من اجل تعليم يليق بالعراقيين

أ.د. محمد الربيعي

من المؤكد إن موضوع التربية والتعليم لا يخص وزارتي التربية والتعليم العالي وحدهما، إنه قضية وطنية بامتياز، ففي المدارس يتم تربية مواطني الغد ونكتشف حب الوطن ونهتف بأسمه، وفيها نبني شخصية الفرد، وفي الجامعات نكتشف ونبني المعرفة، ونصنع العقول وأصحاب الاختصاص من المدرسين والمهندسين والمحامين والأطباء والعلماء وغيرهم من أصحاب العلم والمعرفة. ومن المؤكد أيضاً أن إصلاح التعليم لن يتحقق ما دامت باقي الوزارات والقطاعات الحكومية والقوى السياسية والمجتمعية غير معنية بإصلاحه. إصلاح التعليم أصبح ضرورة لازمة لتقدم البلاد، وأساس لردم الجهل والفساد كصفتين متلازمتين متداخلتين في المجتمع، وأهم عقبتين تحول دون الإستجابة للتطوير. فالجهل هو وجه للعبودية والخنوع، والفساد هو الوجه الآخر للفشل في الإداء. المشكلة اليوم إننا نناقش الهوامش، ولا نعطي اهتماماً كافياً للمشكلة الرئيسة. نعيش في دوامة البنايات المدرسية، ونرى صور المدارس الطينية و اكتظاظ الصفوف، بينما يتصارع السياسيون حول من أي قوة سياسية أو طائفة سيكون وزير التربية القادم. لكن هذا ليس بغريب عن بلد يأكل الفساد جسده ويفتقد فيه المسؤولون عن إجابات شافية على تساؤلات المواطنين. أما على صعيد الجامعات فنهتم بالتصنيفات الدولية ونتسابق في ابتكار طرق جديدة للدخول فيها أو للحصول على مرتبة أعلى.

أي تعليم نريد؟ لا أحد يسأل اليوم عن أي تعليم نريد؟ ولا أحد يتحدث عن الأهداف المرجوة من التعليم، ولا عن طرق تحقيق هذه الأهداف. فأي تعليم نريد؟ هل نريد تعليماً يحوِّل المتلقين الى خزائن للمعلومات يتم تفريغها أيام الامتحانات؟ أم نريد تعليماً يحرر الطاقات الكامنة في نفوس الطلبة ويستفز ذكاءهم، ويساعدهم على التفكير الحر الإبداعي، وحل المشاكل، ويجعلهم يركزون على ما يعنوه حقاً باستخدامهم للتعابير. الأمر الذي يحرضهم على استخدام التعبير المناسب وانتقاء الألفاظ المعبرة عن المعنى المقصود، وليس مجرد ترديد حرفي

كالببغاوات ما ذكره لهم معلمهم أو ما هو مكتوب في الكتاب المقرر. لقد ذكرناها مرّات ومرّات إننا نريد تعليماً يحول الطالب الى مفكر ناقد وإنسان منطقي، غير متحيز يتمتع بمهارات تفكير عالية وهذا لن يتم تحقيقه إذا لم يتعلم الطالب التفكير المستقل وأن يتفهم وجهات نظر الآخرين. فعلى سبيل المثال فإن ممارسة الطلبة تمارين في قواعد اللغة ، أو تطبيق قوانين رياضية دون معرفة الدوافع المنطقية وراء استخدام تلك القوانين لا تسهم كثيراً في تنمية التفكير الناقد. لابد للطالب ان يعرف الهدف من التعلم، و التفكير، وان يعرف ان لكل نشاط عقلي هدف. ان طلبتنا يأخذون دروسا في العلم ولكنهم لا يعرفون ما هو العلم. كما يدرسون عن العلماء ولكنهم لا يعرفون ماذا يعمل العلماء. ولا يعرفون كيف يطرح العلماء الأسئلة كبداية لدراسة القوانين والنظريات. إنهم يعرفون طرح السؤال: ماذا نعمل؟ ولا يعرفون إن السؤال الأهم هو: لماذا نعمل هذا؟ لقد اصبح طلبتنا يدرسون ولا يتعلمون، حيث التعليم بات مجرد “نتائج للامتحان” على حد تقرير للبنك الدولي حول تقييم أنظمة أداء الطلاب بالدول العربية، والذي أكد على سيادة “منطق الاختبار” بدلاً من “منطق التعلم” في الانظمة التعليمية العربية حيث التركيز الشديد على أهمية المواضيع الأكاديمية، على حساب مهارات مطلوبٍ توفرها من خَريجي القرن الواحد والعشرين، مثل حل المشاكل والعمل ضمن الجماعة ، وإتقان تكنولوجيا المعلومات وتعلم الإدارة والتنظيم. ويتضح الاهتمام بالامتحان من خلال اشتداد الصراع حول أساليبه ونتائجه واهميتها. بالنسبة لمعظم التربويين الامتحانات ضرورية ونتائجها مقدسة لا يمكن المساس بها، وبالنسبة للدولة فإنها كلما كانت مركزية كلما كانت أفضل، وبالنسبة للعديد من الطلبة تبدو الامتحانات شراً لابد منه ولا مفر منها. فهل الامتحانات النهائية ضرورية حقأ؟ يؤكد تقرير البنك الدولي بأن أداء المنطقة سيتحسن إذا ابتعدت عن الأنظمة التعليمية الانتقائية التي تتطلب امتحاناً رئيساً نهائياً وتحريرياً، موصية الدول العربية باستخدام التقييمات المرجعية لمساعدة الطلاب والمدرسين على فهم ما تعلمه الطلاب و ما لم يتعلموه أثناء العملية التعليمية. نوقشت مسألة الامتحانات التحريرية النهائية في عدد من جامعات العالم بضمنها جامعتي في دبلن ولعدة سنوات مضت، وتم الاتفاق على ان الامتحانات النهائية فشلت في تطوير مهارات “الاستجواب والتعلم

الذاتي” وبأنها لا تعزز الفهم العميق للمواضيع العلمية، وان هذه الطريقة المعتادة غير صحيحة، أي إنها تفشل في تقييم الأهداف التي يراد من الطلاب تحقيقها في الواقع العملي. ومع ذلك، فإن هذا لا يلقي إلا مجرد نظرة ضيقة على أهمية الامتحانات. فماذا تشمل الامتحانات من الجوانب التي نريدها من الامتحان؟ وماذا نريد من الامتحان؟ تهدف برامج الامتحان الجيد إلى توفير تقييم متوازن وعادل لكل طالب. ويتم تحقيق هذا الهدف عبر طريقتين. أولاً، أنها تستخدم مجموعة متنوعة من الستراتيجيات والمهام (الامتحان التحريري ما هو إلا واحد من 15 نوعاً من أنواع الامتحانات على اقل تقدير) وهذا يعطي الطلاب فرصاً متعددة، في سياقات مختلفة، لإثبات ما يعرفونه ويمكن القيام به. كما إنها تمكن التدريسيين من أن يكونوا واثقين من دقة أحكامهم حول كل طالب. ثانياً، يجب أن تكون المهام “مناسبة لتحقيق الغرض”. على افتراض أن أي موضوع دراسي لديه عدد من الأهداف منها المعرفة والفهم، والمهارات العامة والمنقولة، ويجب أن تكون كل مهمة من مهام الامتحان مناسبة لقياس الهدف المحدد أو الأهداف التي سيتم تقييمها. وهذا يعني أن مهمة تقييم المعرفة الأساسية ستبدو مختلفة عن تقييم الإبداع. على ضوء المعلومات المتوفرة حول ضرورة واهمية وأساليب الامتحانات نعتقد أن الامتحانات الحالية بحاجة الى دراسة واسعة لنتائجها ولضروريتها، آخذين بنظر الاعتبار درجة مصداقيتها في تقييم الأهداف التربوية ومخرجات التعلم للمواضيع الدراسية والبرامج الاكاديمية. هل نتائج الامتحانات تعبير حقيقي عن كفاءة ومعرفة وإبداع ومهارات الطالب المكتسبة؟ هل يمكن على الأقل دراسة أهمية الامتحانات ولربما إلغاء بعضها واستبدالها بأسلوب تربوي حديث أو بإضافة طريقة تربوية حديثة؟

أهمية التفكير النقدي وتنمية الإبداع ما نفتقد في تعليمنا اليوم هو الأساليب التي تدفع الطالب للتفكير وتنمية الابداع، وقدرته على إيجاد حلول لمشاكل لم يواجهها من قبل. نحن بحاجة الى أساليب لتحدي واستفزاز ذكاء الطلاب وجعلهم يفكرون بدلاً من مجرد حفظهم للمعلومات. وهذا لن يتطلب وسائل بشرية ومادية إضافية، بل يتطلب فقط تغيير طرق التعليم وتحسين توظيف ما هو موجود. وهذا يتطلب إرادة وتصور وذكاء وإبداع من طرف المسؤول

واستعداده للتعلم وتطبيق الأساليب الجديدة من قبل المدرس. ولكي تزدهر المعرفة ويثمر، العلم لابد من إشاعة حرية الدهشة والتساؤل والاكتشاف، حرية الفكر والتعبير، حرية طرح الفرضيات ومناقشتها دون خوف. إن اطفالنا وشبابنا مكبلون بأغلال بالية تحرمهم من متعة السؤال، وروعة البحث ونشوة الاختراع، فالمدرسة والجامعة ليس إلا صفوف دراسية يتلقن فيها الطالب معلومات كثيرة، إلا إنها قليلة الفائدة، ويمكن الحصول عليها بطرق الأون لاين والتعليم الذاتي. ولم أر الا نادراً جامعة او مدرسة يتعلم الطالب فيها أسلوب حل المشكلات والعمل الجماعي والتفكير النقدي والتحليلي، وليس هناك من الجامعات والمدارس ما تركز على التعلم النشط وتعتبر الطالب محور العملية التعليمية، وفيها يتم التعلم من خلال العمل والبحث والتجريب واعتماد المتعلم على ذاته في الحصول على المعلومات واكتساب المهارات وتكوين القيم والاتجاهات بدلا من التركيز على الحفظ والتلقين. هل يمكن لأحد ما أن يدلني على جامعة او مدرسة يتم فيها التعليم على أساس تنمية التفكير النقدي والتحليلي، والقدرة على حل المشكلات ، وعلى العمل الجماعي والتعلم التعاوني؟ هل أن تعليم هذه القدرات والمهارات ممنوعة علينا كعراقيين؟ إذا كان الشاب العراقي يمتلك ذكاء وقابلية للتعلم تمكنه من اكتساب المعرفة، وتعلم المهارات وحل المعضلات، فلماذا نحرمه من حقه في تعليم ذي جودة عالية يكسبه مهارة وخبرة كبيرة، والقيام بإسهامات ذات معنى في المجتمع؟ ومن بين مفاتيح تعليم يليق بالعراقيين، هو ربط المدرسة بالمجتمع، وهنا تكمن مسؤولية كبيرة للمدرس وللمسؤول في محاولات الانخراط بالبيئة القريبة من المدرسة ومخاطبة القضايا الاجتماعية المهمة، ومشاركة الطلاب في الشأن العام والسياسي، وأيضاً تعليم ثقافة المناظرة وقبول الآخر بغض النظر عن الفروقات المجتمعية او الثقافية او الدينية ونبذ التطرف والتعصب. لابد من العمل على إخراج الطلبة من المدرسة والى المجتمع المحيط، وبرمجة العديد من الحصص خارجها، خصوصاً الحصص المتعلقة بالثقافة والرياضة والتربية على القيم الإنسانية والمواطنة. فمثلا يجب أن يتعلم الطلاب مجموعة من السلوكيات والقيم من مصادرها في المجتمع، أن يزوروا مثلاً الدوائر الأمنية ونقاط التفتيش، والدوائر

الحكومية والبرلمان ومجالس المحافظات، وثكنات الجيش والمستشفيات والمراكز الرياضية، ليطلعوا على الدور الذي يقومون به. وعلينا أن نفكر أيضا بالأطفال الذين يعانون صعوبات تعليمية واجتماعية. هؤلاء الاطفال الذين لديهم نفس الأحلام مثل الكثيرين من أمثالهم ولكن مسارهم سيكون أكثر تعقيدا وتطلباً للجهود. إنهم الاطفال المصابون باختلالات يصعب التعرف عليها وخاصة في مجتمعات بها مدارس وخدمات طبية غير مؤهلة وهي التوحد، وعسر الكلام، وعسر القراءة، وخلل الاداء، وخلل الكتابة، وخلل الإملاء، وخلل الحساب، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط. واخيراً، نحب أن نؤكد على أن بناء الانسان يبدأ من نقطة الصفر، ومشكلة التعليم في هذا البلد منذ عقود، هي إصرار البعض على تفادي الإصلاح، وتجب الاستفادة من خبرات البلدان التي سبقتنا عقوداً في تعليم أبنائها، فشعارهم هو نبذ المعرفة الجديدة، ومثالهم هو “الشين الذي تعرفه أحسن من الزين الذي لا تعرفه”. وهذا خطأ يؤدي إلى الجمود وعدم التقدم.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close