فنون العراق الجميلة، الموسيقى والغناء قبل الاسلام.

* د. رضا العطار

لا يشير العراق في العهد الجاهلي قبل الفتح الاسلامي الى اي مستند موسيقي مخطوط يتيح لنا معرفة احوال الموسيقى والغناء قبل الفتح الاسلامي ولكن بعد ذلك في زمن الخليفة عمر بن الخطاب اهتم العراقيون بالموسيقى بعد الادب مباشرة. وتبدو الموسيقى في العراق اكثر الفنون الاسلامية غنى فهي في الترتيب الثالث من العلوم القديمة، تبدأ بالهندسة و الطب ثم الموسيقى ثم الفلك – – الخ على الرغم من استيلاء الهندسة المعمارية على جل الاهتمامات في المجتمع الاسلامي العراقي والعربي والتي عرفت على نطاق كبير بين افراد الشعب العربي في الوطن العربي عبر التاريخ.

لقد غدت الهندسة المعمارية عاملا موحدا للتعبير الفني المبهر والمعبر عن مناحي التوحيد والتقوى. اذ امتزجت عناصرها الاساسية لتشكل وحدة اسلامية لعموم الاقطار في القارات المتنوعة في العصر الاسلامي، ومن ثم لتتدارج مع الفنون الموسيقية العربية والاسلامية لتكون ما نسميه موسيقى العالم العربي – – – وهكذا اصبحت الموسيقى دليلا عبر فهم العراقيين لسيكولوجيتها الفنية، لان الموسيقى لا تعرف اشكالا موجودة خارج نطاقها بل الاشكال التي منها تتبع قواعدها وقوانينها وضروراتها وهي اي هذه السيكولوجية المتمثلة في نشوة الصوفي وورع العابد المتذوق للجمال وصورة للنظافة الداخلية للانسان، كما انها عبرت عن العراقيين باسرار الروح الانسانية الدفينة.

يمكن القول ان الموسيقى العراقية شكلت مرحلة وسطى بين الموسيقى اليونانية الشرقية القديمة والموسيقى العربية القديمة، وسيكون لهذه الموسيقى التاثير الباهر على تكوين التعبير الموسيقي في اوربا في القرون الوسطى، وقد اعطانا العالم الكبير الفارابي المعروف في العالم الغربي باسم فارابيوس في كتابه (الموسيقي الكبير) اكمل الاثار النظرية الموسيقية القديمة واكثرها منهجية وقيمة سواء في الشرق ام في الغرب.
وبفضل اتصال الموسيقى العراقية بالعصور القديمة وانجازاتها على الاصعدة المتنوعة عبر الاستشهادات والمنتخبات الفنية التي جمعها المؤرخون حققت ملامح خلاصة تاريخية ثمينة لمعتقدات الشرق القديم الاسطورية والفلكية والنفسية والدينية.

ومن الوضع البدائي الخالي من تركيبات الذهن البنائية تطورت الموسيقى العراقية بسرعة بعد الفتح الاسلامي الى ما هو اكثر تصنعا وتنوعا وتعقيدا الى جانب انه اكثر نقاوة وشمولية عندما اصبح العرب بفضل الاسلام اسياد الحواضر الكبرى المنتمية لاقدم الحضارات البشرية عهدا. واغلب الظن ان الموسيقى العراقية في العصر الاسلامي وما بعده كانت من ناحية الايقاع اكثر تقدما من اية موسيقى اخرى، الا انها من ناحية اخرى كمثيلاتها في الحواضر العربية الاخرى، افتقرت الى خصائص معينة وهي من ضرورات العصور الحديثة. فان العراقيين والعرب والشرقيين لم يعرفوا في موسيقاهم التآلف الهرموني او الصوت الذي ينشأ من جراء الجمع بين انغام مختلفة ولذا فانهم لم يتمكنوا من ابداع الموسيقى البوليفونية، اي (متعددة الالحان) التي تعتمد على فكرة الهارمونيا. والهرمونيا هي اجماع نغمات (نوتات) تغنى او تعزف في وقت واحد اساسها ثلاث او اربع نوتات تبدأ من اخفها وتنتهي بارفعها وتتخذ طريق المعالجة الموسيقية الخالصة للاصوات.

* مقتبس من كتاب حضارة العراق للباحث عادل الهاشمي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here