليم الفيدرالية، بحسب ما تقرره أكثرية مواطني محافظات كل إقليم يراد تأسيسه. فإذا حصل مشروع إقليم الوسط والجنوب على أكثرية أبناء محافظاته، فلا بد أن نحترم إرادة هذه الأكثرية. هكذا هي الديمقراطية، والتي يجب أن نقبل بنتائجها، سواء وافقت النتائج آراءنا أو لم توافقها، لأن من لوازم الديمقراطية التعددية السياسية، وليس التعددية المكوناتية، ومن التعددية تعدد المشاريع في تأسيس الأقاليم الفيدرالية. أليس كذلك؟ ولذا من حقك الدعوة إلى هذا الإقليم والترويج لدعوتك ومحاولتك جمع المؤيدين له، لكن لا ينبغي أن ترفض وجود رؤى متفاوتة، ولا يجوز اتهام من لا يتفق معك بأنهم أصحاب دعوات مشبوهة.

ثم يتساءل سجاد تقي كاظم: «أليس بظل العراق الواحد المركزي، هيمنت الدكتاتوريات والأنظمة الفاسدة، والعوائل المحتكرة للقرار الديني والسياسي والأمني والمالي بكل فساد وإفساد؟ أليس بظل العراق الواحد المركزي حصلت حروب خارجية وداخلية بشعة، كحرب إيران والكويت والحصار والإرهاب، والحروب الطائفية والمليشيات والجماعات المسلحة كداعش والقاعدة والولائية والصدرية وغيرها من مظاهر التردي …؟»

في الواقع لا أشعر بنفسي معنيا بهذا السؤال، وأنا من أشد الداعين للفيدرالية منذ البداية، لأني أرى إن كلا من 1) الفيدرالية و2) النظام البرلماني و3) النظام الجمهوري و4) العلمانية، هي الأكثر تجانسا مع مبادئ الديمقراطية والأكثر ضمانا لها. فهل يا ترى إما أن أؤيد مشروع سجاد تقي كاظم لإقليم شيعة الوسط والجنوب ذي العشرين نقطة، وإما أكون داعيا للدولة المركزية؟ فأين التلازم منطقيا؟ أنا أقول ليؤسس إقليم الوسط والجنوب إذا مثل إرادة الأكثرية التي لا بد لنا أن نحترمها. لكني لا أرى إن تأسيس هذا الإقليم يمثل عصا موسى، التي تفلق البحر، وتجعل الصخور تنبجس منها اثنتا عشرة عينا، فيكون هذا الإقليم بقدرة قادر إقليما ديمقراطيا علمانيا، لا تحكمه نفس الأحزاب (الدعوة، الحكمة، المجلس، الفضيلة و…)، ولا يتبوأ المناصب المهمة فيه الفاسدون من هذه الأحزاب وغيرها. يجب معالجة مشاكل العراق ككل، من التحول من ديمقراطية مشوهة إلى ديمقراطية حقيقية، من تسييس للدين إلى علمانية تحترم حرية الدين والتدين وتدافع عنها، لكن تحول دون إقحامهما في الشأن السياسي، من حاكمية أحزاب الفساد المالي إلى تنافس ديمقراطي بين أحزاب مدنية علمانية ديمقراطية وطنية نزيهة، من الطائفية السياسية ودولة المكونات إلى دولة المواطنة، من المحاصصة إلى احترام نتائج الانتخابات على أساس التعددية السياسية لا المكوناتية. نريد عراقا يمنع صاحب الخطاب والمشروع الطائفي من مزاولة السياسة، ويمنع رجل الدين بوصفه رجل دين من مزاولة السياسة، إلا إذا تخلى عن صفته رجل دين، شكلا وفكرا وممارسة وخطابا. ولكن كل هذا نريده بقرار شعبي، وليس بقرار فوقي، وهذا يحتاج إلى العمل على تكوين ثقافة شعبية واسعة ومتجذرة تعتمد هذه المفاهيم والمبادئ.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close