الجزائر … تفكيك الاحجية..؟؟…1

د. اكرم هواس

لا ادري ان كان من الحكمة ان نبدأ من الأسئلة التقليدية حول ما يحدث في الجزائر… حيث يقول الرئيس بوتفليقة انه يعمل على تغيير النظام … بينما يصدح أصوات المتظاهرين بضرورة عدم التجديد للعهدة الخامسة .. اي ديمومة الحال كمان كان..؟؟.. لا شك ان الحالة تبدو غريبة حيث اعتاد الرؤساء ازالة من يتحداهم بشخطة قلم او أشارة عابرة … كما ان الانقلابات كانت تحدث في القصور على الرئيس و اعوانه… ثم تطلق بالونات “الثورة” في الهواء فتخرج الجماهير و ترش ماء الحب و التأييد المطلق على الطرقات و الشوارع التي غرقت في دماء مهرجان الانقلاب …

من حسن حظ الجميع ان هذا المشهد لم يتكرر في الجزائر الان … لكن تبقى الأسئلة عن ماهية التغيير و طبيعة النظام الذي يريده الرئيس و الجماهير المنتفضة ضده ان يتغيير .. مفهوم التغيير يعني اشياء كثيرة و متناقضة احيانا… و مفهوم النظام يشمل كل ما يدب في اروقة الادارة السياسية و الاقتصادية تقاطعاتها و تداخلات المصالح في الداخل و عبر الحدود… النظام هو هرم كل السلطات من البيت الى الشارع و داخل المؤسسات و عبر كل المنظومات الفكرية و الاجتماعية … و التغيير قد يشكل آلية تأطير الهيكليات او تبادل مراكز بين الأحزاب و الأشخاص المتنفذين … لكن قد يمثل ايضا اعادة تنميط البنية المجتمعية كليا…. اي هدم المعبد بما فيه… على امل ايجاد فكرة و مهندسين و عمال لبناء معبد مختلف ربما في اسمه و عنوانه..

و لكن لحد هذا اليوم و نحن في اجواء الجمعة الخامسة من التظاهرات فان لا احد يجرؤ ان يصرح عن حدود التغيير و لا عن اي جزء من النظام يراد تغيره… هناك كلام يتم تداوله في قنوات خاصة عن خلافات داخل المؤسسة العسكرية و هناك آلية واحدة يطرحها الرئيس لتغير النظام و هي إقامة مؤتمر عام او ندوة كما يسميها تبدأ خلال فترة قصيرة و تنهي أعمالها خلال الأشهر من هذه السنة و تؤدي الى تغيير..!!.. هكذا تبدو الصورة مرسومة مسبقا و محددة بتواقيت و اليات و نتائج …!!. اذن التساؤل الأولي يذهب باتجاه مدى التفاؤل و الاستشراف الواقعي في توقعات الرئيس: هل نحن ازاء يوتوبيا او مخيال رئيس مثقف ام اننا ازاء خطة مدروسة و من الذي وضع هذه الخطة و ما هي الأهداف و لماذا يجب تهييج الشارع ؟؟… هل نبحث عن شرعية ديمقراطية ام شعبوية ام ان هناك افكار و طروحات او مشاريع يعمل الفاعلون على تهيئة الظروف لها و تمريرها او منعها من التمرير..؟؟..

الخلاصة الأولية هي ان هناك صراعا و جدل و جدليات داخل النخبة الحاكمة عبر مختلف مؤسساتها و شبكات مصالحها و مناهجها الفكرية حول دور الدولة … ليس فقط فيما يتعلق بالمسؤولية الوظيفية للدولة و علاقتها بالمجتمع من حيث توفير الأمن و العمل و الخدمات مقابل انتشار الفساد و مستوى العنف وووو.. الخ من الأمور التي اصبحت تقليدية في شعار ثورات الربيع العربي و منتجاتها … و لكن فيما يتعلق ايضا بنموذج الدولة و موضعتها في واقع التغييرات البنيوية ضمن اليات العولمة ….

هنا اعتقد مبدأيا انه لكي نفهم كل هذه الإشكاليات و غيرها لابد من الانتباه الى نقطتين:

اولا… الحالة الجزائرية لا تستدعي فقط اعادة قراءة تاريخها القريب و البعيد… بل دراسة تجربة ثورات الربيع العربي قبل سنوات و النماذج التي أنتجتها .. ربما هناك استخلاص اولي بان الديمومة تكمن في التغيير … لكن هل هناك نموذج يمكن الاقتداء به ..؟؟..

ثانيا..مقارنة ذلك بما يحدث او سيحدث في الاتحاد الاوروبي ليس فقط بسبب ارث فرنسا الاستعماري و إنما ايضا بسبب اعادة هيكلية الاتحاد الاوروبي و ظهور رؤية جديدة تجاه افريقيا… هل يمكن للجزائر ان يكون شريكا في مشروع “أوروبي” للتمدد..؟؟..

لكن لو بدأنا بالنظر في العلاقة التقليدية بين الدولة و المجتمع كأساس فرضي للمظاهرات و المطالبات بالتغيير فاننا نتوقف عند قناعة مبدأية حيث يعتقد البعض ان احداث الجزائر هي استكمال للربيع العربي الذي توقفت آلياته حينها في الجزائر بسبب تدخل الدولة و اجراءاتها … و هذا صحيح الى حد ما… لكن هناك خصوصية تستند الى عوامل عديدة نذكر منها عاملين و هما : 1-المستوى العالي من العقلانية السياسية و هذا يفتح الباب امام دراسة منتجات الربيع العربي..2- قضية “حيادية الدولة” و مشروع نمذجة التجربة الأوروبية … و هذا يرتبط بالتطور في عملية اعادة هيكلة الاتحاد الاوروبي..

ازاء هذا الوضع يحاول الجميع كسب الوقت و الاحتفاظ بنوع من التناغم في سير الأحداث ..

و التناغم معناه ان كل طرف يبدو و كأنه يعرف و يعترف و يحترم مساحة حركة الأطراف الاخرى و لذلك تبدو العملية كلها و كأنها سمفونية الهدف منها هو التقييم النهائي لعملية الإخراج الذي سيضع حدودا جديدة لوضع الدولة في اطار اليات التغيير في المنطقة …

هل يستمر هذا التناغم ..؟؟.. ربما.. فدروس الربيع العربي علمت الجماعات الاسلامية و الراديكالية ان ليس لهم مكان في خارطة السلطة .. و الليبراليون تعلموا ضرورة الصبر و مواصلة تقديم الصورة الانسانية في التعامل السياسي… و المؤسسة العسكرية تعلمت ان وجه الدكتاتور المكفهر لا ينفع… فالعسكري يمكن ان يبتسم و هو يمارس هوايته في ادارة البلد … و لا بئس ان يتطلع الجزائريون الى ميكانيكية التغيير في اوروبا و باريس ليست بعيدة … هل ستسير الأمور بهذه النمطية ام ان هناك بدائل اخرى..؟؟..

في المقالات التالية في هذه السلسلة التي سنناقش الاحتمالات و سنقيم في المقالة التالية مقاربة بين ما يحدث في الجزائر و نماذج الثورات العربية و منتجاتها في ادارة الدولة و المجتمع…. حبي للجميع

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close