الكوارث التي تعلمنا !

د. رضا العطار

من احسن ما انعمت به عليّ الأقدار انها اصابتني بطائفة من الكوارث في مراحل متفاوتة من عمري، كانت لي بمثابة الدروس العلمية التي تعلمت منها وخرجت من عبرتها اكثر حكمة واوضح بصيرة واسعد احساسا.
مرضت في طفولتي وبقيت بالفراش ايام طويلة. ولكن هذا المرض قد زال ولم يبق منه سوى هذه الذكريات المحببة الى قلبي وهي الساعات الحلوة التي كانت امي تقضيها جالسة بجانب سريري، تفضي علي رعايتها وحبها وحنانها، تدعو الله لي بالشفاء وتمسح رأسي ووجهي بيدها الطرية الناعمة، وتقرأ الدعاء ليل نهار وتنفخه حول جسمي، (لطرد الارواح الشريرة التي جائت بهذا المرض) . وما زلت الى الان وانا في الحلقة الثامنة من عمري استعيد هذه الذكرى، فتغمرني منها سعادة واحس كأني املك كنزا لا يملكه احد غيري على هذه الارض.

وكارثتني الأقدار بصديق لازمني نصف قرن من الزمن سرقني وآذاني تحت غطاء خدماته الأجتماعية والعلاقات الودية المزيفة، كحرصه المفرط على رعايتي. في الوقت الذي كان فيه يسير طبقا لبرنامجه الذاتي في تحقيق مصالحه المادية. ولكنه مع ذلك حملني على ان اتأمل حياته واتفحصها كما يتأمل الطبيب مريضه كي يتعرف الى اسباب المرض.
واني اؤكد اني لو كنت قد قرأت خمسين كتابا في السيكولوجيا، لما كنت قد انتفعت منها بقدر انتفاعي بهذا (الصديق). ففي الوقت الذي اتسمت علاقتي به بنقاء النية وحسن المعاشرة، كانت علاقته معي في احيان كثيرة غير شفافة وغير صادقة، ولهذا تألمت منه. وقد ذهبت شروره وبقيت دروسه وبذلك زادني حكمة واكسبني معرفة.

وقد توافرت عليّ الكوارث التي لا اقول اني لقيتها مبتسما ولكني اقول اني لقيتها جادا متأملا. وكل ما خسرت من المال لا يبلغ ما كسبته منها بالاختبار والنمو. صحيح اني خسرت المال في غفلة مني نتيجة حسن ظني بالاخرين لكنني كسبت التجربة و الحكمة.
وقد فقدت هذا الصديق (العزيز) ولكني كسبت حنان ذكراه وذكرى العلاقات الانسانية الطيبة مع اهله واقربائه واصدقائه، هذا الحنان الذي يسري في خاطري كما لو كان اريج زهرة او نشوة خمرة.

ان هذه الحياة تحتاج الى الدروس العملية. واعظم درس عملي هو كارثة موجعة تقع بنا وتنقلنا من عالم الذهول الى عالم وعي العقل، فنقف في الطريق ونتأمل ظروف ايامنا المستقبلية في ضوء حاضرنا وماضينا. وبهذا الوقوف والتأمل تنضج شخصية الانسان فيزداد احساسا وتعقلا ومعرفة — اجل ان الكوارث تعلمنا.

مقتبس من كتاب مشاعل الطريق للشباب لسلامه موسى. مع تعليق لكاتب السطور.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close