الدوافع النفسية .. وفشل التجربة الحزبية

خضير طاهر
لن تُنسى نشوة أحلام بواكير الشباب يوم كنت أتوجه الى بغداد والتجوال على مقاهي الكتاب والادباء : البرازيلي والبرلمان وحسن عجمي والزهاوي التي وجدتُ راحتي فيها بين مجموعة من كبار السن من الأدباء والمحامين والسياسيين المعتزليين ، كنت الأصغر سنا بينهم ، أسمع حكاياتهم وبعض قصائدهم الشعرية ، وأحيانا أحمل قصصي القصيرة التي كتبتها لعرضها على بعضهم لقراءتها وتصحيحها ، وفي بعض أحيانا كنت أذهب الى المعهد الثقافي البريطاني حاملا معي دفتر المسودات أكتب به بعض المشاريع القصصية البسيطة ، وأستمتع بأجوائه الجميلة التي تزدان بحضور النساء .
رأيتها كانت غالبا ماتجلس وحدها في في حديقة المعهد الثقافي البريطاني ، ومرات نلتقي في مكتبة المعهد ، وتجرأت والقيت عليها السلام في المكتبة وجلست قربها ثم تبادلنا الحديث الهامس ، وخرجنا الى الحديقة ، فوجئت بكمية الحزن والكآبة التي تحملها ، أطفأت في نفسي كل المشاعر الرومانسية نحوها، وتحولت العلاقة الى إلتزام إنساني حيالها .
لاأعرف كيف وثقت بي وصارحتني بميولها السياسية اليسارية وظروف عائلتها المطاردة من قبل نظام صدام ، تكلمنا كثيرا ، وتجولنا طويلا في شوارع بغداد ، دعوتها الى المطاعم والسينمات وكانت تلك بعض تناقضاتي البريئة بين إلتزامي الديني وعكسه ، وكلما أسمع حكاياتها والناس اليساريين من معارفها ، كنت أشعر بالخوف من التورط بتهمة التستر ، حدثتني عن القلق والمطاردات والإعتقالات والعذابات المتواصلة ، وحينها كنت أيضا أحمل في داخلي الإحتجاج والغضب من النظام ولم يكن يخطر في بالي السؤال عن الجدوى والنتيجة من كل هذا العبث السياسي الذي نُكب به العراقيين المساكين الذين غررت بهم الأحزاب في نشاطات سياسية تخريبية لافائدة منها للمجتمع والبلد غير إحداث الإضطرابات وتوريط الناس وتقديمهم قرابيين للمعتقلات ومشانق الإعدامات نتيجة الإيمان الأعمى بالإيديولوجيات وتجاهل الواقع ومصالح البشر !
شعرت بالخوف من إحتمال إعتقالها وإعترافها عليّ كوني عرفت عنها الكثير من المعلومات ، هربت منها ، وقبلها قطعت علاقتي بصديق يساري آخر صارحته بخوفي من التورط معه ، ولاحقا تم إعتقاله ضمن تنظيم مسلح يساري متطرف وتم إعدامه ، ونجوت بفضل الخوف .
فيما بعد سألت الصديق خالد مروان :
– (( كيف تتجاوز المرأة المعروفة بالخوف هذه المشاعر وتنخرط في تنظيمات سياسية ممنوعة ؟))
-(( الروح الجماعية تمنح الجرأة وتشجع على المغامرة ، واليسار لجأ الى حيل توفير المناخ الإجتماعي لتعبير الفرد عن غضبه وتمرده وأوهمه بشعارات التضحية أي تدمير الذات من أجل المباديء وهي نفس أوهام التيار الإسلامي والقومي .))
-(( خالد ماذا تعني يعبر عن غضبه وتمرده ، هل تقصد دوافع عناصر الأحزاب ليست سياسية ؟))
– (( في البداية عندما ينخرط الشاب المراهق في التنظيمات الإسلامية أو القومية أو اليسارية ، لايعرف شيئا عن البناء الأيديولوجي للتنظيم ، ويكون الإنتماء بدوافع نفسية معينة ، ولهذا لن تجد من منطقة المنصور في بغداد الأورستقراطية من إنتمى للأحزاب في العراق لأن سكان تلك المنطقة وماشابهها يشعرون بالتوازن النفسي بسبب التفوق الطبقي وليسوا بحاجة للتعويض النفسي من خلال الأحزاب ، بينما الأفراد المأزومون نفسيا يبحثون عن التعويض بدافع الماسوشية الدينية والبحث عن الشهادة ، أو من أجل إعلاء القيم العشائر التي يجدوها في التيار القومي ، أو لإشباع نزعة التمرد على المجتمع والدين من خلال الإنتماء لليسار ، ولاحقا يتم التثقيف الحزبي وغسل الدماغ أيديولوجيا ، لكن الدافع النفسي المأزوم يظل فاعلا في اللاشعور ، ولهذا فشلت كافة التجارب الحزبية في العراق والوطن العربي لأنها لم تكن تجارب أصيلة بدوافع مبدئية غايتها مصالح الإنسان والبلد .))
كثيرا ما أستعرض تاريخنا السياسي الحزبي ، وأشعر بالأسف لهدر تلك الكمية من البشر على أوهام فارغة دون تحقيق أية نتيجة مفيدة للبلد ، بينما بلدان بسيطة بدوية متخلفة مثل دول الخليج العربي ، من دون أحزاب وشعارات رنانة ، تمتعت بالإستقرار وعاشت حياة سياسية هادئة وناجحة قياسا الى باقي الدول العربية التي فيها أحزاب ، وهذا يثبت ان الشعوب العربية لها مقاييسها الخاصة التي ليست بالضرورة تنسجم مع المقاييس الغربية العقلانية الحضارية ، فالعربي كائن لايتحرك بالعقل والنظام والمباديء ، بل هو يظل بحاجة الى القوة لضبط فوضويته وميوله التخريبية ، لكن بشرط ليست القوة على شاكلة ممارسة نظام صدام حسين ، بل القوة المعتدلة على غرار نظم البلدان الخليجية التي برهنت عمليا نجاحها وملائمتها للإنسان العربي.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close