كريم أبو الحق فيلسوفا، الجزء الثاني واﻷخير

(اﻷسماء كثيرا ما تتشابه، لذا لا بد من إزالة الإلتباس، فكريم الذي أقصده هنا، هو ذاك الذي تركته في بلادي البعيدة، التي ما انفكت ترزح ومنذ ما ينيف على العقود اﻷربعة تحت نير أنظمة القمع والتسلط، إبتدءا بدكتاتورية الطغاة والبغاة، وليس إنتهاءاً بإحتلال متعدد اﻷلوان واﻷشكال والجنسيات، وبأدوات ووجوه تنتمي الى قرون سحيقة من التخلف).

موضوع الأناقة ومراعاة المظهر لم تشغل بال كريم أبو الحق في يوم من الأيام ولا في أية مناسبة من المناسبات، على الرغم من عديدها وتوزعها على مدار السنة، فلا الأعياد الدينية ولا الإحتفالات الوطنية ولا حتى بعض المناسبات الخاصة، كل ذلك لم يثنه أو يدفعه للتراجع وإعادة النظر بموقفه المتشدد هذا من موضوع الإهتمام بهيئته العامة، بل لم يفكر حتى بتقلبات الجو وإحتمالاته المفاجئة، كالتغيرات التي تحصل في درجات الحرارة وما يمكن أن يرافقها من برد وحر، أو تلك الشروط التي تقتضيها وتفرضها الأعراف الإجتماعية وطبيعة العلاقات التي تربط بين الناس وما يترتب على ذلك من التزامات، واجبة ومفروغ منها.(في هذا الموضوع، أي اﻷناقة، سوف لن يختلف بل قُلْ هو متفق تماما مع صديقه وزميله في عالم الفلسفة مسعود وبنسبة مائة في المائة، إن لمْ تزد على ذلك).

أمّا عن أسباب ومبررات رفضه التأنق والظهور بالمظهر اللائق، فلأبي الحق فيها ما يكفي من أسباب ومبررات عدا عن تلك التي جئنا على ذكرها، فهي كما يقول عنها ويصفها مبنية في جلها على المجاملات المزيفة والتي لا تخلو من نفاق إجتماعي ومآرب خاصة لا يعلمها الاّ الراسخون في إجادة فن المجاملة والمواربة والنفاق والعلاقات الطارئة والمزيفة، لذا سيفضل أن يكون مظهره بسيطاً، نظيفاً، يشبه قلبه، ومن غير مبالغة أو مغالات، الاّ في بعض الحالات الإستثنائية والنادرة جداً وحين تُفرض عليه فرضا، وبعد أن يتأكد أن لا مناص ولا مهرب منها.

لذلك وأزاء عناده وموقفه الثابت هذا، فقد فوَّت على نفسه فرصة أن يقال عنه ذو حضور وهيئة كاملتين، فضلا عما يتمتع به من شَعر متنوع اﻷشكال في طبيعته، لتجده مُجعداً في قسمه اﻷمامي ومُنسبلا في قسمه الخلفي وصولا الى الرقبة، لذا سوف لن يحتاج الى كثير جهد وعناء، ولا يحتاج كذلك الى إستخدام بعض المستحضرات، أو إتباع بعض الإجراءات الخاصة من أجل تصفيفه، كأولئك الذين

درجوا على فعل كهذا، وبشكل خاص ممَنْ هُمْ في مثل سنّه وأبناء جيله، فبحركة سريعة من أصابع يديه العشرة وبالتظافر بينها، مشفوعة بقطرات قليلة من الماء، ليبدو مظهره بعد ذلك قد إكتمل تماما، وسيتحول ُرها الى موضع للحسد ومن قَبْلهِ الإغتباط.

لكن وعلى الرغم مما أوردناه من ملاحظات وما يمكن أن نسميها إنتقادات، تتمحور وتتركز في معظمها على ملبسه وعدم مبالاته لذلك الشق من حياته، الاّ أنك لا يمكنك أن تتجاهل في ذات الوقت حُسن خلقه وجمال طباعه، فأوصاف كهذه تاالله لحري بها وتنطبق علي وبنسبة مُلفتة، غير انه وعلى عهدي به، فقد ظلَّ غير راغب ولا مهتم لسماع مثل هكذا مدح وإطراء، وقد يكون مرد ذلك ثقته وإعتداده العاليين بنفسه والتي أوصلته الى معادلة بسيطة مفادها: أن لا أهمية ولا ضرورة للإنتباه الى أمر من هذا النوع. ثم يضيف وفي تعليق لا يخلو من لمسة فلسفية: أنَّ العالم زاخر ويعج باﻷسئلة وبما هو أهم من ذلك بكثير، والإلتفات للجوهر لهو أولى من الإهتمام بالمظهر.

دخل عالم التدخين منذ وقت مبكر بل قل مذ كان صغيرا. في بعض الأحيان ومن غير قصد، سيلفت إنتباهك وعلى نحو غير معقول بأنه مدخن من الطراز الأول، فسيكَارته لا تبارح فمه أو يمينه، بل سترى إصفراراً واضحاً على إصبعي يده اليمنى، الأوسط والسبابة، ليس همّاً ولا كرباً كما قد يتوهم البعض، فعوده لا زال طرياً ونوائب الدهر لم تأخذ منه ولم تقترب بعد، بل الأكثر من ذلك فهو مدلل أبيه وامه وآخر عنقود أخوته. أمّا إن سألت عن عادة التدخين عنده إن شئت البحث عن خلفياتها وكيف تسللت اليه، فقد جائته ومن دون إطالة وكما يظن هو ويظن غيره ممن لهم ذات الطباع وذات الميول السياسية والفكرية، بسبب ما يشغل باله وبالهم، لِمَ لا كما يقول عنها ويتوهم، فما من عيب فيها، بل إذا شئت الصراحة أكثر، ففيها إستراحة للتفكير المضني، وصفاء للذهن وفاتحة لآفاق جديدة قادمة!!.

ولإلقاء المزيد من الضوء على شخصيته فقد اعتاد كسائر أبناء جيله ورغم صغر سنه كما أسلفنا، وكي لا يُتهم أو يُرمى بالتخاذل أو غيرها من الصفات المشابهة، على أن يتأبط إحدى صحف المعارضة المعروفة في ذلك الزمان، رغم عدم إجازتها من الجهات الرسمية، ولنقل بعبارة أوضح فهي موصوفة ومصنفة وموضوعة كذلك على خانة الصحافة السرية الممنوعة والخطيرة جدا، بل حتى صار معروفاً بأن من يقتنيها قد أصبح مطلوباً لأجهزة الأمن وتضع حاملها تحت طائلة المسؤولية

والمحاسبة، وقد يلقى القبض عليه مباشرة، دون العودة الى الإجراءات الرسمية. (هكذا تتصرف الدول القمعية).

ليس ذلك فحسب بل لقد جرت العادة ولذلك الجيل الذي هو موضوع حديثنا ومن بينهم أبو الحق، بأن يتعمدوا إبراز إسم الجريدة التي بحوزتهم وبشكل متعمد والتي لا تخلو من تحدٍّ، وأحياناً تجدها حاملة عناوين صارخة وقد خُطَّت باللون الأحمر الفاقع والعريض وبمانشيتات صارخة، إرضاءاً لقناعاتهم وما يؤمنون به أولاً، ولإثارة واستفزاز رجال الأمن ثانياً، وهذا هو الاهم بالنسبة لأبي الحق ولكثيرين غيره ممن كانوا يفكرون على ذات الشاكلة، ومن غير أن يدركوا مخاطر ما يفعلون.

وإذا ما عَمَدَ البعض وخاصة أولئك الذين تخبروا أساليب النظام وكيفية تفويت الفرصة عليهم الى تحذيره أو تنبيهه من تداعيات هكذا تصرفات، لا سيما وإنَّ هناك من العيون ما لم تكن لها من مهام غير مراقبة مناوئيها، فسيأتيك الرد سريعاً وبلغة لا تخلو من تحدٍّ، ولِيكرَّ عليك كما تكر المسبحة بقائمة طويلة من اﻷسماء التي تضم أعدادا كبيرة من الشهداء، الذين ستسعفه بها ذاكرته بكل تأكيد وعلى مختلف الساحات واﻷزمنة ومواقع المنازلة، إبتداءاً بالصعيد المحلي وإنتهاءاً بالمستويين الإقليمي والدولي، ولا أظنه سينسى أحداً منهم إن لم يضف عليها أسماء جديدة، ليضمها الى قافلة الشهداء. طقساً من هذا النوع صار بالنسبة لأبي الحق أمراً عادياً وبديهياً بسبب تكرار تلك الأحاديث، ولإستشهاده كذلك ببطولاتهم، بمناسبة واخرى، وبنبرة صوت عادة ما تكون مسموعة من قبل نصف رواد المقهى على اﻷقل، والذي عادة ما يتخذ منه مجلسا، خاتما ردَّه بعقد مقارنة سريعة بين رجالات أيام زمان وشجاعتهم، وبين رجال الوقت الحالي إذا ما سمّوا رجالاً، في إشارة لا تخلو من غمز ولمز، للبعض ممن يجاورونه الجلوس.

حاتم جعفر

مالمو _ السويد

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close