افتقار القرآن للتنقيح .. مطلع البقرة مثالا 1/2

ضياء الشكرجي

مما يؤكد لي بشرية القرآن هو افتقار أكثر نصوصه إلى التنقيح، بحيث يكون من النادر جدا أن أجد شخصيا آية من غير حاجة، على الأقل إلى استبدال مفردة بغيرها. واخترت فقط كنموذج مطلع السورة الثانية (البقرة)، وذلك لغاية الآية السابعة.

النص القرآني للآيات السبع:

أَلِف لام مّيم (1) ذالِكَ الكِتابُ لا رَيبَ فيهِ هُدًى لِّلمُتَّقينَ (2) الَّذينَ يُؤمِنونَ بِالغَيبِ وَيُقيمونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقناهُم يُنفِقونَ (3) وَالَّذينَ يُؤمِنونَ بِما أُنزِلَ إِلَيكَ وَما أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُم يوقِنونَ (4) أُلائِكَ عَلى هُدًى مِّن رَّبِّهِم وَأُلائِكُ هُمُ المُفلِحونَ (5) إِنَّ الَّذينَ كَفَروا سَواءٌ عَلَيهِم أَأَنذَرتَهُم أَم لَم تُنذِرهُم لا يُؤمِنونَ (6) خَتَمَ اللهُ عَلى قُلوبِهِم وَعَلى سَمعِهِم وَعَلى أَبصارِهِم غِشاوَةٌ وَّلَهُم عَذابٌ عَظيمٌ (7)

وسأعرض نصين بديلين منقِّحا الآيات السبع، الأول مع فرض إن محمدا رسول الله، والقرآن كتاب الله، والثاني مع فرض بشرية القرآن وبالتالي انتفاء نبوة محمد.

النص البديل الأول مع فرض نبوة محمد:

… (1) ذالِكَ الكِتابُ لا رَيبَ فيهِ هُدًى لِّلصّالِحينَ (2) الَّذينَ مِنهُم مَّن يُّؤمِنونَ بِالغَيبِ وَيُقيمونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقتُهُم يُنفِقونَ (3) وَمِنهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِما أُنزِلَ إِلَيكَ وَما أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُم يوقِنونَ (4) أَو الَّذينَ استَقاموا وَصَلُحوا وَأَصلَحوا سَواءٌ آمَنوا أَو لَم يُؤمِنوا كُلُّ أُلائِكَ عَلى هُدًى مِّن رَّبِّهِم وَهُمُ المُفلِحونَ (5) إِنَّ مِنَ الَّذينَ لَم يُؤمِنوا مَن هُم سَواءٌ عَلَيهِم أَدَعَوتَهُم لِلإيمانِ أَو لَم تُدعُهُم لا يُؤمِنونَ (6) وَفَريقٌ مِّنهُم خُتِمَ عَلى قُلوبِهِم وَعَلى أَسماعِهِم وَعَلى أَبصارِهِم غِشاوَةٌ، وَّلَهُم جَزاؤُهُم عِندَ رَبِّهِم بِما أَساؤوا، وَاللهُ أَعلَمُ بِما يَستَحِقّونَ، فَلا تَقولوا أَنَّهُم كَفَروا وَلا تقولوا لَهُم عَذابٌ عَظيمٌ (7)

والآن أبين أسباب التعديل:

النص البديل الأول مع فرض نبوة محمد:

… (1): أهملت لأن الحروف المتقطعة (ألف، لام، ميم) لا معنى لها، ومن الممتنع على الله بحكمته أن يخاطب الناس بطلاسم وألغاز، لا يعرف أحد كيف يحل شفرتها.

ذالِكَ الكِتابُ لا رَيبَ فيهِ هُدًى لِّلصّالِحينَ (2): أبقيت الآية تقريبا على ما هي عليه، مع استبدال «المُتَّقينَ» بـ «الصّالِحينَ»، لأنها أعم، فتشمل الديني واللاديني، بل المؤمن بالله وغير المؤمن، طالما كان مستقيما وصالحا، لأن الله بعدله ورحمته لا يثيب أو يعاقب على ضوء عقيدة الإنسان، لأنها بنسبة أكثر من تسعين بالمئة أمر غير اختياري، ويمتنع عقلا على الله أن يعاقب على ما هو غير اختياري، خاصة إذا علمنا إن التقوى مصطلح ديني، ثم هي تتضمن معنى الخوف، فالمتقي يستقيم وفق معايير الدين، ليتقي عذاب الله، وعُبِّر عن التقوى بأنها خوف إيجابي، أي خوف يستتبع توقي الخائف مما يخافه، والعلاقة بين الإنسان المؤمن وربه، لا يجب أن تكون علاقة خوف، فكم هي أنقى عندما تكون عند البعض علاقة حب.

الَّذينَ مِنهُم مَّن يُّؤمِنونَ بِالغَيبِ وَيُقيمونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقتُهُم يُنفِقونَ (3): هنا استخدمت «مِنهُم»، لأن ليس كل الصالحين والمستقيمين الذين يستحقون أن يكونوا من المفلحين وبالتالي رضا الله وثوابه، هم من «الَّذينَ يُؤمِنونَ بِالغَيبِ وَيُقيمونَ الصَّلاة»َ، فبعضهم يؤمن بالغيب ولا يقيم الصلاة، وبعض آخر لا يؤمن حتى بالغيب. واستبدلت «رَزَقناهُم» بـ «رَزَقتُهُم» لأن لا معنى لتكلم الله بضمير الجمع، أولا لأنه واحد أحد، وثانيا لأن العظيم لا يحتاج إلى تعظيم نفسه، فيرد تبرير القائلين بأنه هنا جمع تعظيم.

وَمِنهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِما أُنزِلَ إِلَيكَ وَما أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُم يوقِنونَ (4): «مِنهُم» لأن كذلك من هؤلاء من يؤمن بالرسول محمد وبسائر الأنبياء قبله، ومنهم من لم يقتنع بنبوته، لكن آمن بمن قبله، أو لم يؤمن بالنبوات أصلا، حتى مع فرض وجود أنبياء ورسل، وكون محمد خاتمهم وسيدهم، كما يعتقد المسلمون، ومع هذا كان هذا الذي لم يؤمن بما هو واقع لم يدركه، إنسانا صالحا. وكذلك منهم من آمن ولكنه لا يقيم الصلاة، لكنه يأتي بكل الأعمال الصالحة والإنسانية.

أُلائِكَ عَلى هُدًى مِّن رَّبِّهِم وَأُلائِكُ هُمُ المُفلِحونَ (5): أبقيتها على ما هي بلا تعديل.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close