في اعقاب سقوط جدار برلين، تفككت دول، واخرى توحدت

* د. رضا العطار

احتفلت المانيا عام 2010 بمشاركة العديد من دول العالم بالذكرى العشرين لسقوط جدار برلين الذي كان يعتبر رمزا مهينا وجارحا لأنقسام حاد بين معسكرين متنافسين متصارعين داخل دولة واحدة لمدة تزيدعن الاربعين عاما اطلق عليها اسم (الحرب الباردة) مع ان الحروب (الصغيرة) التي حدثت كانت في منتهى السخونة، فقد خلفت وراءها ما يزيد عن عشرين مليون ضحية في اكثر من 200 مواجهة. تميزت تلك الحروب باشعال الحرائق في كل مكان وسباق تسلح هائج ومنافسات اقتصادية وسياسية وفضائية وايدولوجية ضارية. وانتهاكات حقوق الانسان ودعم النظم السلطوية الفاسدة وتدبير انقلابات واغتيال زعماء.

لقد انتهت الحرب الباردة بحسم المعركة لصالح المعسكر الغربي الذي قادته الولايات المتحدة على المعسكر الاشتراكي الذي كان يقوده الاتحاد السوفييتي. ولذا اعتبر الغرب انتهاء الحرب الباردة انتصار للرأسمالية على الشيوعية وانتصار اقتصاد السوق الحر على الاقتصاد المخطط مركزيا واخيرا انتصار الديمقراطية على الديكتاتورية اي انتصار الشعوب على ارادة الاحزاب والنخب الحاكمة.

لقد مثل انهيار الجدار انتهاء مرحلة شاملة من تاريخ البشرية الحديث وبداية مرحلة جديدة نقيضة تميزت بالمزيد من استعمال الوسائل السلمية في حل الصراعات العالقة كما حدث في العديد من دول افريقيا. وقد ادت نهاية الحرب الباردة الى انهاء نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا. وامتدت الموجة حتى شملت دول اوربا الشرقية وامريكا اللاتينية. الا ان الابواب اوصدت امام المنطقة العربية فقد اوصدت لئلا تتمكن من اختيار قياداتها، كما تغوّلت الولايات المتحدة والحقت بالصراع العربي الاسرائيلي اضرارا بليغة، ظهرت للعيان في اتفاقية اوسلو.

وكان من اهم نتائج انتهاء الحرب الباردة تفسخ الدول الكبرى ابتداء بدول البلطيق الثلاث التي فرت من المركز السوفييتي ثم انفرط خيط المسبحة فتناثر العقد الى مكوناته الخمسة عشرة ، ثم انطلقت حركات انفصالية لمجموعات عرقية كثيرة مثل ابخازيا واوستينا جنوب جورجيا وكاراباخ في اذربيجان والشيشان في الاتحاد الروسي وغيرها.
وما لبثت ان امتدت الشرارة الى يوغوسلافيا التي كانت قد انجزت شيئا من الاندماج ايام حكم الرئيس تيتو. لكن تبين ان هذا الاندماج كان في حدود القشرة فقط ولم يصل الى اعماق النفوس فما ان اعلنت سلوفينيا استقلالها عام 1991 حتى لحقها كل من كرواتيا والبوسنة والهرسك وماسادونيا، ولم يبق الا صربيا والجبل الاسود واقليم كوسوفو.
وقد حاولت القوات الصربية ان تسحق الاتجاه الاستقلالي عن طريق المذابح والحروب الشنيعة الا ان التيار الاستقلالي نجح في النهاية خاصة بعد تدخل قوات الناتو.

اما الشعوب فقد فرض عليها التقسيم في اعقاب الحرب العالمية الثانية دون الاخذ بعين الاعتبار لمشاعر السكان والتاريخ والروابط الانسانية والعائلية والحياتية التي تربطهم معا. فقُسّم الالمان الى دولة شرقية واخرى غربية. واليمن الى دولة شمالية واخرى جنوبية وكوريا الى شمالية وجنوبية بينما بقى الاكراد مقسمين داخل اربع دول متجاورة. وهناك حالات عديدة داخل افريقيا لا مجال لسردها جميعا.

لقد احست هذه الدول بان انتهاء الحرب الباردة قد هيأ الارضية المؤاتية لاعلان الوحدة. فما هي الا اشهر حتى اعلنت وحدة اليمن، كما اعلنت وحدة الالمانيتين. لكن وحدة الكوريتين ظلت امرا عسيرا بسبب القطيعة التاريخية بين نظام شمولي في الشمال ونظام محمي من امريكا في الجنوب. اما بالنسبة الى الاكراد فقد اعلنوا حكما ذاتيا في شمال العراق بعد ان تدخلت دول التحالف تحت غطاء من مجلس الامن بحجة حماية الاكراد من نظام الطاغية صدام. لكن وحدة الاكراد في دولة واحدة اصبح امرا متعذرا بسبب الجغرافية السياسية للعراق وتركيا وايران وسوريا التي تتقاسم في مناطق حدودها المتجاورة.

لا شك ان الوحدة الالمانية التي اعلنت عام 1990 تعتبر ناجحة بكل المقاييس لكنها ليست مكتملة تماما وقد تاخذ وقتا لتخطي كافة آثار النتاج الثقافي والاقتصادي والايديولوجي لأبناء الشطرين. لكن الاهم من ذلك ان اجهزة القمع انتهت والبوليس السري فُكّك والى الابد وحرس الحدود الفظ الذي كان يطلق النار على من يقترب من الجدار الفاصل، قد انتهى والى غير رجعة. لقد صرفت المانيا الغربية ما قيمته ترليونين دولار على تحديث البنية التحتية في الشطر الشرقي من بلادها.

لقد اصبحت الهوية الالمانية لدولة الوحدة موضع فخر واعتزاز لكافة الالمان. فألمانيا هي اقوى دولة اوربية اقتصادا واكثر عددا وقد اصبحت من المكانة والمنعة ما جعل مارغريت تاشر وفرانسوا ميتراند يعبران عن تخوفهما من المارد الالماني القادم.
وقد كافئ الشعب الالماني مستشاره هلموت كول على انجازه الوحدة بمزيد من التجديد لقيادته لغاية 1998

* مقتبس من كتاب (ذلك اليوم العصيب) لمؤلفه عبد الحميد صيام

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close