الكمال الروحي والاخلاقي ..في فكر المحقق الصرخي

فاضل الخليفاوي
خلق الله تعالى الإنسان مؤلَّفا من الروح والجسد، وهما مترابطان ترابطاً وثيقاً، ومتفاعلان تفاعلاً قوياً، لا ينفكّ أحدهما عن الثاني إلا بتصرم العمر، ونهاية الحياة. وسعادة الانسان وهناؤه الجسمي والفكري منوط بصحة هذين العنصرين وسلامتهما معاً.
ويلحظ المتأمّل في تعاليم الدّين الإسلامي أن المنهج الذي يسلكه هو منهج الفطرة الانسانية التي ناغمها وحرّكها والتحم معها، المنهج الذي يعطي الغرائز حقها الكامل بدون إسراف واعتداء، فلم يُطلِقْها ولم يَعْقِلْها، ويدعو إلى السيطرة على الطبيعة واستثمارها بما يحقق التّوازن بين مختلف الجوانب في الحياة الإنسانية؛ بين مطالب الجسد الماديّة من أكل وشرب وزواج وغير ذلك، وبين مطالبه الروحيّة من عبادة لله، وتزكية للنفس، والتماس مكارم الأخلاق والقيم الحقة.
فسعى الإسلام بشريعته الى إشباع حاجات الإنسان الروحية، كما سعى – في الوقت ذاته – إلى سد حاجاته الجسمية المادّيّة، فهو دين الإنسان بين الروح والجسم يخاطب الناس بإنسانيتهم، قال تعالى:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(3).
إذن الإنسان لم يُخْلَق للظروف القاسية التي يعيشها، ولا للمشاكل التي يبتلى بها، ولا للهموم التي تخيّم عليه، بل هذه كلها إنما تؤثر على الكمال المادي، وأما الكمال الروحي فلا تؤثر عليه هذه الأمور شيئًا، والإنسان لم يُخْلَق للكمال المادي كي يعترض على الله بقوله: لماذا خلقتني وابتليتني يا رب بظروف قاسية وبمشاكل وهموم؟! الظروف القاسية تعوق الكمال المادي، وليست عائقًا أمام الكمال الروحي، بل بالعكس، فإن الظروف القاسية قد تساعد الإنسان على الكمال الروحي، وقد تساعده على صفاء الروح وطهارته.
ولذلك القرآن الكريم يمدح أولئك الكاملين فيقول: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، أي أن أولياء الله لا يحزنون أبدًا لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن الإنسان الذي يفكّر في الكمال المادي فقط هو الذي يحزن إذا أصابه مرض أو بلاء أو ظروف قاسية، وذلك لأنه يخاف أن يذهب الكمال المادي من يديه، وأما الإنسان الذي لا يعيش إلا الكمال الروحي فلا يهمه ما يحصل في هذه الدنيا، كما قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)
ومن هذا الجانب الانساني فقد اوضح احد المحققيين الاسلاميين الى تربية النفس في الوصول الى الهدف الاسمى وهو التكامل المعنوي والاخلاقي ، وهذا جزء من كلامه الشريف جاء فيه :
((الإنسان الذي يريد أنْ يسير في طريق الكمال الروحي والأخلاقي وتربية النفس، عليه أنْ يجعل لنفسه مستويات متدرجة للرقيّ حتى الوصول إلى الغاية القصوى والهدف الأسمى؛ لأنَّ عدم التدرج والاقتصار على الغاية القصوى غالبًا ما يؤدي إلى الإحساس بالتعب والشعور باليأس والعجز عن السير والتكامل، ولعلاج هذه الحالة المَرضيّة عليه أنْ يتخذ لنفسه عدة مستويات وغايات يسعى ويعمل للوصول إلى المستوى الأول القريب وحينما يصل إليه يشحذ همّته ويضاعف جهده وسعيه للوصول إلى المستوى الثاني وهكذا حتى الوصول إلى المستوى الأعلى النهائي، فالإنسان العاصي الفاسق إذا عجز عن الوصول إلى مستوى العدالة والتكامل المعنوي والأخلاقي، فلا يترك طريق الحقّ ويرضخ وينقاد لخطّ الباطل والرذيلة؛ بل عليه أنْ يضع لنفسه مستويات متعددة من الرقيّ، فمثلًا في المستوى الأول عليه أنْ يهتمّ ويسعى للتعوّد علي ترك الكبائر فيعمل في سبيل تنمية وتصفية خاطره في سبيل الترقّي والوصول إلى مستوي يمتنع فيه عن الكبائر، وبعد ذلك يضاعف جهده وسعيه للوصول إلى المستوى الثاني بأنْ يترك الصغائر فيعمل إلى أنْ يعوّد نفسه على ترك الصغائر، وهكذا يضع لنفسه مستويات أخرى إلى أنْ يتقرب شيئًا فشيئًا من حالة ملكة العدالة ويزداد ترقّيه حتى يصل إلى مستوى امتلاك ملكة العدالة، وهكذا بإمكانه أنْ يرتقي إلى مستويات أعلى دون مستوى ومرتبة العصمة.))
مقتبس من البحث الأخلاقي “السير في طريق التكامل” لسماحة السيد الأستاذ – دام ظله –
https://ibb.co/YNSmtN3

image
Image image hosted in imgbb.com
ibb.co

فالفلاح لمن ساهم في تطهيرها وتجلية مرآتها باكتساب ملكة العدالة حتى تحتفظ بصحتها الأولى من قبل انحدارها إلى ميدان الشهوات والنزعات المختلفة التي قد تشكل عقبات أمام هذا المطلب الأخلاقي الشريف .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close