إني أغرق!!

إني أغرق!!

الغرق لعبة الماء مع البشر , أو إن شئت آفة الماء للبشر , وقد عايشته منذ الصغر , ولا أدري كيف نجوت من الغرق بعد أن أشرفت عليه عدة مرات , إذ كنا نقضي أيام العطلة الصيفية عند النهر , وما كنت أجيد السباحة فأخشى الماء , لكن النهر جذاب , وساحات لعبنا على ضفافه , ولا بد من ولوج النهر , لكي تعبّر عن شجاعتك وعدم تخلفك عن أصحابك.

فكنا نسبح في فسحة صغيرة ليست عميقة ما بين صخرتين كبيرتين أحدهما ” السن العريض” وهو صخرة مسطحة نحوم حولها لنتعلم السباحة وكنا بلهجتنا ” إنطبش”.

و”السن العالي” وهو صخرة عامودية مرتفعة , يتقافز منها إلى الماء السبّاحون المهرة , ولا يمكننا أن نتجاوز ” السن العريض” لأن النهر عميق في ناحيته الغربية.

وما نصحني أحدٌ إلا جدتي التي كانت تقول لي ” ما يصير تذهب للنهر بدون كَرب” , والكرب هو الجزء الذي يصل مابين جذع النخلة وسعفها ويكون مثلث الشكل أو مخروطي , ويمثل طوق النجاة أو سترتها , إذ يتم ربط عدد منها حول البطن والظهر فتساعد على العوم الأمين, وهي عادة عراقية قديمة توارثتها الأجيال وتعلمت السباحة بواسطتها , وقد جرّبتها.

وفي وقتنا كنا نستعمل “الكلن” وهو حاوية لدهن السيارات فارغة إسطوانية الشكل وسعتها خمسة غالونات , وكان ” التنكجي” يسد ثقوبها وهي فارغة من الدهن , ويلصق بها حمّالات للحزام , فكنا ” نتحزم بها” وهي على ظهرنا وندخل الماء بثقة وأمان.

وصار ” الكلن” طوق نجاتي ورفيقي كلما ذهبت إلى النهر , أو عندما أكون في القارب ” البلم” , لأني أخشى الغرق رغم تعلمي السباحة.

أسوق هذه المقدمة الواقعية في حياتنا لشدة خوفي من الغرق , ومبعث هذا الخوف أن العديد من الصبية والشباب قد غرقوا في نهر مدينتنا.

وكل صيف لا يخلو إسبوع من غرق واحد أو إثنين في النهر , وما أكثر الغرقى من الزائرين , الذين يؤخذون بالماء وسحر الطبيعة , فيتجرؤون على السباحة في النهر الذي يبتلعهم.

وتتكرر كل صيف وأحيانا في الشتاء مشاهد الأبدان الباردة المنتشلة من النهر , وعندما عملت طبيبا في مستشفى مدينتي لبعض الوقت , كانت أيام الصيف لا تخلو من الغرقى من أبناء المدينة , ومن الذين جاؤوها للزيارة أو النزهة.

والعجيب في الأمر – وقد كتبت عن هذا مرارا – أن لا أحد في المدينة قد تصدى لهذه الحوادث , لا بلديتها ولا مسؤوليها ولا وجهائها ولا غيرهم , وما سمعت يوما في خطبة جمعة الإشارة إلى موضوع الغرق والوقاية منه , وكيفية الإحتراز من هذه الحوادث المتكررة المؤلمة المؤسفة.

وفي كافة مجتمعات الدنيا على ظهر قارب أو سفينة أو مركب أو أي شيئ آخر يمخر عباب الماء , يجب على الأشخاص حمل أو إرتداء أطواق أو سِتَر النجاة , إلا في مجتمعاتنا العجيبة السلوك , والتي لا تعرف الوقاية من كل شيئ.

ولهذا تجدنا نقرأ إنها الأقدار , ومكتوبة عليهم , وكتابات الترحم والتأسي , والبعض يرمي بذلك على الله , الذي أعطى مخلوقاته عقلا وبصيرة , لكننا نتوسل إليه أن يرحمهم ويلهم ذويهم الصبر والسلوان , ويتكرر المشهد والعدوان.

بينما المشكلة ببساطة تتلخص بفقدان مهارات الإحتراز والوقاية من الغرق , فأطواق النجاة مثل أحزمة الأمان في السيارات , فلا يمكن لأي شخص أن يكون فوق الماء من دون طوق نجاة , حتى ولو كان من أمهر السباحين.

هذه هي الضوابط المعمول بها في مجتمعات الدنيا , فلكل نشاط ما يتصل به من الإحترازات الوقائية التي تحمي مما قد ينجم عنه.

بينما نحن مجتمعات نقرأ ومنذ الصغر ” الوقاية خير من العلاج” , وما توقينا , ولا إمتلكنا ثقافة الإحتراز من المخاطر والويلات!!

وبكل تأكيد سنتفاعل بذات النمطية الخرقاء وسنتلاوم , ونتبادل التهم , ولا نتخذ أي إجراء وقائي لمنع تكرار ذات المأساة!!

فلماذا لم يلبس الذين على ظهر العبارة أطواق النجاة , أم أن ذلك ليس من الشروط والمستلزمات لمنح الإجازة لتسير هكذا وسائط نقل قد تودي بحياة المواطنين؟!!

د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close