لغتنا العربية والفلسفة !

* د. رضا العطار

منذ قرن من الزمان كتب المستشرق الفرنسي الشهير ارنست رونان كتابا اسمه :
( تاريخ عام ونظم مقارن للغات السامية ) ولقد طارت شهرة هذا الكتاب واصبحت مادته زادا يطعمه كل من تناول امة العرب برأيه ولسانه. ومحصل ما جاء فيه من امرنا هو دعوى – الوحدانية – التي هي في نظره آية السذاجة والبساطة في العقل، فالساميون موحدون بالطبيعة وفكرهم ينقصه التطلع، اما المتناقضات لا تفعل فيه: فالعربي امام الاحداث خلوا من كل تفكير، مكتفيا بان يقول: ان الله على كل شئ قدير !
كما انه في حالات الشك بين المذاهب يفر من حيرته بقوله: والله اعلم !
فمن غير الوارد ان تكون للعرب فلسفة، انما هي تلفيقات منتزعة من الاغريق مثبتة بالعربية. وليس لها اصل ولا جذر في شبه الجزيرة العربية.

ولقد مضى رونان الى اللغات يستمد منها تأييد هذه الدعوى الخاطئة، فيقول: ان اللغات الآرية تنزع الى المثالية وذلك بمرونتها الرائعة ووجوه اعرابها المختلفة وادوات ربطها الدقيقة. اما اذا تأملنا اللغات السامية فسرعان ما يسوغ لنا الظن بان الاحساس وحده قد ساد تفكير البشر وان اللسان ما كان الا انعكاسا للعالم الخارجي. ولو استعرضنا سلسلة الجذور السامية صعب علينا الوقوف على ابتدائها.
وعلى الرغم من انها غنية من حيث المادة ( 5744 ) اسما للجمل، الا انها لاتقاس في جانب اللغات الهندية الاوربية من حيث الضبط والدقة. ان اساليب البيان العربي على سعة جوانبها تتصف بالجفوة الرتيبة والتنطع.

نحن لا ندعي اننا اوتينا المعرفة العميقة التي تميز بها هذا المستشرق ولا سعة احاطته، الذي استوعب فنون الاشتقاق في عصره ووقف مع فطاحل الالمان من امثال ابوالد ولاسن وشبيغل وقوفا بصيرا واعيا. ولكننا مع ذلك نأذن لأنفسنا ان نبدي بعض التسائلات والاعتراضات بصدد مقالاته. واول ما نريد بيانه هو وهن الموضوعية التي اعتمدها رونان في دراسة فلسفة اللغة السامية بمعزل من الاعتبارات الاجتماعية والمناخية.

لم يكن العرب امة غالبة دائما حتى نقول ان لسانهم انما انتشر بقوة السيف. نعم لقد امتد ملكهم ذات يوم من جبال البرانس الفرنسية الى تخوم الصين . ولقد كانوا على راس العالم المتمدن في عهود زاهرة كالتي كانت في بغداد في القرن الثامن الميلادي ايام الرشيد والمأمون. اوكعهد قرطبة ايام الاندلس او كعهد الفاطميين في القاهرة. ولكنهم واجهوا نكبات ومصائب كان من حقها منطقيا ان تمحو لغتهم محوا كأداة حضارية ومع ذلك لا هولاكو البوذي الذي غزا بغداد وجعل مياه دجلة سوداء من مداد ثقافتها ولا الحروب الصليبية التي عاثت في ارضنا قرنين من الزمن، ولا غلبة الاعاجم علينا من كل ملة ونحلة ولا الاستعمار الغربي نال من عنفوان اللغة العربية، لماذا ؟ لأن هذه اللغة اثبتت حيويتها امام الكوارث. لأنها وقد القحتها الثقافات الفارسية واليونانية والهندية، عرفت كيف تستضفي عصارة تلك الثقافات فينقلها نسغها اليعربي الاصيل. فان سر حياتها القوية العنيفة قائم في مرونتها وقابليتها للتكيف. وهذه هي النهضة العربية اليوم تاتي شاهدا مصدقا لما نقول.

ففي اقل من قرن من الزمان استطاع اهل هذه اللغة ان يتناول لسان العرب ما شئت من علم وفن وفلسفة وتكنيك. وكثيرا من جامعات العالم العربي ومن مراكز بحوثها تتولى معالجة العلوم الايجابية بفكر اداته. هذه اللغة المضرية لغة عدنان. وما احرانا ان نردد مع صديقنا لويس غارديه: (ان الخميرة العربية العاملة في جوف كل الشعوب التي استهواها الاسلام انما هي هذا اللسان الرائع وهذا المزاج الرقراق وهذا القرآن المدهش).
ان امجد مظهر لعبقرية العرب هو لغتهم العظيمة كما تجلت على لسان ابي الريحاني البيروتي عندما قال: لأن اهجأ بالعربية خير لي من ان امدح بالفارسية.

* مقتبس من كتاب قضية الفلسفة لمؤلفه محمد كامل الخطيب

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close