غول الفساد وحيتانه في العراق

رافد جبوري
16 مارس 2019
لعل من أبلغ ما وصفت به اللغة العربية المعاصرة الفساد أنه غول… يكبر في العراق ويتعملق ويمتد تاثيره ويتزايد ويدوم، لكنه مثل الغول غير مرئي، بل تجادل الأوساط المتنفذة التي تمارسه، أو توابعها التي تعيش على هوامشه، تجادل دائما، مشكّكة في المؤشرات التي توردها المنظمات الدولية المختصة، فبالنسبة للمدافعين عن الفساد والمجملين صورته، هناك التباس، بل ومبالغة في تصنيف العراق في تلك المرتبة المتدنّية التي يحتلها منذ سنوات طويلة واحدا من أكثر الدول فسادا، لكن حجم النقمة الشعبية والاستياء من سوء الأداء الحكومي وانتشار الفساد أمور معروفة، وهو يظهر باستمرار في تظاهرات غاضبة، تتهم كل الأحزاب المسيطرة على الحكم بالفساد. وعلى الرغم الوعود عبر السنوات، استمر العراق في احتلال مكانته من أسوأ الدول من ناحية الفساد، بحسب تصنيف منظمة الشفافية الدولية.
يأتي هذا الحديث القديم الجديد مع حديث رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، عن الفساد في جلسة مجلس النواب أخيرا، فقد استرسل في تعداد المجالات التي يتحرّك فيها الفساد، أوردها على شكل ملفات لها عناوين، مثل تهريب النفط والأموال، وأوضاع السجون، ونقاط التفتيش على الطرق، وكذلك العمولات والأتاوات، وغير ذلك. سجلت الجلسة مبادرة نادرة شكليا، إذ عقدت خارج المنطقة الخضراء، وفي بناية المجلس الوطني القديمة، في منطقة علاوي الحلة، وهي البناية التي اتخذها عبد المهدي نفسه مكتبا في إطار مبادرات لتطبيع الأوضاع داخل بغداد، وتخفيف العزلة التي تمتعت بها الطبقة السياسية خلف أسوار المنطقة الخضراء سنوات. لكن حديث عبد المهدي عن الفساد أثار اهتمام الإعلام والرأي العام أكثر بكثير من المكان ودلالاته والرسائل التي أريد بها أن تصل من خلاله. لم يكشف حديث عبد المهدي وملفاته غول الفساد، ولا ملامحه، ولم يحمل أي بشرى بتوجيه أي ضربة حقيقية لأي من أذرع هذا الفساد أو أدواته، فوصفة العلاج التي قدمها رئيس الوزراء العراقي تمثلت في تشكيله أخيرا ما يسمى المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، وهو تشكيلٌ يترأسه، ويضم ممثلين للجهات والهيئات التي من المفترض أن تكون مسؤولة عن مكافحة الفساد. ولم يأت هذا التغيير في الشكل بعد بأي إنجاز.
يعاني العراقيون من الاضطرابات السياسية التي يعيشون دواماتها، وجديدها ما جاء بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والآثار الكارثية التي خلفتها المعارك معه، ومن أن هناك نقمة كبيرة على الطبقة السياسية، تجلت في التظاهرات التي تصاعدت في السنوات الأخيرة. وإذا كان عبد المهدي قد تولى رئاسة الوزراء، بعد نهاية موسم الصيف الماضي، فإن للصيف العراقي اللاهب المقبل موعدا لن يخلفه، فالمعروف أن المتظاهرين الناقمين على الوضع السياسي برمته في العراق تقدّموا العام الماضي خطوات أثارت قلق كل الطبقة السياسية العراقية، بل وحتى
“وصف غول الفساد على بلاغته غير كافٍ لأحوال في بلاد الرافدين” الدول المجاورة. وكان شعار “كلهم حرامية” الموجه ضد الطبقة الحاكمة تعبيرا واضحا على حجم السخط من جماهير لم تلمس أي فائدةٍ من كل الصيغ التي بنيت عليها العملية السياسية في العراق. تلك جماهير تحرّكها معاناة البطالة، خصوصا في أوساط الشباب، وتحرّكها معاناة سوء الخدمات وتردّيها، وتطلق شرارة تظاهراتها كالعادة أزمات انقطاع التيار الكهربائي، أو شحة المياه الصالحة للشرب. وسيكون الصيف المقبل مسرحا لاختبار موسمي آخر لعلاقة الجماهير بواقع الخدمات، بعد تظاهرات العام الماضي التي كانت الأعنف والأكثر مرارة، فقد بات جليا أن طريقة شراء الولاء التي اعتمدت عليها الطبقة السياسية العراقية، بتوفير وظائف حكومية للجمهور، لم تعد ممكنة، فقد أدى انهيار أسعار النفط عام 2014 إلى اعتماد الحكومة سياسة تقشف، قلصت بشدة فرص العمل في القطاع الحكومي، فيما يتعثر القطاع الخاص لأسباب متعدّدة، في مقدمتها الفساد.
يبدو وصف غول الفساد على بلاغته غير كافٍ لأحوال في بلاد الرافدين، لكن تعبير “حيتان الفساد” المتداول في العراق هو الأبلغ، وقد انتشر جرّاء الشعور بتعدّد مراكز القوى التي تمارس الفساد وتضخم أحجامها مثل الحيتان. والأهم أن العملية تتم في وضع سياسي يشبه البحر المتلاطم الذي تتعدّد فيه الأخطار الأمنية والسياسية.
وقد كان عادل عبد المهدي من الوجوه البارزة في النظام السياسي الحالي منذ تأسيسه. ويشير ناقدوه إلى أنه يعيد وعودا عن مكافحة الفساد، سمعوها من رؤساء وزراء سابقين قبله، وهذا صحيح، إلا أن الرجل يتحرّك في أجواء أكثر استقرارا نسبيا. ولكن حتى المؤشرات المطمئنة التي يرسلها عبد المهدي قد تلعب دورها ضده، فمبادراته بإزالة الحواجز الخرسانية عن المباني العامة، وفتح المنطقة الخضراء جزئيا، لن تكتمل، ولن تؤثر، إذا لم ترافقها حلولٌ ملموسة لأزمات الفساد. ليس هناك مؤشرات فعلية على تلك الحلول، وحتى إن جاءت، لن تكون سهلة أبدا، خصوصا عندما يحل موسم الصيف، وترتفع صرخات الجماهير الغاضبة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close