سارتر ، اuلحرية المطلقة !

أن النظرة الحتمية التي تقدم بها هولباخ ، وسانده فيها مؤرخين وعلماء نفس ، وقدم لها دعم ، كذلك ، من قبل الفيزياء ، وبايلوجيا دارون . وكل هؤلاء هاجموا ، ورفضوا الحرية . غير أن هذه النزعة سرعان ما تلقت الرفض والاستنكار ، والهجوم الشديد في القرن التاسع عشر والعشرين ، على يد العديد من الفلاسفة . وكان أبرزهم الفيلسوف الدنماركي ، سورين كيركجارد ، الذي سخر من هيجل ومن نظامه الفلسفي، والذي لديه أجوبه عن كل شيء ، ويعرف كل شيء ، إلا أنه لا يعرف شيء عن الفرد وتصرفه . وعد الكاتب الروسي دستوفسكي ، كذلك ، من المدافعين عن الحرية لدى الفرد وعن وكرامته ، في رواياته ، خصوصاً الأخوة كرامازوف ، والجريمة والعقاب . ونيتشه ، عبر عن حرية الفرد ، والتغلب على الذات ، والذي يرتفع عن الإنسان العادي وعلى الخضوع ، لكي ، يخلق الإنسان الراقي . وكذلك ، أحتج ماركس بقوة ضد التشئي للفرد في المجتمع البرجوازي الرأسمالي ، الذي يخنق حرية الفرد . بيد أن أقوى الاحتجاجات ضد الحتمية في القرن العشرين ، والتي نادت بحرية الأرادة ، ، هي ، ما عبر عنها ، أولاً ، عند الفيلسوف الألماني ، هيدجر ، والفيلسوف الروسي ، نقولاي بردائيف، والفيلسوف ، بول أيلتش ، وجبرئيل مارسيل ، ومارتن بوبر ، وغيرهم ، غير أن سارتر يبقى هو أبرزهم وأكثرهم شهرة . وهو مؤوس الفلسفة الوجودية في فرنسا ، ومحاضرته ، الوجودية نزعة إنسانية ، تقدم شرح وافيء لتعبير عن الحرية . وسوف نستند لها في هذه العرض ، كما وجدناه ، في كتاب مقدمة إلى الفلسفة ، المشار أليه ، في المقالة الأولى عن هولباخ . وهذا الكتاب هو مصدرنا الوحيد في عرض فلسفة سارتر في الحرية . ونحن هنا سوف لن نقوم بالترجمة الحرفية لهذا المحاضرة ، أقصد محاضرة سارتر ، لنظراً لطولها المسهب ، وإنما ، سوف نعمد لتلخيص أهم النقاط التي جاءت فيها عن حرية الأرادة ، التي هي القصد من هذا العرض . والكثير من المحليين الذين تناولوا فلسفة سارتر ، عادة ، ما يشيرون لتأثره بالفيلسوف الفرنسي الكبير ديكارت ضمن من تأثر بهم . وخصوصا ، في التميز الذي صاغه في كتابه الكبير الوجود والعدم ، بين الوجود للذاته ، pour soi والوجود في ذاته en soi . مثل التميز الذي أحدثه ديكارت ، بين أنا أفكر أذن أنا موجود ، أو ما يدعي في الأتينية ( الكوجيتو ) ، والأشياء الممتدة . فجهود ديكارت تتبع الأشياء الغير مشكوك فيها كمحطة الأنطلاق ، نجدها في هذا المقطع الذي يبدو فيها تأثر سارتر بديكارت واضح .. فهو ، هنا ، يلخص طريقته في النظر إلى الأشياء ، والتي يقول عنها أنها نقطة أفتراقه عن الفلسفة التقليدية ، ” هي وجهة نظر ذاتية الفرد ، ، يعني النظر إلى الذات على أنها الذات المفكرة ، وليس الموضوع ، أو الذات المفكر بها أو عنها . والسبب في هذا الأبتعاد عن النظر إلى الذات على أنها موضوع التفكير ، بدلاً من أن تكون هي المفكر به ، ويحدد سارتر ، بأن سبب ذلك هو ، أننا في السابق أقمنا تعاليمنا في البحث عن الحقيقة ، وأي مذهب في الأحتمالات والذي لا يقيم على الحقيقة سوف يتفتت ، فالأحتمال ، يعني ، أن يملك المرء الحقيقة . ولكن ، هنا سارتر ، يشير لنقطة أفتراقه عن هذا المذهب ، الباحث عن الحقيقة بعيداً عن الذات ، ويقول ، بأن الحقيقة الوحيدة ، هي أنه ليس هناك حقيقة سوى حقيقة ، أنا أفكر ، أذن أنا موجود ، ، وهو ينظر ، لهذا القول ، على أنه لا ينظر إلى الإنسان على أنه موضوع تفكير بل على أنه ذات مفكره ؛ ومن هنا يقول بأن كل الفلسفات المادية نظرت إلى الإنسان على أنه موضوع ، أو هو مجموعة من ردود الفعل المحددة مسبقاً ، لا يختلف في هذه الناحية عن المنضدة والكرسي أو الحجرة .

ومن هنا أصرار سارتر ، على أن ينظر إلى الإنسان ، على أنه ذات ، عارفه ، ومريده ، وحاكمه ، وليس شيء خارجي ، معروف ، ومريد له ، ومحكوم عليه . وهذه النظرة جزء أساسي من وجوديته . فالذات ، بخلاف الموضوع هي فعالة ، وتقوم بأنشط متعددة ، وتنجز أشياء كثيرة . وهي في هذا تكون واعية ، ومدركة ، لذاتها كونها حرة . وسارتر لم ينظر لهذا لمثل هذا الوعي والإدراك ، كما نظر هولباخ، على أنهما وهم وخيال . فهو ينظر لهما على أنهما تعبير عن ذات فعالة . وإذا ، كانت الحرية التي يشعر بها الإنسان، هي جزء أساسي منه ولا يمكن تجنبها في أدراكه لذاته ، كذات فعالة ، وعارفه ، ومريدة ، وحاكمة ، أو بحسب تعبير سارتر المشهور ، ” أن الإنسان محكوم عليه أن يكون حر ” . فما يستنتج ، بشأن الإنسان ، هو أنه ، الذي يخلق ذاته ، والمسؤول عن كل أفعاله . ويصبح ، من ثم ، ما هو عليه ، وما يريد أن يكون . وهو المبدع لطبيعته ، ولهذا ، مرة آخرى ، حسب ، عبارة سارتر الآخرى ، ” أن وجود الإنسان يسبق ماهيته .” وعليه ، لذا ، فهو من تأليف نفسه ، وخالق لذاته، فهو يسبق أعماله . وفِي هذا ينظر له على أنه يذهب أبعد من ديكارت .

ومن ناحية نجد ، سارتر ، يشير لنفسه ، على أنه وجودي ملحد ، فما معنى ذلك ؟ ويفسر لنا هو ، ما يعنيه بهذا . فيقول ، أنا أدعو نفسي وجودي ملحد ، غير أنه ليس هناك ثمة ترابط بين هذا بالنسبة لي . وما يعنيه سارتر هنا ، هي أنه ليس ملحد بسبب أنه وجودي ، وليس أنه وجود لكونه ملحد، أهو في بساطة كلاهما ؟ فهو يعني ، مثلما يمكن ، أن يقول عنه ، بأنه فرنسي وكاتب مسرحي . أي يمكن أن يكون المرء شيء آخر وأن يكون ألماني ، أو عراقي وكاتب قصة ، فالوجوديةً ، يمكن أن تكون متعددة ، وغير ملحدة ، ولكن سارتر ، أراد أن يحدد وجوديته . ولكي يوضح معنى هذا أكثر ، يشرح لنا سارتر هذا في تلك النقاط (١) أنا وجودي ، لذلك ، حتى أكون متسق ، أنا ملحد . فإذا أنا أخلق نفسي بحرية ، ما أريد أن أكون ، وإذا وجودي يسبق جوهري ، فليس ، من ثم ، ثمة أي أمكانية لئن يكون هناك الله الموجد في التراث التقليدي إلى الأديان ، والكلي القوة ، وهو ، الذي خلقني وجعلني بشكل أساسي على أنا ما هو عليه . لكون حريتي ، وذاتي الفعالة تتعارض مع وجوده . لذلك ، يستنتج سارتر ، بأن إلحاده هو نتيجة للأزمة عن وجوده . ( ٢) ويقول ، أنا ملحد ، لذلك ، ولكي ، أكون متسق ، يجب أن أكون وجودي . فالله لم يخلقني ، لكون ما أنا عليه ، في فعل هذا أو ذاك، فأنا لم أوجد من الله الكلي القوة ، وأنما أنا كائن أختار ما أريد أكون بحرية مطلقة من قبلي . وعليه ، فوجوديتي ، هي نتيجة منطقية إلى الاحادي .

(١) قدمنا في المقدمة شيء مؤجز عن فلسفة سارتر ، والآن نريد أن نعرف القأرئ بسارتر نفسه ، رغم أن شهرته وذيوع أعماله ، ولكن لا بأس في لمحة مؤجرة عن حياته وأعماله . ولد سارتر في باريس عام ١٩٠٥ ، وحصل على الأجازة في تدريس الفلسفة بالجامعات الفرنسية ، والألمانية ، وعلم الفلسفة في فرنسا لفترة قصيرة ، حيث نشبت الحرب العالمية الثانية . وخدم بالجيش الفرنسي ، وعمل مع المقاومة بعد احتلال فرنسا ، وقع في الأسر. وكتب العديد من الكتب الفلسفية ، وبعلم النفس ، وألف المسرحيات والروايات ، وكتب في النقد ، وله كتاب فلسفي مشهور ، هو الوجود والعدم ، وكذلك كتاب نقد العقل الجدلي . ورواياته المشهورة ، هي الغثيان ، ودروب الحرية ، أما مسرحياته المشهورة ، الحلقة المغلقة ، والأيادي القذرة . وكذلك ، كتب في السيرة الذاتية ، التي من أشهرهم ، جان جنيه ، قديساً . وسيرة الروائي المشهور ، فلوبير ، صاحب رواية ، مدام بوفاري ، وهي سيرة ، عن حياة الروائي ، من أربعة أجزاء قضى سارتر أكثر من عشرين سنه في تأليفها . والكتب ، الذي سوف نعتمد عليه ، في عرض ، فكرة عن الحرية ، فهو محاضرته الطويلة التي صدرة في كتيب صغير ، الوجودية فلسفة أنسانية . وفي ، هذه المحاضر ، يعرض بشكل مؤجز فلسفته ، التي تتمحور ، حول فكرة الحرية ، وفيها أيضاً ، يرد على منتقديه . ويشرح فيه كذلك ، معنى أنسانية ، التي جاءت في عنوان كتابه ، وهو ، ربما في هذا ، يرد ، على رسالة هيدجر ، ضد النزعة الإنسانية . فهو تأثر كثيراً، بهذا الفيلسوف الألماني ، والذي ، يعد كتابه الوجود والعدم ، ترجمة الأفكار هيدجر في كتاب الوجود والزمان . والإنسانية ، تعني لدى سارتر ، بأن هناك مذاهب إنسانية ، والوجودية ، واحدة منهم . ولكن ماذا يعني ، القول ، أنها أنسانية ؟ فيقول ، أنها تعني ليس طبيعية ، أو مادية ، ولا ما فوق الطبيعة ، ولا نسخة جديدة من النزعة الأهوتية ، ولا أيدلوجية ، فهي بأختصار ، حول الإنسان ، أو طبيعة الإنسان .

وبعد هذا ينتقل سارتر في كتابه هذا إلى تقديم دفاع ضد الأنتقادات التي وضعت ضد وجوديته ، في عدت نقاط .

(٢) نحن انتقدنا ، على تركيزنا ، على كل ما هو فاضح ، ومشين في الوضع البشري ، لأننا صورنا ، ما هو ، دنئ ، مقيت أو عمدنا على أهمال كل الأشياء الجميلة المؤكدة التي تملكها البشرية ، وأفعال ساحرة ، في جانب من جوانب الطبيعة البشرية ، فمثلاً ، أبتسامات الأطفال العذبة . ونسينا ، من ناحية ، التضامن البشري ، ونصر على عزلة الإنسان . وهذا كله راجع ، فيما يرى الشيوعيون ، لكوننا ، بنينا مذهبنا ، على الكوجيتو الديكارتي ” أنا أفكر ، أذن أنا موجود .” وعلى هذه الذاتية المتطرفة . فهذه اللحظة ، أو الموقف يبني على العزلة ، ويبقي الإنسان محصور في ذاتيته الخالصة ، والتي ينعدم فيها التضامن ويستحيل بلوغه ، لكي نصل إلى الآخر ونقيم علاقة معه . فالإنسان ، لا يمكنه ، أن يبلغ الآخرين من خلال الكوجيتو الديكارتي .

(٣) وكذلك ، ينتقدنا المسيحيون ، بكوننا نرفض الحقيقة ، وأخذ المسائل البشرية بجدية . ما دمنا ننكر ونتجاهل الوصايا إلى الرب ، وجميع القيم الخالدة ،الموصوفة بالكتاب المقدس . وليس لدينا سوى الأختيار الأعتباطي ، وكل واحد يفعل ما يحب ، وعليه ، نصبح ، من هذا المنظور ، عاجزين عن نقد أي فكرة إلى الآخر أو أي عمل .

(٤) وفي هذه النقطة يجادل سارتر ، لماذا اختار ، عنوان كتابه بهذا ألأسم الوجودية فلسفة إنسانية . فهو يريد أن يوضح سبب هذا الأختيار . ويقول قد يدهش البعض من هذا الترابط . ، فعلة هذا الترابط ، يمكن لنا أن نقول بأن الوجودية ، التي تفهم من قبله ، يمكن أن تعد الحياة الإنسانية ممكنة ، فهي التي على القول ، بأن أي حقيقة وأي فعل كلاهما يتضمن البيئة والذاتية ، أي العالم والإنسان ، لأن الأتهام الأساسي الذي يوجه ضد الوجودية هو تأكيدها على الجانب الشرير من الإنسان ، وعليه يبدو أن الجانب الطبيعي هو فقط ، الذي ينظر منه لنا ، لأنه الجانب الذي عد بنظر الناس ، هو ، الجانب السيء من الإنسان . وهذا غالباً ما أشير إلى الوجودية ، عن أنها فلسفة طبيعية .

وهنا يضرب سارتر مثال في رواية الأرض لزولا ، التي تمثل الطبيعية الشريرة عند الإنسان ، ولذلك ، نظر لكل الأدب الوجودي ، على أنه تعبير عن النزعة الطبيعية . فالناس ، تريد من أن نكون أناس ممتثلين إلى التراث ، والوضع الحالي ، وأن لا نكون متمردين ضد السلطة الجائرة ، وأن نخضع للقوة ، وأن لا نتدخل في ششؤون الدولة ، لكون كل ذلك ، هو مجرد رومانسية ، سرعان ما تحبط وتفشل .ولكنه ، في النهاية يشع الفوضى فقط . لأن البشر بالطبيعة أشرار ، وعلينا أن نضع القواعد لضبطهم. إلا أن هؤلاء الناس الذين يشددون على الواقعية ،وعلى سوء الطبيعة البشرية ، الذين هم أنفسهم ، من يشكون من ظلاميةوجهة نظر الوجودية . يضطرون سارتر، لقول ، بأن هؤلاء الناس الذين يفرطون في التشديد على تشأمنا ، هم في الحقيقة يلومونا ، لأننا أكثر تفائل ، لأنه في أعماق الوجودية ، والتي سأحاول أن أشرحها لك. هو أننا نواجه الأنسان في أمكانية الأختيار . وعليه ، يقول ، لنرجع لمعاينة كل المسئلة التي تثير الحساسية لدى اكثرية نقاد الوجودية ، على المستوى الفلسفي الصارم ، ولنسأل ، من ثم ، مِن البدية ، ما هذا الذي ندعوه وجودية ؟

(٥) وحينما يسأل البعض سارتر ، عن الأدعاء الرئيسي والمركزي إلى فلسفة الوجودية ، يجد سارتر صعوبة في الأجابة على هذا السؤال ، لكون هناك وجوديات متعددة ، بيد أنه ، مع ذلك ، يصنف الوجودية للنوعين ، ويقول ، هناك وجودية مؤمنة ، تؤمن بوجود الله ، والآخرى ، لا تؤمن ، وتدعي ، الوجودية الملحدة . وفوق هذا ، يرى بأن الفلسفة الوجودة عموماً تخالف أغلب التراث الفلسفي التقليدي . ويحدد هنا ثلاثة نقاط لهذا الأختلاف . وأول ، تلك ، هي أن الوجود يسبق الماهية . والثانية ، هو ، أن الإنسان ذات ، والتي ، تعرف ، وتقيم ، وتريد ، وتعمل بحرية ، ومسؤولية . والنقطة الأخيرة ، أن الإنسان حين يعمل ، لا يعمل لنفسه فقط ، وإنما لجميع الأفراد الآخرين . وبعد هذا ، يعين نوعين من الوجود ، وجود لذاته ، pour soi ، وجود آخر ، والذي يسميه ، وجود في ذاته ، en soi . فالوجوديةً ، هي مذهب له مجموعة من الأدعاءات . ولكي يوضح تلك الأدعاآت ، يبدأ ، في بسط وجهة نظره ، وتقديم العديد من الأمثلة التوضيحية . وعليه ، يشرع ، في القول ، بأن الوجودية أصحبت فلسفة لأ تدل على شيء نظراً لشيوعها ، ولكونها أضحت موضة . فالكثير من الموسيقين ، والرسامين ، والأدباء ، وكتاب الأعمدة بالجرائد ، يدعون أنهم وجودين ، وحين يطلب منهم أيضاح وجوديتهم ، تجدهم يصابون في الارتباك ، لأنهم لديهم معلومات قليلة عن هذه الفلسفة . ويشير ، سارتر ، بأن الصعوبة في تحديد وجهة نظر الوجودية بدقة ، لكون هناك نوعين من الوجودية ، أحداهما مسيحية ، تؤمن بوجود الله ، وأبرز ممثليها ، هو الفيلسوف الألماني كارل يسبرز ، والفيلسوف الفرنسي جبرائيل مارسيل ، والفلسفة الوجودية الملحدة ، والتي لا تؤمن بوجود الله ، ومن أشهر ممثليها ، الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر ، والفلاسفة الفرنسين ، والذي سارتر من ضمنهم . وكل هؤلاء الفلاسفة الوجودين ، يشتركون ، في القول ، المشهور ، أن الوجود يسبق الماهية ، وفِي التأكيد على الذاتية ، أي جعل الذات هي المنطلق . وهنا ، يشرع في شرح هذه المقولة ، عن طريق ضرب العديدة من الأمثلة ، لكي ، يجعل هذا القول ، الوجود يسبق الماهية واضح لدى قراء فلسفته.

وبيدأ سارتر ، بهذا المثال ، فهو ، يقول ، حين يصنع العامل ، أي مادة ، ولتكن أنتاج كتاب ، أو سكين لقطع الورق ، فأن ، يجب أن يكون لدى العامل فكرة عن الكتاب أو سكينة قطع الورق ، في ذهنه ، وهو يأخذ في الحسبان الطريقة أو الأسلوب الذي ينتج به سكينة القطع ، أو الكتب . فهي في البداية فكرة في ذهن العامل قبل أن تنتج . ولا بد أيضاً أن تكون لهذه الفكرة قصد وهدف تخدمه ، اذ لا يعقل أن تنتج بدون أن يعرف ما يجب أن تستخدم له ، أو ينتج من أجله الكتاب ! وهذه الفكرة أو المفهوم ، في ذهن العامل أو الفنان ، هي ما تسمى الماهية أو الجوهر ، والذي يسبق وجودها ، أو نتاجها . فهي ، أولاً ، فكرة ، ثم أداة ، لها وجود بالفعل . ولهذا ، فأن ماهيتها تسبق وجودها ، أي ان فكرتها ، توجد في ذهن العامل أو الفنان قبل ، أن تغدو مجسدة بالفعل .

ومن ثم ، يأتي سارتر ، على مثال آخر ، فيما يخص علاقة الإنسان بالله ، كما وصورتها الأديان السماوية . على أن الله هو الخالق له . فلا بد علينا ، هنا أيضاً ، كما يقول سارتر ، أن نظر إلى الله ، مثلما ، نظر إلى العامل أو الفنان ، وهما يخلقون أشياهم ، ولكن بشكل أعظم قدرة ومهارة . فالله ، عندما خلق الإنسان لا بد أن تكون في ذهنه ، فكرة عن الإنسان قبل أن يخلقه ، ويجسده ، بشكل حي . فلا بد من تسبق فكرة الإنسان وجود الإنسان . لأن الله يجب أن يعرف مثل العامل والفنان ما هو في سبيله لخلقه . وأن لا يتم ذلك بطريقة عشوائية . وعليه ، يمكن القول ، حسب هذا التعريف ، بأن فكرة الإنسان سبقت وجوده ، أي أن ماهية ، فكرته، كانت في البداية ، في ذهن الله ، قبل يجعلها حقيقة . وهذه هي فكرة الأديان عن خلق الإنسان من الله . أما في الفلسفة الملحدة ، في عصر التنوير ، والذي غلب على أكثر فلاسفة الألحاد ، فأن فكرة أن الله خلق الإنسان قد حذفت من تفكيرهم . ولكن مع ذلك ، نجد أن أكثر فلاسفة التنوير من ديدروا ، إلى فولتير ، وحتى كانط ، كان لديهم تصور ، على أن هناك طبيعة أو ماهية إلى البشر ، وهذه الطبيعة ، والماهية نجدها موجود لدى كل الناس في مختلف العصور ، لا يختلف فيها الإنسان البدائي عن الإنسان المعاصر . فكلهم يملكون هذه الطبيعة أو الماهية ، ويتصرفون بحسبها . وهذه النظرة هي التي سادة للإنسان قبل حلول الفلسفة الوجودية . فكما ، قال سارتر ، بأن الوجودية جاءت بنظرة جديدة ، تختلف عن كل اكثر التراث الفلسفي الذي ساد في الغرب عن الإنسان .

فما هي النظرة ألى الوجودية الملحدة ؟٠ الوجودية الملحدة والتي يمثلها سارتر في فرنسا ، تقول ، بأن إذا لم يكن هناك إله ، فهناك ، على الأقل كائن واحد ، والذي يمكن القول عنه ، أن وجوده يسبق ماهيته . كائن ، يوجد أولاً ، ولا يمكن تعريفه عن طريق مفهومه أو ماهيته . وهذا الكائن ، هو الإنسان . والذي يقول سارتر ، بأن هيدجر ، يسميه الوضع البشري أو الحقيقة الإنسانية . ومرة آخرى ، يتسائل ، عمه يعنيه ، الوجود يسبق الماهية ؟ ويجيب ؛ بأن الإنسان ، قبل كل شيء ، يوجد ، يصطدم في ذاته ، يجوس بالعالم ، يعمل ، ثم بعد ذلك ، يستطيع تعريف نفسه . وإذا الوجودي ، ينظر إلى الإنسان بعدم تحديد ، فالأن الإنسان في البداية لا شيء ، فهو لم يكن أي شيء ، إلا فيما بعد ، حينما يجعل من نفسه ما يريد أن يكون ، لكون ليس هناك طبيعة بشرية ، فليس هناك إله حدد له ماهيته أو صاغ وفقاً لمفهوم في ذهنه . فالإنسان هو مجرد موجود ، ومن ثم ، يصبح ما يفعله بنفسه . وهذه هي أول حقيقة أو مبدأ تعلنه الوجودية . وهو أيضاً ما تدعوه الذاتية . والذاتية ، هنا تعني ، أن الإنسان ، أكثر من الحجر ، والطاولة ، والكرسي ، والعشب ، والشجرة ، الذين لهم ماهية محددة منذ البداية وحتى النهاية ، بخلاف الإنسان الذي يحدد طبيعته في نهاية حياته ، حينما يموت . لأنه ، الإنسان ، هو مجرد مشروع لنفسه ، غني في الأمكانيات ، وهو حركه بتجاه المستقبل . وهو قبل هذا المشروع من الأمكانيات والأعمال ، هو غير محدد ولا شيء ، ولا يمكن أن يسمى بأي شيء ، سوى أنه يوصف بأنه موجود وكفى ، ونحن ، الذين ، نخلق من هذا الوجود ما نريد أن نكون . فلا وراثه ، ولا جينات ، ولا ضرورة ، ولا حتمية طبيعية ، من تلك التي قال بها هولباخ ، هي التي تجعلنا ما نحن عليه . بل أن البعض ذهب للقول ، بأن الوجودية ، ترى حتى في السجين المقيد حر ، والعبد ، كائنات حره ، ويستطيع أن يختار ما يريد أن يكون . لأن الوعي ، هو الذي يحدد وضعية الفرد ، وماهيته . فنحن نستطيع ، أن ، نكون ، إسلاميين ، أو شيوعين ، بعثين ، نازين ، دواعش ، عبثين ، متزوجين أو عزاب ، رأسمالين ، كتاب ، فيمكن لنا أن نختار ما نريد . فإذا القول الوجود يسبق الماهية صحيح ، كما يقول سارتر ، فأنه يستنتج ، بأن الإنسان مسؤول عما يكون ، وبذلك يضع كل مسؤولية وجوده على عاتقه . ولكن ، حينما يكون الإنسان مسؤول عن نفسه ، فأنه في نفس الوقت مسؤول عن الآخرين ، لأن الإنسان لا يختار سوف الأفضل لنفسه . وبذلك يختار الأحسن إلى الآخرين . فالذاتية ، ليس مجرد أنانية ، كما يصورها أعداء الوجودية . وعليه ، فليس الإنسان مسؤول عن نفسه فقط ، وإنما مسؤول عن كل البشرية ، في أختياره وعمله .

وبعد هذا العرض الذي قدمنا لمقولة الوجودية المشهورة ، والتي تقول ، أنها أختلفت بها عن أغلب التراث الغربي الفلسفي ، بوضع الذاتية في مقدمة فلسفتها والافتراض الأول لها . تبقى لدى الوجودية مقولات كثيرة التي تقوم عليها ، والتي كلها ، تنهض ، لتؤكيد أدعاءها في الحرية وحرية الأرادة ، ضد الحتمية التي يقول بها الحتميون . ولعل من أهم تلك ، التي يعرضها سارتر في كتابه الوجودية مذهب أنساني ، هي مقولة ، الكرب ، والهجران ، واليأس . أضافة لمقولات آخرى عديدة آخرى ، هي أيضاً ، تؤكد على حرية الأختيار ، مثل ، سوء النية ، والغثيان ، والعبث ، وكذلك المفهومين الشهرين الوجود لذات pour soi , والوجود في ذاته ، en soi , فالوجود لذته ، يعني ، الوجود الواعي لدى الإنسان ، أو هو الإنسان ذاته ، والذي يستطيع فصل نفسه عن العالم ، والأشياء ، والنظر لذاته . والأختيار بحرية . والوجود في ذاته ، والذي هو وجود العالم ، ولطبيعة ، والأشياء من حولنا ، والتي تمتاز بتكتل، والأنطوء على الذات والصمت ، وهو كتلة مصمت لا يمكن النفاذ أليه . وتمتاز الأشياء بلزوجته ، كما صورها سارتر في رواية الغثيان . وهذا الأشياء لذاتها ، ليس لديها وعي أو أدراك . فالحجر ، والشجرة لا ، تع ، ولا تملك الحس ، فهي موجودة فقط لا أكثر . والسؤال الذي يريد أن يجب عنه سارتر هنا ، إذا كنا ، وجود لذاته ، لماذا نشعر بالكرب ، والهجران ، واليأس ؟

(٦) وهنا يحول سارتر شرح هذه المفاهيم ، والتي قد تبدو للقارئ ، كما يقول ، ضخمة وطنانه ، ولكنهم ، في الواقع ، حسب سارتر ، جداً بسيطين . فما يعنيه ، الوجودين بالكرب ، هي إلانسان في وضع مكرب ، وما يعنيه هذا ، أن الإنسان ، حينما يلتزم بشيء أو في سبيله القيام بشيء ، يشعر بالضرورة ، أنه في وضع لا يحسد عليه ، لكونه ، يرى ما يقوم أو في طريقه لقيام به ، لا يخصه لوحده ، وأنما يجد نفسه كألمشرع ، الذي لا يشرع ، أو يسن القانون لنفسه ، وإنما لكل البشرية ، وهو في هذه اللحظة ، لا مناص ، من أن يجد نفسه بلحظة حرجة ، وأنه تقع على عاتقه مسؤولية كبيرة . وسارتر ، من ناحية ، يدرك ، بأن الكثير من الناس ، لا يشعرون بمثل هذا الكرب أو القلق ، بيد ، أنه من ناحية آخرى ، يقول ، أن هؤلاء مجرد يخفون كربهم أو يتحايلون عليه ، لأن لو سألهم سائل ، وقال لهم ، ماذا سوف يحدث لو عمل كل واحد مثل ما تعملون ؟ فسوف تجدهم يجيبون ، بأن لا أحد سوف يعمل مثلهم . ولكن ، في الحقيقة ، لو أن كل واحد سأل نفسه ، فعلاً ، ماذا يحدث لو أن كل فرد عمل مثل ما عملت ؟ فلا شك أن كل واحد سوف يقلق ويصاب بالكرب ، ولا ينفع هنا الخداع النفسي ، بأن الآخرين سوف لن يعملوا مثلما عملت . لأن هذا الخداع لذات هو بحد ذاته ، علامة على الكرب . وهذا ما تحدث عنه ، كما يقول سارتر أب الوجودية ، سورين كيركجارد ، وسماه ” كرب أبراهيم ” والقصة عنه معروفة ، فالله ، أمر أبراهيم أن يذبح ابنه ، ويضحي به ، وعليه أن يطيع هذا الأمر . غير أن لأبد إلى أي إنسان في موقف أبراهيم ، أن يشك ، فيما إذا ، هذا الذي ظهر له ، هو فعلاً من ملاك من الله ، وفيما كان هو أبراهيم ! فأين هي البراهين ؟ وهنا أيضاً ، يضرب سارتر ، مثال آخر . ويقول ، بأن أمرأة مجنونه ، تقول ، بأن الناس يتصلون بها في التليفون ، وحينما سألها الدكتور ، عن من هو الذي يتصل بها ، أجابت ، الله ، ولكن من يستطيع أن يثبت لها أنه الله ؟ وإذا ظهر لي الملاك ، من يستطيع أن يثبت لي أنه ملاك ؟ أو إذا سمعت من يقدر أن يقول أنه صادر من السماء أو الجحيم ، أو من لا وعي ، أو من حالة مرضية ؟ فلا أحد يستطع أن يثبت لي ذلك . ومرة آخرى ، يتسأل سارتر ، من ذَا الذي يستطيع أن يبرهن لى بأني الإنسان المناسب ، والذي يستطيع فرض أختياريه، ومفهومه عن الإنسان على كل البشرية ؟ ويجيب سارتر ، بأنه سوف لن يجد أي برهان أو علامة تقنعه ، بأنه هو الإنسان المناسب لفرض أختياره على البقية من البشر ، لأنه لو سمع الصوت الذي يدعي أنه صوت الملاك ، فعليه وحده أن يقرر فيما هو صوت الملاك أم لا . وإذا أنا أستحسن بعض الأفعال على أنها جيدة ، فأنا وحدي من يقرر فيما إذا كانت جيدة أو ردئية . فلا شيء يدل على أني أبراهيم ، ومع ذلك ، فأنا أشعر أني في كل لحظة ملزم ، أن أقوم ببعض الأعمال ، والذين أعدهم نماذج للعمل ، فكل ما قوم به أو ما يقوم به أي فرد آخر ، يجب أن ينظر له ، وكأن كل عيون البشرية مصوب نحوه ، وعلى ما يجب أن يعمله ، فكل فعل وتصرف ، سوف تصبح نماذج للعمل والسلوك . ومن هنا عليه ، أن يقول ، بأن أفعالي وتصرفي ، سوف تغدو نموذج لسلوك . وإذا ، واحد ، أجاب ، بأنه سوف لن يسأل نفسه هكذا ، فأن سارتر يقول ، بأن هذا مجرد محاولة إلى اخفاء الكرب . فمن الواضح، يقول سارتر ، الكرب أو القلق الذي يتحدث عنه هنا، لا يقود أو يؤدي إلى لاستكانة أو الخمول ، وعدم الفعل ، وأنما هو ، الكرب الذي يصادفه المرء في الكثير من المواقف، فهو إلى أولئك الذين يتحملون المسؤولية ، فمثلاً القائد العسكري ، يشعر بهذا الكرب أو القلق ، وقت أتخاذ القرار في الهجوم ، لأن يتحمل المسؤولية عن الجنود الذين يرسلهم إلى الهجوم ، ولكون ، أيضاً، هناك أمكانيات متعددة عليه أن يختار من بينها لتنفيذ الهجوم . فالكرب ، هو شعور بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا في أعمالنا وأختياراتنا ، الذين لا ينحصر تأثيرهم فينا فقط ، وأنما يتعد تأثيرهم إلى الآخرين كذلك .

(٧) وحينما ناتي إلى المقولة الثانية ، التي يعرضها علينا سارتر ، وهم مفهوم الهجران ، فأننا نجده يستفيض في شرحها . ولهذا سنعمد لتخليصها هنا قدر الإمكان . ويقول ، في البدء ، أن المفهوم عزيز على هيدجر ، الذي تأثر به كثيراً ، في شرح هذه المقولة . وهي تعني لسارتر ، أي الهجران عدم وجود الله ، وهذا العدم وجود أو الغياب إلى الله ، تترتب عليه نتائج كثيرة ، علينا أن نتحمّل مسؤوليها . فالوجودين ، كما يقول ، هم يختلفون كثيراً ، عن العلمانيين وأخلاق العلمانية . ففرنسا ، كماهو معروف دولة علمانية ، ولذلك ، فالمشرعون العلمانيون ، عندما أرادوا وضع أخلاق وضعية ، واجهوا بشكالية أخلاقية ، فهم ، كما يذكر سارتر ، قالوا ، أن الله عديم النفع ، وفرض مكلف ، فعلينا ، وضع أخلاق بدون الرجوع أليه . بيد أنهم، هنا ، اصطدموا ، بالأشكال المزمن ، فالأخلاق بحسبهم تحتاج أن تؤخذ بجدية ، ويجب أن يكون لها سند مسبق ، ويجب أن تكون ملزمة بحد ذاتها . وعليه يجب أن يكون الإنسان مخلص مسبقاً ، ولا يكذب ، ويؤمن بالتقدم ، وأن لا يضطهد زوجته ، ويربي الأطفال ، وما إى غير ذلك . ولهذا قالوا ، بأن مبادئ تلك الأخلاق كانت توجد من قبل بسماء العقل ، بدون وجود الله . وأنها وجدت في جميع الأزمنة ، وقبل الأديان التوحيدية . وعليه ، قالوا ، بأن سوف لن يختلف شيء ، إذا وجود الله أو لم يوجد . وما علينا سوى نكتشف نفس المعاير ، من الأخلاص ، والصدق ، والأيمان بالتقدم ، وغيرهم . ولذا علينا ، أن نتخلص من وجود الله ، وندعه ، يموت لوحده ، ونحسب وجوده ، فكرة تجاوزها الزمان . إلا أن الوجودين، يجدون صعوبة بالغة ، بعكس العلمانيين ، في عدم وجود الله ، وأختفاه ، لأنه ، مع تختفي الأمكانيات إلى أيجاد أخلاق ، في سماء العقل والمعقولية ، والتي يتمتع بها الإنسان ، والتي تمسك فيها العلمانيينً . فهو بلا عذر . وإذا كنا فعلاً وجود يسبق الماهية ، فنحن لا يمكن أن نعتمد على الطبيعة البشرية ، لنشرح بها أي فعل . فليس هناك حتمية من تلك التي قال بها الحتميون ، مثل ، هولباخ . فنحن متروكون لحالنا ، ومهجورين ، بدون أي عذر أو تبرير . ولهذا يقول سارتر ، قلت ، بأن الإنسان محكوم عليه ، بالحرية ، لأنه ليس خالق لنفسه ، ومع ذلك فهو حر ، وهو منذ اللحظة ، التي رمئ أو وجود نفسه بهذا الكون مسؤول عن كل شيء يقوم به . ومن ناحية آخرى ، يقول سارتر ، بأن الوجودين لا يؤمنوا بقوة العواطف الجارفة ، والتي تحملهم على أفعال ليس لهم سيطرت عليها ، وبذلك ، يتذرعون بها في القيام بأشياء سيئة وغير معقولة . فهو يعتقد بأن الإنسان مسؤول عن عواطفه . ومن ناحية ثانية ، لا يعتقد الوجوديون ، بأن هناك بعض العلامات التي توجد على الارض ، يمكن تقود الإنسان لغايته . ، لكون تفسير هذا العلامات تخص الإنسان ، الذي عليه يختار تفسيرهم . فهو يعتقد ، بأن الإنسان بلا عون ولا دعم من أي جهة ، لأنه ، في كل لحظة ، مطالب ، أن يخترع الطريق الذي يسلكه ، ، والإنسان الذي يريد أن يكونه . فالإنسان ، هو مستقبل الإنسان ، وهذا المستقبل لا يوجد في عالم آخر ، لأن هذا مجرد وهم . فمستقبل الإنسان منوط بأختياراته هو بالذات . وهو قبل هذا كائن مهجور ، ومتروك لنفسه .

(٨) وهنا ، بعد هذا العرض ، يقدم سارتر ، أمثلة ، لكي تساعد في في المقصود بمفهوم الهجران ، بكل معانيه وأبعاده . فهو ، يقول لنا ، بأن احد طلابه ، جاء ، يطلب منه النصيحة ، وكان هذا في ظرف الحرب العالمية الثانية ، حينما كانت فرنسا محتلت من قبل الألمان . هذا الطالب أتاه ، بعد أن عجز عن الأختيار ، بين البقاء إلى جانب أمه الوحيدة ، والتي قتل زوجها من قبل الألمان ، وبين الذهاب إلى إنكلترا للأنضام لصفوف المقاومة الفرنسية التي أتخذت مقرها هناك . فهو في حالة البقاء مع أمه ، يكون لبقاه أثر ملموس ، ويساعد في شكل مؤكد بأدامت الحياة للمرأة المصدومة بموت زوجها ، لأنه لو ذهب ، وتركها وحيدة ، فربما تطول غيبته ، وحتى ، يمكن يموت أو يقتل . وبتالي ، بموته ، يضاعف من معاناتها ، وربما ، يقودها لحتفها . أما ، في حالة ذهابه إلى القتال في صفوف المقاومة ، الذي يتشوق له ، للأنتقام ، فأن هذا غير مضمون ، ويحتاج وقت طويل ، وإلى إجراءات كثيرة ، كما يخبرنا سارتر ، فهو يحتاج أولاً ، الذهاب إلى معسكر الألتحاق في أسبانيا والبقاء هناك لفترة ، ثم لذهاب إلى إنكلترا ، لكي يملأ عريضة ، وينتظر النتيجة ليقبل في صفوف المقاومة . ولذا ، فأن الذهابه للندن ، ليس له نتيجة مباشرة وأثر ملموس ، مثل البقاء مع والدته ، فهو مشكوك به ، ويمكن أن تذهب جهود سدى . ومع ذلك ، فأن المقارن بين الأختيارين ، تظهر ثمة فارق كبير ، فأن البقاء مع أمه هو تكريس جهده لخدمة فرد واحد عزيز عليه ، في حين الأنضمام للمقاومة ، هو خدمة لكل الأمة الفرنسية . ولهذا يجد صعوبة في أمكان الأختيار بين الأثنين ، فمن يستشير ، وهو عليه الأختيار بين الأثنين ، فمن يختار ؟ فهل يقدر المذهب المسيحي أن يقدم له النصحية ، أم أنه سيقول له ، كما يخبرنا سارتر ، أذهب وأجمع الصدقة ، وحب جارك ، وضحي بنفسك في سبيل الآخرين ، وأختار الطريق الأصعب ! الذي لا أحد يعرف ماهو ، فهل هو البقاء مع أمه ، أم الأنضمام للمقاومة ؟ فلا أحد ، هنا يمكن أن يعطي الأسبقية لأي من هذين ، لا الأديان ، ولا حتى الأخلاق الكانطية . فالأخلاق الكانطية تقول لك ، لا تجعل من الأخرين وسيلة ، وإنما غاية . وهو إذا بقئ مع أمه سوف يجعل منها غاية ، في حين سيجعل من رفاقه بالمقاومة الذين يقاتلون من أجله وسيلة . وهنا هو أيضا لا يجد جواب عند كانط . وعليه لم يبق من ملجا، كما يقول سارتر سوى الثقة في غرائزنا . وهذا ما توصل أليه الطالب أخيراً ، والذي يقول لي ، سوف الجاء إلئ أحساسي ، وإلى ما ماذا يدفعني . فإذا دفعني بقوة صوب أمي ، فأني سوف أنبذ كل شيء وأبقى بجانبها . وإذا لم يكن حبي للأمي من القوة لبقائي معها ، سوف التحق بالمقاومة . ولكن كيف لنا أن نعطي قوة إلى هذين الأحساسين ، إذ لم يكن بالعمل ! فإذا أنا بقيت مع أمي ، فهذا يعني ، أن حبي لها أقوى ، من الأحساس بالذهاب للمقاومة . ولهذا ، لا يمكن بمجرد التفكير في فعل أي من هذين الأحساسين ، لأنهما ، أي البقاء إلى جانب أمي أو الذهب لصفوف المقامة ، يتشكلا في العمل . وهو لحد الآن لم يقرر ماذا عليه أن يفعل ، ويبحث عن النصيحة والأستشارة . فهو ، مثلاً ، أذا أختار أن ينشد قِس ، فهناك ، كما يقول ، كذلك ، الكثير من القسس ، بعضهم متعاونين مع الأحتلال ، وآخرين يعملون مع المقاومة ، وقسم منهم ينتظر ما تسفر عنه الأحداث ، فمن يختار من هؤلاء ؟ فإذا أختار المتعاون ، سيقول له أبقى مع أمك ، أم المقاوم ، فيقول له ، أذهب للمقاومة ، أما الأخير ، فسيقول له ، أنتظر عما ستسفر عن الأيام ، فمن سيختار من بين هؤلاء ؟ ومن ثم سيجد نفسه ، بنهاية ، عليه أن يقرر هو بذاته من يختار ، ولهذا ، يقول ، سارتر ، حينما جأني ، يطلب النصحية ، لم أقل له من يختار ، سوى أني قلت ، أنت حر ، وعليك أن تختار ، فلا أحد يمكنه أن ينوب عنك ، فكل شيء رهن أختيارك .

ولذا ، لا توجد هناك علامات ، لا في السماء ولا في الأرض ، ولا لدى المفكرين يمكن أن تكون البديل عن أختيارنا نحن ، فنحن أحرار ، وعلينا أن نقرر بأنفسنا ، إذا أردنا أن نكون صادقين مع ذواتنا . وهنا يتضح لنا الهجران بعريه الفاضح ، بأن لا أحد يمكن أن يمد لنا يد العون ، فنحن من يقرر ماذا نريد أن نكون ونختار .

(٩) وعندما نأتي على المقولة المشهورة في الوجودية ، اليأس ، فأننا نفاجاء ، باختلاف معنى اليأس ، عن المعنى العادي والمتداول في الأستخدام اليومي ، والشائع ، فهو لا يعني ، أبداً اليأس من الحياة ، وعدم العمل والنظرة السوداوية . فسارتر يحدد اليأس هنا بطريقة مختلف ، بطريقة واقعية ، أذا صح التعبير . فيقول ، بأننا نعني بهذا اليأس فقط نعين الحدود إلى أمكانياتنا ، وما يمكن الاعتماد عليه والقيام به ، وما في أستطاعتنا وبقدراتنا . أو في حدود الاحتمالات التي تجعل عملنا يمكن أن ينجز . لأنه حين يزمع المرء على عمل ، فهناك دائماً أحتمالات وأمكانيات لهذا العمل أن يتحقق ، أي ما يجعل معقول القيام به ، وأنه ليس لنا سلطة مطلقة على أعمالنا ، وعلى كل التوقعات والأحتمالات . ويبدأ ، هنا بضرب الأمثلة ، لكي يوضح بوضح ، معنى هذا اليأس ، وما هي حدوده ، فيقول ، إذا أنا أتوقع زيارة من صديق لي ، والذي أفترض ، أنه يمكن أن يأتي بسيارته ، أو يأتي بقطار ، وعليه ، أظن أنه سيأتي بموعده . ولكن هناك احتمالات ، لأن لا يأتي القطار في موعده ، أو تعطل سيارة صديقي بالطريق ، فهذه الأحتمالات والأمكانيات واردة . فعلى المرء أن يأخذ تلك بالحسبان ، والتي يمكن أن تؤثر على عملي ، فعلي أن أعود نفسي على هذا . لكون ليس هناك الأله يحول دون هذه الحوادث، وليس هناك تصميم وقائي يمنع حدوث تلك الأشياء ، والتي يمكن أن تكيف العالم حسب رغبات الناس . ولهذا، يقول ، بأن ديكارت قال ؛ بأن على الإنسان أن ينتصر على نفسه بدل من أن ينتصر على العالم ، والتي تعني ، في نهاية التحليل ، أن نعمل بدون أمل ، أي لا نضمن النجاح مسبقاً ، حسب فهم سارتر لعبارة ديكارت . ولهذا ، يقول حينما عرضت وجهت هذه على الماركسيين ، أجابوني ؛ أن من الواضح ، أن أمكانياتك محدودة يحدها الموت ، كأي إنسان ، ولكنك تستطيع أن تعتمد على الآخرين ، ففي أتمام عملك . فأنت تقدر أن تعتمد على الآخرين ، والذين يوجدون في أماكن آخرى ، الإتمام الهدف الذي نطمع أليه في تحقيق المجتمع المثالي ، والذي تزمع البروليتاريا أن تقيمه . وهؤلاء الآخرين ، قد يكونو موجودين بالصين وفِي روسيا . وهؤلاء ، إذا أنت لم تستطع أن تحقق المجتمع المثالي الشيوعي في زمانك ، فأنهم قد يقيموه بعد موتك ، فهم سيواصلون العمل ، الذي تقوم به الآن ، ويقيمون في الثورة لتحقيق هذا المجتمع المثالي المنشود . وهذا كلام جميل ، من قبل الشيوعيون . ولكني أجبتهم ؛ سأعتمد على الرفاق والتزم في هدفهم طالما بقوا أوفياء لقضيتهم ، ويناضلون من أجل تحقيق المجتمع المثالي ، وسناضل معهم . وأدافع عن وحدة الحزب ، أو الجماعة المنتمي لها ، والذين لا سيطرة لي عليهم ، فأنا مجرد عضو واحد فيهم . ولكني أعرف حركة الحزب وأى ما يفعل . بيد أن الأعتماد على الحزب أو الجماعة ، هو ، في النهاية ، مثل المثال الذي ضربته على الأعتماد على موعد القطار ، أو السيارة التي سوف يصل بها الصديق لي . وأن القطار سوف لن يتأخر ، وسيارة صديقي سوف لن تعطل بالطريق . فأنا لا أستطيع الأعتماد على أناس لا أعرفهم ، ولا أستطيع أن أقيم ثقتي على الطبيعة البشرية ، التي لا وجود لها بنظري ، ولا كذلك ، على المصلحة التي تجمع البروليتاريا في أقامت المجتمع المنشود . فأنا أنظر إلى الإنسان على أنه كائن حر، وليس هناك ما يُحد من حريته لا الله ولا الطبيعة البشرية والذي يمكن أن يعول عليها بأن يبقى وفئ إلى الأهداف التي يطمح لتحقيقها . فأنا لا أعرف إلى ماذا ستقود الثورة الروسية في نهاية المطاف . رغم أني معجب بها وفِي ثمارها ، إلا أني لا أثق بأن أنتصار الثورة فيها سيؤدي بالنهاية ، في أنتصار البروليتاريا في كل مكان .فأنا أثق فقط بما رأه ، لكوني غير متأكد بأن في مرور الزمان سوف لن يغيروا رأيهم فيما بناء المجتمع المثالي . وأنهم بعد موتي ، سوف يستمرون في التعلق بنفس العقيدة ، والألتزام بنفس الأهداف . فالإنسان كائن حر، ويمكن أن يغير رأيه ، ويتخذ قرار آخر . فقد يغير الناس رأيهم غداً أو بعده ، ويقيموا النازية أو الفاشية ، وتصبح هذه حقيقية مقبول من الجميع .بيد أن هذا يجب أن لا يفهم ، كما يقول سارتر ، أني أدعو إلى الهدوء والأستسلام لمجرى الأحداث . فأنا سوف انتمي للحزب ، وأحاول أقامت المجتمع المثالي ، ما دمت حياً . غير أني لا أعرف بما سوف يأتي به الغد . فأنا غير واثق بأن هذا المجتمع سوف يتحقق في المستقبل . فالناس حرار ، وقد يغيروا قناعاتهم ، ويتخذوا طريق آخر . لذا أنا فقط أعتمد على ما أعمله الآن ، وما يعمله معي الآخرين ، والغد شيء آخر .

(٩) وبما ان الاتهامات ضد الوجودية كثيرة ومتعددة ، وقت سيطرتها على الساحة الثقافية في فرنسا ، فأن سارتر في محاضرته الوجودية فلسفة إنسانية ، يحاول ، تفنيدها الواحدة تلو الآخرى . ويبين بأن أكثر تلك الأنتقادات مبنية على سوء فهم ، وبقصد الأساءة لفلسفة الوجودية الملحدة . ومن هذا التهم الجديدة ، تهمة ، التخاذل ، أو التواكل ، أو الأمبالاة ، وتهمة التشأم . وسنعمل ، هنا على تخليصهم من كتابه ، المذكور . وهذين الأتهامين ، لهما أهمية عامة .

فهو يبدأ بعرض تهمة الأمبالاة ، التي يقول ، نقاده أن الوجودية تقود لها ، ويبين سارتر هنا خلفية هذا الأتهام والعوامل السيكولوجية التي تكمن وررأه . ويقول ، بأن هذه التهمة تعني ، بأن الوجودي ، يقول ، دع الناس تفعل ما لا اقدر أنا على فعله . وتلك التهمة ، حسب ما يقوله ، معارض تماماً لما يبشر به هو . لأنه ، يقول بأن الإنسان لا يعرف ذاته ، وينكشف لنفسه سوى بالأعمال التي يقوم بها والأفعال التي ينفذها . ولكوني أضع في المقدمة العمل ، فالإنسان، في الوجودية الملحدة ، هو ما يفعله . ويشدد سارتر ، من ثم ، على أن الناس الذين يبثون هذه التهمة ضده ، هم ، من يبدو أن الوجودية ، تحرمهم ، من عزاء ، وحجة كانوا يتذرعون بها ، ويعزون أنفسهم من خلالها . فهؤلاء ، التعساء ، كما يسميهم ، الذين يتهمونه ، في الأمبالاة ، كانوا ، يقولون لنفسهم ، بأن الظروف، والأوضاع التي عاشوها ، كانت ضدهم ، ولم تخدمهم ، لكي يظهروا كل طاقتهم وقدرتهم ، ويعبروا عن مواهبهم الطبيعية وعبقريتهم ، فهم بنظر أنفسهم ضحايا تلك الظروف ، وهم لهذا يستحقون تقدير أكثر من هذا الذي يعاملون به الآن . فلولا الظروف المعاكسة لهم ، لكان لهم شأن كبير . فأنا لا توجد لي حبيبية ، ولم أتزوج ، ولم أكتب الكتب التي كان يجب أكتبها ، ولم أصبح رسّام مشهور ، كل ذلك نتيجة الظروف القاهرة ، وسوء الحظ . فأنا ولدت بطاقات كبيرة ، بيد أن الحظ المعاكس أجهض كل ذلك . وهنا يعلق سارتر ، بأن عبقرية الكاتب الفرنسي مارسيل بروست ، تكمن كلها في ما قام به من فعلاً ، وبما خلفه من نتاج ، وروايات . ولولا أعماله التي كتبها فعلاً ، ونشرهم ، لما عرفه أحد. ولما كان عبقري ، فكل عبقريته بينها من خلال أعماله . حتى ولو كان عباقرة في الولادة ، فالقدرة تتجسد فقط في الأعمال . فالأحلام والتوقعات والنوايا التي يكونها المرء عن نفسه ، ويرى بها ذاته ، بدون أن تنفذ في أعمال ، ونتاج ، هي مجرد خداع لذات . ومن هنا مصدر الحملة ضد الوجودية فيما يرى سارتر ضده .لأنه قال ، بأن أن الاعمال هي وحدهاالمحك والقول الفصل .

(١٠) وعلى ضوء ذلك ، أيضاً ، يحلل سارتر تهمة التشائم ، التي تدان بها الوجودية ، فالأعمال لديه ، هي وحدها من تبين قدرة وأمكانيات الفرد . وهكذا يقول ، بأن الوجودية في الحقيقة متفائلة ، وليس متشائمة ، ولكن الناس أعتادوا النظر إلى الأشياء من منظور مألوف ، وكل من يخالفه ، يعد متشائم ، فالناس ، كما يقول ، يدينون أعمالنا الروائية ، لأنها ، تصور ، الشخصيات الضعيفة ، والخسيسة ، والجبانة ، بل حتى تصور الشر الصريح . ولكن ، لو قرأ النقاد ، أعمال الروائي الفرنسي أميل زولا، والذي كان من أصحاب المذهب الطبيعي ، لما أثار هذا الروائي استنكارهم ، لأنه صور الأشياء والأشخاص من الزاوية المألوف لهم ، فزولا صور شخصياته ، وسلوكها ، على أنه ينبع من وراثتها ، أو نتيجة البيئة التي يعيشون فيها، أو نتيجة عوامل حتمية ، تفرض عليهم ، سوى كانت ، نفسية أو عضوية . ومن هنا تجد الناس ، يقولون ، لكي يبرروا سلوكهم ، ها أنت ترى ، ما نحن عليه ، وكيف نحن مجبرين ، وليس لنا القدرة على ما نقوم به . بيد أن الوجودي ، يقول كلا ليس الأمر كذلك ! فهو ، أي الوجودي ، حينما يصور ، فعلاً ، شخصية ، الجبان ، مثلاً ، يظهر هذا الجبان هو المسؤول عن جبنه ، وليس نتيجة ظروف البيئة ، أو الجينية ، أو عوامل قهرية آخرى . فهو ليس جبان نتيجة تلك العوامل ، وأنما أصبح جبان بفعل أعماله الجبانة . فليس هناك جبان دائم ، بفعل المزاج ، والسيكولوجية ، أو الخور ، أو فقر الدم ، فكل هذا الحالات لا تنتج الجبان . فالرجل الفقير الدم ، لا يكون جبان ، مثلاً ، لأنه فقير الدم ، وأنما أختار هو أن يكون جبان ، بعمله وسلوكه . فالإنسان لا يولد جبان أو شجاع ، وأنما يصبح في سلسلة أعماله المتتالية ، بطل ، حين تكون أعماله بطولية . أو جبان ، حينما تكون أفعاله جبانه ، والجبان ، يكون شجاع ، إذا ترك الجبن ، وتصرف بطريقة تليق به كإنسان ، وكذلك يمكن لبطل ، أن يغدو جبان ، إذا تصرف في مواقف تصرف جبان ، وخانته شجاعته . فليس محتم على الجبان يكون طول الوقت جبان ، وكذلك ليس على الشجاع محتم أن يكون طول حياة بطل ، فقد يتغيرون يتصرفون بطريقة آخرى . وهذا ما تصور الوجودية عن سلوك الإنسان ، فهي لا تحاول تخدعه ، وتقدم له عزاء وتبرير ، وأنما تضعه أمام نفسه وأمكانيته ، وليس في هذا أي نزعه لتشائم .

(١٢)أما ما تبقى من محاضرته الوجودية نزعة أنسانية ، فهو ، كما يقول يتناول فيها بعض القضايا الهامشية في الوجودية . وهي الحكم على الأخرين ، وأختراع القيم . فقد أتهمت الوجودية ، في أطروحاتها التي قدمتها، بأنها ، بهذا ، لا تستطيع من بعد الحكم على الأخرين أو أدنت السلوك وأعمالهم السئية . وسارتر ، يقول بصدد قضية الحكم على الأخرين ، أن هذه التهمة صحيحة في جانب منها ، وخاطئة من ناحية آخرى . فهول يقول بأنه لا يحكم على الأخرين من وجهة نظر أخلاقية ، مادام ليس هناك قيم إزلية وثابته ، وإنما يحكم عليهم من وجهة نظر منطقية ، أي أن يبن لهم خطأ تصرفهم وسلوكهم ، وأنهم مجرد يخدعون أنفسهم ، لأن عليهم أن يدركوا بأن حريتهم مرتبط بحرية الآخرين . ولذا فسارتر لا يدين أحد من وجهة نظر أخلاقية . وأنما يطلب منهم فقط أخذ وجود الآخرين في الاعتبار ، حينما يختارون . وعليه ، فحكمه مقتصر على أولئك الذين يخفون حريتهم ويتنازلون عنها إلى التقاليد والاعراف أو العقائد ، ولا يريدون أن يكونو أحرار في أختيارهم .

(١٣) أما فيما يخص النقطة الآخرى ، وهي أختراع القيم ، فأن نقاده ، يتهموه ، كما يقول هو ، بأنه ، يأخذ بيده اليمنى ما أعطاه بيده اليسرى ، أي أن القيم غير جدية ، ولا تقف على أرض صلبة ، ما دام هو الذي يخترعها أو يخترعها الآخرين كل حسب هواه . وحقيقة ، أن سارتر يقر بهذه التهمة. فما دمنا قد أبعدنا الله ، الذي كان ، موطن كل القيم . فلم يبق أمامنا ، في هذه الحالة ، سوى اختراعهم ، وهذا كل ما بقى لنا أن نقوم به . لأن ليس هناك معنى مسبق في الحياة ، سوى ذلك الذي الذي نمنح لها . فالحياة لا شيء ، قبل أن نعيشها ، ونشكلها حسب ما نريد ، وكل قيمة هي لا شيء ، خلا ما تضعه أنت فيها من معنى . وهنا يذكر سارتر ، بأنه اختار ، عنوان ، لمحاضرة الوجودية نزعة إنسانية ، ولكن نقاده ، يذكروه ، بأنك أنت ، الذي ، نبذ النزعة الإنسانية ، في روايته الغثيان ، فلماذا ، تعود لها الآن ، فلقد وصف سارتر الإنسان ، في هذه الرواية ، بأن الإنسان عاطفة غير مجدية . ولكن ، سارتر ، يرد ، بأن هناك نوعين من النزعة الإنسانية ، ويجب أن لا يخلط بينهم ، وأنه ضد النزعة الإنسانية ، التي تجعل من الإنسان غاية بحد ذاته ، وقيمة عليا . فالبعض يفتخرون بالإنسانية ، على ضوء ما حققه الإنسان من تقدم وحضارة ومنجزات تقنية ، ولكن الوجودية لا تحكم من هذه الزاوية ، وليس نزعتها مستمدة من هذه النظرة . فالوجودي لا يجعل أبداً من الإنسان غاية . لأن الإنسان لم يقرر بعد ماذا أن يكون ، فهو حرية دائمة ، ويمكن أن يكون ضد الإنسان نفسه ، كما حدث في النازية والفاشية . ويرفض سارتر ، كذلك ، نزعة ، أوغست كونت في العبادة الإنسانية ، لكون تلك النزعة تغلق الإنسان في أُطر محدودة .ومن هنا يقول ، بأن هناك ، معنى آخر إلى الإنسانية ، هو الذي يلتزم به ، وهذا المعنى ، هو أن الإنسان دائماً خارج نفسه ، وتجاوز لذاته ، ومشروع لنفسه ، فهو يفقد ذاته ، ويخلفها خلفه ، ، وهذا ما يجعله ، يوجد بصورة حية ، فهو دائماً يتعالى ويتجاوز ذاته . فليس هناك عالم آخر ، سوى عالم البشر ، عالم الذوات البشرية . وهذا ، يقول ، ما أقصده بالنزعة الإنسانية . وتلك النزعة الإنسانية ، تذكر الإنسان ، بأن ليس هناك مشروع ، سواه هو ، أي الإنسان ، لكونه مهجور ، ومتروك لذاته ، وحيد ، وعليه أن يقرر من يكون .

(١٤) وفِي نهاية محاضرته ، يقول ، بأنك تستطيع أن ترى ، كم هي ظالمة التهم التي شنت ضدنا ، فهي ، لم تفعل سوى ، أن خلصت إلى الأستنتاجات التي يجد الوجودي نفسه فيها. أي أن الوجودية ، لم تريد أن تلقي الإنسان في اليأس ، الذي تمثله المسيحية ، اليأس من هذا العالم ، ونشدان عالم آخر . فيأس الوجودية شيء آخر ، هو ، في الواقع ، اليأس من من العالم الآخر ، أو من أي عون خارجي . فالوجوديةً ، تقول ، بأن سوى وجد الله أو لم يوجد ، فأن الأمر لا يغير شيء . لكون ، الأمر معتمد على أن يجد الإنسان نفسه ، ويصنع خلاصه بنفسه وعمله .فهي لا تبالي ، ولن تجهد نفسها في قضية وجود الله أو عدمه . ولهذا من حق المسيحين أتهامنا ، بأننا يأسون ، ولا أمل لنا في العالم الآخر ، فكل أمالنا معقودة ، على هذا العالم .

(١٥) وعليه ، إذا ما حاولنا ، أن نضع ، وجهة نظر سارتر ، التي تعبر عن الحرية المطلقة لتصرف الإنسان ، أزاء وجهة نظر الحتمية المطلقة ، التي عبر عنها هولباخ ، وكما عرضناه في المقالة الأولى ، من هذا العرض ، فأننا ، نجد سارتر ، يخطئ هولباخ في نقطتين ، هماً ، أولاً ، هي أن حتمية هولباخ ، أستخدمت بطريقة خاطئة إلى الإنسان لذاته ، pour soi , والذي يملك وعي وحرية ، بحتمية هولباخ ، التي تنطبق فقط على العالم بذاته ، عالم الطبيعة ، والأشياء ، وليس عالم الإنسان . فالإنسان ، كائن حر ، والحريّة جوهر وجوده . أما النقطة الثانية ، التي تدين بها الوجودية الملحدة وجهة نظر الحتمية فهي ، تعبير سارتر ، سوء النية ، وسوء النية ، يعني لديه ، التهرب من المسؤولية ، وألقاها على الآخرين ، وعلى قوى مجهولة ، وعامل نفسه كوجود بذاته en soi ، بدلاً من وجود لذاته. Pour soi . وهذا التنصل من المسؤولية ، محاولة إلى أن كون غير أنا ما عليه . فأنا هنا أحاول أن أخدع نفسي ، وأريد أن عيش في الكذب ، ولا أريد أن أحيا في وجود أصيل وحقيقي ، لذلك ، تعمدنا إلى خلق الله ، وقيم ، متعالية ، حتى نبرر تخلينا على حريتنا واختيارنا .

هاني الحطاب

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close