عن تأسيس قسم للترجمة: كلية الآداب بجامعة البصرة

بقلم : ا.د. كاظم خلف العلي

استاذ اللسانيات و الترجمة – كلية الآداب – جامعة البصرة

kadhimalali@yahoo.com

في عام 2001 تقدمت للسيد عميد كلية الآداب بجامعة البصرة بمقترح تأسيس قسم للترجمة في كلية الآداب العريقة بجامعة البصرة لكي يلتحق به إبناء الجنوب إسوة بأهالي الوسط (قسم الترجمة في الجامعة المستنصرية ) و أبناء الشمال ( قسم الترجمة في جامعة الموصل). و كان العميد وقتها الأستاذ الدكتور غالب باقر محمد – غفر الله له – و تم رفض الطلب بناء على أمرين: الأول و هو خلفية السيد العميد المعرفية و التعليمية (اللغوية المتزمتة) ، فقد كان العميد من خريجي قسم علم الصوت و اللغويات بجامعة ليدز واللغويون كما مر بنا في مناسبات عديدة سابقة ينظرون للترجمة على إنها فن ناقص غير مكتمل الأركان و الخسارة فيه حتمية بفعل الاختلافات ما بين اللغتين و هم يرون أيضا تبعية الترجمة للمشروع اللغوي و لأقسام اللغات. و زاد السيد العميد الطين بلة بأن قال مستنكرا قيمة الترجمة و شأنها “أنظر إلى جمعية المترجمين العراقيين و رئيسها, أليس هو الدكتور عناد غزوان من قسم اللغة العربية؟” و قد تناسى أن الدكتور غزوان مترجم بارز أنهى دراسته في اللغة العربية ببريطانيا و من آثاره العديدة ترجمة كتاب “خمسة مداخل في النقد الأدبي” لمؤلفه ولبر سكوت. و الموقف هذا موقف يجسد النظرة الدونية و الانتقاصية التقليدية من الترجمة التي طالما نادينا بالوقوف و التصدي لها . و الأمر الثاني أن السيد عميد الكلية كان يريد افتتاح قسم يعنى بالدراسات الصوتية و اللغوية شأن القسم الموجود في جامعة ليدز و قام بشأن ذلك باستبانة للآراء وزعها على عدد كبير من المختصين في الجامعات العراقية. و يبدو لي أن الآراء و الردود لم تكن محبذة للفكرة و تنازل عنها فمثل هذا القسم لا يعمل إلا في جامعة عالمية تعمل على استقطاب الطامحين للقيام بدراسات لغوية تمكنهم فيما بعد من تولي وظائف تدريسية و بحثية في جامعاتهم الوطنية بعد نيل شهادة التخرج منه.

و حصل أن قام النظام الدكتاتوري في هذا العام بثورة إدارية استهدفت تغيير المدراء العامين و إقصاء عدد منهم و جاءنا عميدا الأستاذ المساعد الدكتور عصام السالم ( و كان من زملائي حيث تخرج في كلية الآداب بقسم الجغرافية و كان الأول على الكلية بينما تخرجت معه في السنة ذاتها بقسم اللغة الإنكليزية و كنت الأول على طلبة القسم و الثالث على الكلية) الذي كان معاونا إداريا و مديرا لشؤون الطلبة سابقا. و كان السيد العميد الجديد معروفا ببساطته و انفتاحه على الآخرين و التعاون معهم و الرغبة العالية بتنفيذ المقترحات الناجحة. و قمت مرة ثانية بتقديم المقترح للسيد العميد الجديد بمؤازرة بعض الزملاء ، ووفقنا في اجتياز مناقشة المشروع في مجلس الكلية و مجلس الجامعة الذي كان يرأسه الأستاذ الدكتور محمد عبد العال النعيمي الذي كان بالأصل متحمسا لأنشاء مثل هذا القسم حينما كان رئيسا لجامعة القادسية إلا أنه لم يوفق في ذلك بسبب

عدم توافر الإمكانات المادية و العلمية. و عندما طرح المشروع على هيئة الرأي بوزارة التعليم العالي و البحث العلمي كان رأي السيد وزير التعليم حينها الدكتور همام عبد الخالق بأن الوزارة لن تناقش هذا المقترح فهو هدية لأبناء البصرة المقبلة على انفتاح كبير وستكون هناك حاجة كبيرة إلى المترجمين . و كان هذا تنبؤا غريبا إذ حدث بعدها بعامين اجتياح العراق و برزت الحاجة فعلا إلى مترجمين للعمل مع القوات الغازية و مع المنظمات غير الحكومية ووسائل الأعلام المختلفة و من ثم الشركات النفطية.

و افتتح قسم الترجمة بكلية الآداب بجامعة البصرة بعد أن تم استنساخ مناهج قسمي الترجمة في المستنصرية و الموصل حسب الإجراءات الوزارية المعتمدة و بعد أن تم نقل عدد من التدريسيين (غير المرضي عنهم من رئيس قسم اللغة الإنكليزية) إليه. و أسندت رئاسة القسم إلى الأخ المدرس الدكتور سلمان داود سلمان بعد أن رفض الأستاذ الدكتور شهاب الناصر رئاسة القسم و لم يكن واردا إسناد رئاسة القسم لي في حينها و ان كنت صاحب المشروع و اعلى مرتبة علمية من الدكتور سلمان حيث كنت مفصولا من الحزب حينها لاشتراكي بانتفاضة آذار 1991.

و كان للقسم لكي ينجح أن يتخصص تدريسيوه في الترجمة و دراساتها و أن لا يبقوا خريجي علم اللغة التطبيقي أو علم اللغة العام ، و من اجل ذلك أقنعت زميلي السيد علي طالب جبوري على الانضمام معي إلى برنامج لدراسة الدكتوراه بعد أن قمت باقتراح برنامج آخر هو ” اللسانيات و الترجمة” مضافا إلى برنامج “علم اللغة العام ” المطروح في قسم اللغة الإنكليزية. و جوبه المقترح برفض شديد من واحد من كبار الأساتذة الذي قدمت مقترح “اللسانيات و الترجمة” لرغبتي بأن أتجاوزه في هذا المشروع و ألا أمكنه من تدريسنا بسبب ممارساته السيئة مع الطلبة و التجاوز عليهم حتى و هم في دراسة الدكتوراه علاوة على تخاذل عدد من التدريسيين و الإداريين في اتخاذ موقف مخالف لرأي ذلك التدريسي. فقررنا الانسحاب من برنامج الدكتوراه ، و قام السيد العميد بنقل الأمر إلى السيد رئيس الجامعة الذي طلب من العميد مفاتحة كلية الآداب بالجامعة المستنصرية على تقاسم مشروع الدكتوراه مع كليتهم. و فاتح العميد بالفعل السيد عميد كلية الآداب بالجامعة المستنصرية الدكتور خالص حسني الأشعب و الذي كان كريما في موافقته و مشاركته للكلية بالبرنامج المذكور. و هكذا كان الأمر حيث صرنا ندرس بعض الأيام في البصرة و الأيام الأخرى نتتلمذ على يد أساتذة الجامعة المستنصرية و منهم الأستاذ الدكتور عبد الواحد محمد مسلط حين كانت الأستاذة الدكتورة علياء الربيعي رئيسة لقسم الترجمة .

و حصلت في 2005 خلافات مع عمادة الكلية برئاسة الأستاذ الدكتور باسم حطاب الطعمة على إثر بعض الإشكالات الحاصلة من عدم توفير مستلزمات القسم و احتياجاته العلمية و الإدارية فشكل السيد العميد لجنة للتحقيق في الأمور و كانت لجنة غير نزيهة و لا مستقلة و كانت أولى توصياتها غلق القسم. و لما كنت رئيس القسم و مسؤولا عن الدفاع عنه كتبت للسيد العميد مذكرة بعنوان

“لم تقتل الإوز الذي يبيض ذهبا Why kill the Geese that Lay the Golden Egg ” و قلت له أنكم بالأحرى لابد أن تغلقوا قسم التاريخ لأننا لدينا قسما للتاريخ في كلية التربية و لدينا كلية بأكملها للتاريخ هي كلية الدراسات التاريخية المؤسسة على أركان كلية صدام للدراسات التاريخية و التي تم تحويلها إلى كلية التربية للبنات لاحقا, و لا يجب ان تغلقوا قسما وليدا واعدا بالنجاح و جاذبا للطلبة كما هو شأنه الآن بعد مضي أكثر من عقد و نصف على تأسيسه. و بهذه المحاججة انتهى الموضوع على خير و تم تلبية بعض احتياجات القسم.

و بعد أن تخرجت في القسم أول دفعة من الطلبة تقدمت إلى عمادة الكلية بمقترح افتتاح الدراسات العليا (الماجستير تحديدا) و أن يكون ذلك بالمشاركة مع قسم اللغة الإنكليزية العريق في الكلية و جاء الرفض على أساس مخالفة المقترح للتعليمات الوزارية بشأن افتتاح الدراسات العليا و من بينها ضرورة مرور عامين أو أكثر على تخرج أول دفعة و توفر كادر تدريسي بمواصفات معينة و كل ما كنت أراه أمورا روتينية و بلا قيمة خصوصا و ان برنامج الماجستير المقترح سيكون برعاية الشقيق الأكبر لقسم الترجمة ألا وهو قسم اللغة الإنكليزية. و لما كنت متحمسا للغاية لهذا المشروع و أعمل بروحية المبادرة و التطوير التي تعمل بها المؤسسات الأكاديمية و غير الأكاديمية في بلدان العالم المتقدم قررت التقدم بطلب لإعفائي من منصبي رئيسا للقسم و لم تنفع محاولات ثنيي عن القرار. و بعد عدد من السنوات تم افتتاح الدراسات العليا و جاء حديث السيد العميد مثلجا للقلب بقوله إننا إذ نفتتح الدراسات العليا في القسم فإننا نكرم صاحب المشروع الأساسي و هو الدكتور كاظم العلي.

و الحمد لله أن عجلة الدراسات العليا و القسم بأكمله لا زالت دائرة و لا زال القسم بجاذبيته الأولى في إقبال طلبة الدراسات الأولية عليه في الدراسات النهارية و المسائية مع تطور الكادر التدريسي فيه و حصول عدد جيد منهم على الدكتوراه في الترجمة، و من المؤكد أن للزملاء قصصا يمكن أن يروونها عن دورهم في بناء القسم و من الممكن أن يقوموا هم بروايتها شخصيا.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close