فنون العراق الجميلة، الموسيقى والغناء قبل الاسلام.

* د. رضا العطار

)وفي العراق عرفت الصور الموسيقية القديمة التي وضعت اساسا لمرافقة الرقصات العبادية في الدين في العهد الجاهلي، وهو ما يطلق عليه لفظة (الانشاد) المقطع الواقع بين الايقاع الحاد العنيف وبين الايقاع الموزون الرتيب، ويمثل هذا الانشاد الشعائري المحاط بمرافقة آلية من النقر والطنابير ذروة التعبير في الغناء العراقي السابق على الفتح الاسلامي له.

ومن ملاحظة دقيقة بتفاصيل فن الغناء العراقي الراهن نجد احتفاظه بالاشكال التي قرأنا عنها، ومن هنا نستخلص ان الموسيقى العراقية ذات اصول شعبية وعلى نحو خاص وفريد. وفي شهادة خبيرة قديمة اوردها الكاتب الاندلسي ابن حزم في القرن العاشر الهجري يقول فيها عن البناء الموسيقي للغناء : ( قال المنذر بن هشام الكلبي : الغناء على ثلاثة اوجه : النصب والسناد والهزج، فاما النصب فغناه الركبان والقينات واما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات واما الهزج فالخفيف كله وهو الذي ( يثير قلوب العاشقين ويهيج احساس الصابرين )

ونعترف بشيئ من الموضوعية والجرأة ان هذه الشهادة الفنية على قيمتها يكتنفها الغموض لعدم ايراد الاسانيد التي تعزز من قيمتها غير ان هذه الشهادة تفضي بنا ايضا الى تحديد رافدين موسيقيين في الغناء. 1 – يقتصرعلى المحترفين 2 – المتبع للايقاعات الحادة الموزونة والمتعلقة بمرافقة الرقص في المحافل الشعبية. وسنجد ان هذين الرافدين قد ساهما في تكوين حضارة العراق الموسيقية.

وعلى الرغم من احتفاظ الموسيقي بطابعها التجريدي الرومانسي، اذ تتقيد بقوانين تناغم الاصوات بالارتكاز الى علاقات الوزن والايقاع، فان الفنانين العراقيين في التاريخ اعتمدوا على مزج الشعر بالموسيقى مزجا يكاد يكون صورة فريدة لحب العراقي للشعر وهو الحب الذي ترجمه عبر مراحل مختلفة من التاريخ. ولان العراقي بطبعه يميل الى الجد والمثابرة فانه يمدد الحياة الداخلية له في تصوراته الذهنية ويفصلها عن الحياة الخارجية. ولكون العراقي هو ذلك الانسان الصبور فانه تعلم الحياة الاجتماعية تعلما تجريبيا وعبر قنوات الحياة الرخية التي اتاحتها له الظروف المادية والثراء والغنى اللامحدودين فانه اخذ يضع الحكاية الذهنية محل العلم الواقعي فيما اذا واجهته ظروف صعبة، وهذا في مجمله انعكس على واقعه الموسيقي والغنائي.

وفي البداية يمكن القول ان الموسيقى العراقية كانت ذات طابع اسطوري كما بدت كذلك في نظر الاقوام الاخرى التي سكنت العراق. ولعل من المفيد ان اقدم الالات الموسيقية التي ظهرت في العراق هي (القيثارة) التي تمثل لدى العراقيين القدماء المظهر الجمالي للفن الموسيقي العراقي. اذ لعبت دورا مجيدا في المذاهب العزفية يتمثل في روعة التناسق والتناسب ووضوح النبرات والجمال الرصين الصافي وكمال الاتزان الذبذبي وهو ما تميز به الفن العراقي الكلاسيكي. ان الدلالة التي يفترض بالقيمة الموسيقية ان تعبر عنها، فاذا طورت هذه القيمة بحيث تتولد عنها تعارضات وتوسعات جديدة فان ذلك كله يتمثل في الصوت البشري الغنائي لا في عداد التشكيل الموسيقي الخالص الى جانب قوة الحضور الشخصي الانفعالي في فن العزف على الالة عند العراقي المنطلق من سوارات هذا الفن الكلاسيكي والرومانسي على فورات حسية عميقة في عنفها وعنفوانها.(

مقتبس من كتاب حضارة العراق للباحث الاكاديمي عادل الهاشمي.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close