الحضارة الجديدة واشكال الضياع والانحدار

يرى توينبي أن الصراع والصدام بين الحضارات ناتج من مخيلة الإنسان على مدى تطوره الاجتماعي والحضاري، فهناك اللقاء المتناقض بين الخير المطلق وهو الله وبين الشر المطلق وهو الشيطان، هذا اللقاء التراجيدي الرهيب الذي توارثته مخيلة الإنسان على مدى التاريخ نجده يتكرر في معظم الحضارات الغربية والشرقية ان الحكام الظلمة يهمهم الجهل وغلق التعليم ويضنون ان امة جاهلة اسهل في القيادة من امة متعلمة “كما قال الخديوي سعيد وهو يغلق المدارس العليا والجامعات بعد وفاة مؤسسها والده محمد علي باشا “.

ومن هنا فأن الإشكالية الحضارية الجديدة انّ الكثير من أبناء الشعوب العربية والإسلامية يضنون انهم قادرين على تعيين مسار الانتقال والتغيير حسب الحال الذى يكون عليها، وهى حالة لا يصنعها التحدى ولكنه قد يستثيرها، غير أن الاستثارة وحدها ليست كافية لعملية التغيير، والتحدى وحده غير جدير بتمكين الإنسان من الانتقال من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أخرى،فعلية باتوا يٌخدعون بوهم تقلّص التفاوتات، لاعتقادهم ان حيازة الأدوات المادية ووسائل اتصال، والتقنيات وخاصة الحديثة منها ، يجعلهم يتصورون انهم في مصاف الدول المتطورة، فيما الحقيقة ان التباينات تتّسع بشكل غير مسبوق، لا سيما في مجالات الاستقرار المجتمعي، والسلم الأهلي، والصناعات والابتكارات المحلية، والهوية الثقافية، والسلوك الحضاري وتظهر بصورة عامة في القيم الأخلاقية الضعيفة والثقة المتناقصة وعدم الأمان الاقتصادي والجريمة المتزايدة والانتحار والإباحية الجنسية والطلاق بصور و أشكال مختلفة من الضياع والانحدار.وكعلامة أخرى على الانحدار، تتآكل المدن الضخمة من الريف ويقضي الناس في المدينة حياة مليئة بالتوتر الشديد في العمل واللعب والعلاقات الإنسانية التي تجرد في النهاية من العمل المرضي .

ملاحظة انا في مقالي هذا لا اود ان اقف الى جانب الحضارة الغربية الضائعة ولا عتبرها هي حضارة راقية.فلا ننكر ان هناك سالب في هذه الحضارة وهناك موجب فعلينا ان ناخذ التي تتناسب مع حضاراتنا السليمة وما تقوم به مجتمعاتنا التي امرنا به الله سبحانه وتعالى وجعلنا خير الامم واذ قال تعالى “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) وما يجري هذه الايام في بعض الدول من حوادث قتل مقززة تدمي القلب كما حدث في نيوزلندا في قتل المصلين او البرازيل في قتل الطلبة بيد زملائهم او ما يحدث في تظاهرات فرنسا من سرقة وحرق والاعتداء على المحال هذه الاعمال تدعونا الى التأمل قليلاً والعودة الى الذات قبل البلاء وتستلهم منها القيم الصحيحة والمحافظة حضارتنا .

رغم كل ذلك فلا نقول نحن متشائمين، . ولكن لا يقوم المجتمع، ولا يعرف الاستقرار إلاّ بالفاعلية الثقافية، ولا تتحقق الفاعلية الثقافية فيه، إلا بالممارسة والحقن الحضاري. وأيّ تقاعسٍ في عملية الزرع الثقافي الدؤوب في مسيرة وبنية وعمق المجتمع ستجعل من المجتمع ،مجتمعاّ متخلفاّ – بدائياّ تسوده الهمجية ويحيا بالانحطاط والفساد والفوضى .عبد الخالق الفلاح – كاتب واعلامي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close