فيلم “تورنر”: قلق الرسام أمام الكاميرا

محمد بنعزيز مارس 2019
“تورنر” فيلم عن سيرة رسام في لحظة تحوّل مفصلية من تاريخ الفنون البصرية في منتصف القرن التاسع عشر، قرن اختراع الفوتوغرافيا والسينما. فبعد مرور ساعتين من زمن الفيلم (تورنر 2014 إخراج مايك لي) ذهب الرسام تورنر (1775-1851) لالتقاط أول صورة له في حياته، وقف أمام الكاميرا. حرك المصور مرآة ليضيء وجه الرسام، حلت المرآة محل الشمس لإضاءة المشهد. طلب المصور من الرسام أن يبقى جامدا كموديل لثلاثين ثانية. لكن الرسام شرع في استنطاق المصور: ما هذه؟ هل تلتقط المناظر؟ هل تلتقط الألوان؟
كان الرسام الذي يرسم بالصباغة مائية أو زيتية يستشعر مخاطر الآلة التي يجلس أمامها. إنها آلة الفوتوغرافيا، ويعني اسمها حرفيا: الرسم بالضوء. يقلق الرسام أكثر حين يعرف أن تلك الآلة ترسم مناظر وبورتريهات تفوقه في الدقة.
لوضع المتفرج في الأسلوب الفني للرسام بدأ الفيلم بجنريك انطباعي، وقد استلهم مدير التصوير إضاءة لوحات تورنر، لذلك تبدو مشاهد الفيلم كأنها لوحات الرسام، وهناك شبه كبير بين الرسام والممثل الذي أدى الدور، وقد ركز المخرج على سيرة الرسام الجوال في آخر أيامه، وهكذا قلص زمن القصة التي يرويها، وبرغم شهرته ومجده فإن الرسام ومن فرط قلقه على فنه يتلصّص على تعليقات مشاهدي لوحاته المعروضة، لذلك يكرس كل وقته لفنه.
ثم جاءت الكاميرا، وكانت آلة خطرة تهدد بأن تنتزع من الرسامين الكثير من المهام. لذلك ترك تورنر رسم الأشياء ليرسم الأحاسيس، لكي يبدع ويبحث في اللون والشكل أي حيث لا تستطيع الكاميرا، ما أندر وجوه الأشخاص في لوحات تورنر، وحتى حين تظهر شخوص في اللوحات فهي تبدو صغيرة وبعيدة. يشتغل تورنر على خلفية اللوحة أكثر من مقدمتها لذا يبدو الأفق تراجيديا ينذر المتلقي. في مناظر لوحات تورنر، ما يجري في السماء أهم مما يجري على الأرض، لذلك يبدو الفيل كنقطة في وسط اللوحة، بتصغير الأشياء يمنح مساحة كبيرة للأفق المفتوح في اللوحة، الألوان الداكنة الدافئة أسفل والمفتوحة الباردة فوق. تلاوين الضوء في الأفق أكثر توصيلا للأحاسيس. وهذا يذكر بلوحة راهب على البحر Monk by the Sea للألماني كاسبار ديفيد فريدريك.
تأكيدا على القلق يسأل تورنر المصور: لماذا لا تلتقط الكاميرا صورا ملونة؟

يجيب المصور بأن الجواب ما زال سرا. ويتمتم الرسام أنه يتمنى أن تبقى الكاميرا عاجزة عن التقاط الألوان لوقت طويل. هكذا كمن يتمنى العقم لخصمه.
حين ينتهي المصور يتمتم تورنر بمأساوية: يبدو أني انتهيت أنا أيضا. يرى في ظهور الكاميرا نهايته. نهاية الحاجة إلى المناظر والبورتريهات المرسومة بالصباغة.
تلتقط الكاميرا المناظر فورا من دون تصميم ورسوم تحضيرية مسبقة (croquis)، تلتقط مناظر من دون صباغة، منذ ظهرت الكاميرا لم يعد من معنى لرسم المشاهد والوجوه. استولت الكاميرا على وظيفة الرسام. يلغي عمل الكاميرا تماما سؤال وفاء الرسام للأصل. الكاميرا تستنسخ حرفيا. كل هذا في مرحلة احترف الشاعر شارل بودلير (1821- 1867) نقد الفن وسخر من الرسامين الذين لا يتقنون الاستنساخ. في نهاية القرن سيبدأ فان غوخ تشويه ما يرسمه كما في لوحة “كنيسة القرية”، تشويه الأشكال ومخالفة الألوان كما فعل بول سيزان. هؤلاء رسامون يصرون على ما سماه ابن الهيثم “أغلاط البصر”. لا تستطيع الكاميرا تغيير حجم الأشياء ومزج الألوان. الرسام يستطيع بنفس الوسائل، لكن بمنظور جديد.

لحظة مفصلية من تاريخ الفن
يتناول فيلم “تورنر” سيرة رسام، لكنه يتناول أيضا لحظة مفصلية من تاريخ الفن. لحظة تحول في أساليب اشتغال الرسام الذي تعوّد أن يحاكي الشخوص والطبيعة، فجاءت الكاميرا لتستنسخها بدقة أكبر. صور الكاميرا أقوى لذلك ستتخذها الحكومات شرطا على وثائق الهوية. بتفوق الكاميرا لم يعد للمحاكاة معنى، صار الفنان ملزما بأن يهدم ويعيد بناء ما يرسمه لكي يلعب في مساحة فنية جديدة لا تستطيع الكاميرا اللعب فيها. جوابا على دقة الكاميرا غيّر الرسام تورنر موضوعه، لا يرسم شروق وغروب الشمس، بل صور الانطباع الذي تتركه.
جعلت الكاميرا الوجوه والمناظر الطبيعية متاحة وتستنسخها، وهكذا حطم الاستنساخ فرادة

وتميز عمل الفنان. وقد بدأت الأزمة التي انفجرت في وجه تورنر يوم كان الرسام الإيطالي جيوفاني كناليتو (1697-1768) يستخدم camera obscura لكي يستنسخ المشاهد التي يرسمها. وهي كاميرا مطورة من “البيت المظلم” الذي وصفه ابن الهيثم في كتابه “المناظر”. وقد خلق الاستنساخ اليدوي للمناظر التي تنعكس في الكاميرا أزمة للفنانين. أما وقد صارت الكاميرا تستخرج صورة للوجوه والمناظر فقد زعزعت أساليب الرسم لدى معاصري كناليتو، لذا لجأ مثلا فيسلي (1706-1782) إلى رسم العجائبي لينجو من إكراه الاستنساخ. الكاميرا لا تلتقط الأشباح.
كان الرسامون قبل اختراع الكاميرا المظلمة يرسمون الملوك والباباوات، وقد قضى فيلاسكيز (1599-1660) عمره يرسم أفراد العائلة الملكية الإسبانية، بينما رسم دافيد نابليون وزوجته. كانت الزوجة تقف ساعات طويلة أمام الرسام. حين انتشرت الصحافة في عصر الجماهير أي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر صارت صور الزعماء ترسم كاريكاتوريا. وفي القرن العشرين صارت صور الزعماء الملتقطة بالكاميرا تعلق في كل مكان لتأكيد حضور سلطة الحاكم وتمجيده. ودون معرفة هذا التحول، ودون معرفة camera obscura يصعب فهم لماذا عنون رولان بارت كتابه “كاميرا مضيئة” camera lucida الصادر سنة 1980، وفيه يؤكد بارت أن الفوتوغرافيا تمكّن الإنسان من أن يرى جسده أمامه.
صحيح يفتقد المنظر الذي تقدمه الكاميرا اللمسة الفنية، لكن الكاميرا مكنت مليارات البشر من رؤية أنفسهم على الورق. غير أنه في عصر الكاميرا لا يرى الفنان الحديث جدوى من إنتاج نسخة أخرى من المرأة الجميلة التي تقف أمامه. لا جدوى من رسم بورتريه لمارلين مونرو بالصباغة. فالكاميرا تقدم الممثلة طازجة.
كان تورنر نموذجا فنيا من عصر آخر، عصر مهدد بالزوال. لقد رفض تورنر بيع كل لوحاته لأنه فنان غير متصالح مع السوق. وسيأتي زمن يعتبر فيه الرسامون البيع هو كل النعم. سيصير الأعلى سعرا والأكثر مشاهدة معيارا للتفوق. وقد سجل إريك هوبزباوم أنه في بداية القرن العشرين انخفضت أسعار اللوحات التي رسمت في القرن التاسع.
كانت لقطة صدمة تورنر أمام الكاميرا تمهيدا لبدء فن جديد فيه فنان يريد أن يكتشف لا أن يستنسخ، وبعد مئة عام على رحيل تورنر سيحوّل أندي وارول (1928-1987) الكاميرا إلى وسيلة إبداعية توثق وتشوه ما تصوره. لم تقتل الكاميرا الفن التشكيلي بل أرغمته على تسلق آفاق جديدة.
بعد استنزاف المناظر الانطباعية، ستظهر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين توجهات تشكيلية جديدة لتجاوز العدوّة التي صدمت تورنر. انتقل الفنان من التصوير التمثيلي إلى التجريد والتكعيب والسريالية. وكانت تلك قطيعة فنية قوية مع الماضي، كما في لوحة الصرخة 1893 للنرويجي إدوارد مونش. في بداية القرن العشرين سيكون الرسامون مجبرين على البحث عن سبل بديلة بدلا من محاولة استرجاع ما سرقته الكاميرا منهم. وتمثل البورتريهات التعبيرية المرعبة للألماني أوتو ديكس (1891-1969) نموذجا لقدرة الرسام على تجاوز قدرة الكاميرا بفنه. بعد التعبيرية ليس صدفة أن يدفع رسامو بداية القرن العشرين فنهم نحو آفاق تجريدية وسريالية وتكعيبية. ويقدم فيلم “موديلياني” 2003 للمخرج مايك ديفيس المحطة الموالية من تاريخ الفن التشكيلي. وكان موديلياني وبيكاسو نجمين في باريس بداية القرن العشرين، نجم وأسلوب يصعد، ونجم وأسلوب يتهاوى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close