فنون العراق الجميلة، الموسيقى في العراق قبل الاسلام !

* د رضا العطار

لكي نستطيع الاحاطة بالموسيقى التي عرفت في العراق ما قبل الاسلام، فلا بد من الرجوع الى التاريخ، ففي هذه الفترة الزمنية الطويلة الممتدة ما بين الفتح الاسلامي للعراق الى سقوط بغداد عام 1258 على يد المغول، لم تدون الموسيقى المتشعبة على الاطلاق. اذ لم يتوافر لاغلب البلاد القديمة وليس العراق وحده ما نسميه باساليب ووسائل التدوين الموسيقي. وكانت الطرق الجاهزة والميسرة لانتقال الموسيقى من جيل الى جيل تتجه في طريق واحد هو طريق السماع، طريق المشافهة والتعليم السماعي، ولم تتسم عملية التدوين الموسيقي لذلك التاريخ الطويل الا اخيرا عندما اخترعت طريقة جديدة التي تقوم على الكتابة الموسيقية، اذ يعود الفضل في اختراع التدوين الموسيقي الى الحروف الابجدية بعد اختراعها وبعد ظهورها، ذلك الظهور الذي استند اليها التدوين الموسيقي العراقي، ولم يُقدر للاثار الموسيقية ان تبقى طويلا تلك التي خلفها لنا الفنانون العراقيون الكبار، اذ لم تتوفر لاسباب المحافظة على هذه الاثار الموسيقية مادة مماثلة للبرونز او الرخام كما هو الحال في النحت، فان المؤلفات الموسيقية قد كتبت على ورق الجريد وهي مواد من السهل تعرضها للتلف، غير ان بعض المؤلفات الادبية القديمة التي تعرضت للاخطار ذاتها قد استطاعت ان تحفظ لنفسها بالبقاء مثل التوراة وكتب الشرق المقدسة واشعار هوميروس والمسرحيات اليونانية كما ان لدينا مؤلفات فلاسفة العصر القديم ومؤرخيه من امثال افلاطون وارسطو وشيشرون، وبعد هذا القدر المحدود الباقي من نفائس الحضارة البشرية التي لا يمكن تقديرها بثمن من الاثمان.

واذا كانت بعض المؤلفات الادبية الرفيعة قد بقيت فلماذا اختفت الموسيقى القديمة اختفاء يكاد يكون كاملا ؟ ونعني بهذا الاختفاء القوالب اللحنية التي صممها الفنانون العراقيون القدماء – – – ولا نعني بها القوالب النغمية الموضوعية. وللاجابة على هذا السؤال يقتضي ان نستند الى عوامل نرجحها وليست هذه العوامل قادرة على الاحتفاظ بصدق وقوعها المطلق – – – ولكن هي ترجيحات ربما تصيب وربما تخطئ وهي نتاج قرارات دؤوبة في مجال الفن الموسيقي والغنائي على المستوى التاريخي، و لعل من اهم هذه العوامل هي ضياع المدونات الموسيقية التي كتبها العراقيون وما بقي من هذه المدونات يعز علينا اكتشاف مغاليقها الفنية – – – واذا ما تم اكتشاف هذه المغاليق فمن وجهة النظر الموضوعية، فان هذه الاكتشافات غالبا ما تستند على الاجتهاد وليس الى روح الفهم العلمي لرموزها. الى جانب اننا اذا افترضنا ان موسيقى العصر العراقي القديم لم تكن تحظى بمكانة تؤهلها للمقارنة بمكانة الادب، انها لم تزد على ان تكون حلية الشعر او شيئا تابعا له ولم تتوافر لها الاهمية التي اكتسبتها في العصور الحديثة.

وما من شك في ان الموسيقى القديمة اذا ما قورنت بفن العمارة والنحت والتصوير والشعر، كانت ذات مكانة ثانوية، غير اننا لا يمكننا الادعاء ان فن الغناء هو الاخر قد حظي بمثل ما حظيت به الموسيقى – – – لان العلاقة بين الغناء والشعر علاقة تبدو جدلية وفي كل الازمان، ولا يمكن لفن الغناء ان ينهض بعيدا عن الشعر، وهذا ما يفسر السبب الذي جعل الشعراء العرب ينهجون في اشعارهم الى تناول السهل الممتع لكي يتلائم قالبهم الشعري مع فنون الغناء المتنوعة.

المهم ان الحال الموسيقى والغنائى في العراق قبل الاسلام اي بين اعوام 500 – 622
لا يشير الى اي مستند موسيقي مخطوط يتيح لنا معرفة احوال الموسيقى والغناء في العصر الجاهلي. غير اننا من خلال الحياة القبلية ذات النظام الابوي وهو نظام يكاد يكون الوحيد بين الانظمة التي عرفتها الحياة العربية في عهودها الغابرة – – – ومن خلال هذه الحياة المتقشفة البسيطة النبيهة الصبورة تطلع العراقي الى الشعر لما فيه من ايقاعات ونبرات ومدات طويلة وقصيرة يمثل نوعا من النظام الموسيقي الموزون وهكذا استخدمت لفظة (انشد الشعر) و (الشعرالغنائي) للتعبير عن الميل نحو التحف الفنية في صياغة الكلمة وطرائف البناء اللغوي والرغبة في قراءة متأنية او ترتيل هذا الشعر المفصح عن دنيا عجيبة من الاتقان الفني – – –

الا ان العراقي قد اخذه سحر التلاوة الشعرية وهو سحر مكتنز بتلقائية التنغيم الحروفي المشبعة به اشكال اللغة الايقاعية من نثر مسجع وشعر موزون المطعم بحركات ملونة باسس الموسيقى ذاتها وهي ايقاعات القوافل في الصحراء واوزانها. وصار امام البدوي الذي اهلته الطبيعة الصحراوية الى الارتحال والسفر، ان يجرب عفويته في الغناء وانطلاقة سجيته الوديعة استجابة لتاثيراته التلقائية بخطوات تمايل ( الجمال ) المنتظمة في سيره الطويل الصبور عبر الصحراء العربية القاحلة اللامتناهية. وهذا ما عرف ب (حداء الابل).

ومما لا شك فيه ان هذا اللحن البدائي اتخذ سائر القوالب الموسيقية القديمة مدى تنغيميا محددا كفاصلة ثلاثية ثانوية وفي احيان اخرى فاصلة ربما رباعية تتكاثر، غير انها تعكس من وجهة نظرنا العصرية رتابة، لكنها توفر للمغني حرية التطريب – وفي الحقيقة ان هذا التطريب هو اول ثمرات الفن البدائي في الغناء وهو في الوقت نفسه الكشف عن نوازع الميل والتذوق لفن الغناء – – – وان الايقاع البسيط الذي تعلمه المغني البدوي من سير الجمال في الصحراء اتبع ايقاع الشعر العربي المكون من مقاطع قصيرة وطويلة ونبرات تحتمل الضعف والقوة في الاداء الذي بدى واضحا في الاناشيد البدوية العراقية.

مقتبس من كتاب حضارة العراق للباحث عادل الهاشمي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close