مهام الفلسفة الطبية

د زهير الخويلدي

” يمكن أن يكون الطب بالنسبة للفلسفة العامة في العلوم مناسبة التفكير الابستيمولوجي الأساسي في العلاقة بين النظرية والتطبيق داخل العلم” – ألودي جيرو – فلسفة الطب،1[1]

لقد انتهت الفلسفة في الآونة الأخيرة أن اتخذت دلالة واسعة جدا بحيث لم تعد تفيد أي شيء تقريبا بالنظر إلى معناها الأصلي الذي كان يشير إليه اسمها المنحدر من التراث الإغريقي: فيلوصوفيا أي محبة الحكمة.لعل الاستعمالات الضعيفة لمفردة الفلسفة هي التي تسببت في هذا الانحباس الدلالي والقصور الوظيفي عندما غدت الصناعة تقتصر على ابتكار المفاهيم وتمثيل العالم وتحليل اللغة العلمية والتفكير في المعرفة. بينما تم إهمال المعاني الجذرية للفلسفة الأصيلة والحية والتي احتمت بها البشرية عند الشدائد سابقا للدفاع عن نفسها وللاحتماء بالقيم الكونية لما كانت تربطها بالحكمة العملية وتتخذها سلاحا ثوريا ضد الظلم والتفاوت وفنا في الحياة الجيدة وتزج بها في معركة ضمان البقاء في صراع إرادات من أجل حسن الوجود للأكثر صلابة واقتدار. لا يمكن الاقتصار في تحديد مفهوم الفلسفة على اعتبارها مجرد معرفة نظرية أو رؤية تصورية للعالم ولا يجدر الاكتفاء بالتعامل معها على أنها مجرد نظرية لغوية أو مقاربة تفكيرية للحقيقة وإنما يجب التعويل على التطبيق والممارسة في صياغة المبادئ وإدخالها إلى أرض الإيتيقا الطبية. لكن كيف تتغلب المجتمعات على المؤثرات والعواطف والأهواء المخلفة للانقسامات والمنازعات وتتمكن من بناء أشكال مفتوحة من الحياة وتتقاسم جملة من الرؤى المُيَسِّرَة على تخطي أزماتها والرد على تحدياتها؟ وماهي المهام المعهودة على الفلسفة الطبية في زمن المرض المعولم؟

يبدو أن الفلسفة العملية في حاجة ماسة إلى منهجية المعرفة التاريخية من أجل أن تكون في مستوى الحدث الحضاري ولكي تكتسب القدرة الإجرائية على فهم عالم الحياة واقتراح توجهات معيارية تنويرية متروية.لهذا يستمد التفكير في الإيتيقا وجوده من تعقل ظروف حياة المهاجرين وإجراء نقاشات حول خاتمة الحياة والارتياب من تزايد الفساد في أجهزة الدولة والبحث المتواصل عن تحيين النزاعات حول المصالح. إذ يكفي أن يخرج المرء إلى الشارع ويلتحق بالجامعة أو يذهب إلى السوق والمساحات التجارية الكبرى حتى يجد نفسه في عدة إحراجات أخلاقية وتنهال عليه الأسئلة حول المعيار والقيمة من كل حدب وصوب إلا أنه لا يقدر بسهولة على اتخاذ موقف وتقديم رأي وتسديد حكم حول السلوك الجيد والقرار الصائب ويحتاج إلى الكثير من التروي والمداولة والتثبت والتركيز والتدقيق والتحقيق لكي يشرع في حسن الاختيار. هكذا واجهت الفلسفة الطبية العديد من المعضلات الشخصية واصطدمت بجملة من المآزق الحقيقية عندما حاولت استعمال النماذج العلمية الكبرى بغية بلورة الرهانات الجماعية وتعذر عليها العثور على إيتيقا طبية ملائمة ووجدت نفسها مترددة بين التركيز على تخليق السياسة والعناية الطبية بالمرضى وحسن استقبال المهاجرين وإغاثة اللاجئين وتمكين الناس من حرية التنقل بين البلدان والمطالبة بحماية المعطيات الشخصية وبحق النفاذ إلى المعلومة والرفق بالحيوانات والنباتات والمحافظة عليها من الانقراض والاهتمام بصحة الشعوب وسلامة السكان ووقايتهم من الآفات والأوبئة والأمراض الخطيرة.

تقوم الفلسفة الطبية بتحليل صارم للأفكار التي تطرحها النظريات والممارسات العلاجية وتقترح مجموعة من الحدوسات العامة التي تساعد على تطوير الطب والصيدلة والطرق الوقائية والتطبيقات الاستشفائية. وعلى الرغم من أن الأطباء لا ينظرون إلى الأمراض بنفس الطريقة ويتوزعون بين المادية المنظومية والواقعية الابستيمولوجية والروحانية العرفانية ولا يقترحون نفس الطرق العلاجية ونفس الأدوية إلا أن فلسفة الطب تساعدهم على اكتشاف أدوية جديدة وتجويد التجارب المخبرية والمحاولات الاكلينيكية[2].

كما يمكن للفلسفة الطبية من حيث هي طرح للمبادئ الخاصة بالصحة وابتكار للمعايير المساعدة على الحياة الجيدة أن توضع على الطاولة مجادلة الحجج المقنعة وقراءة عميقة للأحداث الكبرى واهتمام دقيق بالتفاصيل والتقاط منتبه للجزئيات وتعقل شامل للأوضاع أن تكون بوصلة للناس وتدبير حكيم لحياتهم. وتضم هذه البوصلة كل من البيوإيتيقا وأخلاقيات البيئة وآداب المهنة وضوابط العمل العمومي ولذلك تقود الرهانات التي تسعى إلى تحقيقها نحو إيجاد فلسفة إيتيقية عابرة للاختصاصات وتحوز على نظرة كوكبية.

تحاول الكثير من المجتمعات بالرغم من تعددها وتعقدها أن تصل إلى حالة من التعايش والتآنس في ظل تنوع القيم واندلاع مواجهات عنيفة ونزاعات طويلة حول أشكال استعمال الجسد وتمثلات الخير ومعايير المساواة وشروط المواطنة وسبل تحصيل السعادة والدروب الموصلة إلى الخلاص والغايات التامة للحي. فالحياة ليست معركة بين القوى المتصارعة يكون فيها الهدف هو التغلب على الخصم بكل الأساليب وإنما هي فاصل زمني يسعى من خلاله الجميع إلى تحصيل إمكانيات وإعداد قدرات للنجاح في تحقيق ذواتهم. لقد أحدث مفهوم الإنجاب الطبي انقلابا شاملا في مفهوم العائلة واحتلت وسائل الاتصال الحديثة مكانة بارزة في الوجود الاجتماعي وصارت أكثر قدرة على توفير المعلومة والتأثير في الرأي العام وتوجيهه ويمكنها أن تمثل خطرا على الحريات والحقوق وصارت التأثيرات المناخية تهدد الكوكب وبقاء الأنواع.

لعل أهم تحدي ينتصب أمام قيام مشروع إيتيقي متكامل هو الانتقال المستمر وغير المجدي الذي يقوم به الناس من مرجعية إلى أخرى ومن سلم قيمي إلى آخر والبحث المتواصل عن تطابق المبادئ مع الواقع الأكثر عينية والوحشية الناتجة عن اجتياز السياسة عتبات الضمير الأخلاقي وعطوبية الأفعال البشرية.

في الواقع لم تقتصر فلسفة الطب على الفحص الدقيق للأجسام والكشف عن الأمراض والتخلص من الألم والحرص على الشفاء والسلامة الجسدية وإنما أصبحت تطرح قضايا ايتيقية حارقة تهتم بالصحة العمومية والحياة الجيدة والنظافة والبيئة والمحيط السليم وتصارع قصد الرفع من الأمل في الحياة وقهر التهرم[3]. لماذا تفرض التحولات الكبيرة في أشكال الرهانات أن تظل البوصلة الإيتيقية في حالة إعادة بناء مستمرة؟

المرجع:

1-Elodie Giroux, la philosophie de la médicine, in le précis de la philosophie de la médicine 2011, diriger par A. Barberousse, D. Bonnay , M. Cozik, chapitre XII, p406.

2-Mario Bunge, Philosophie de la médicine, concepts et méthodes, 2013, traduit par Pierre Deleporte, éditions Matériologiques, Paris,2019.

3-Jean François Braunstein, Histoire et philosophie de la médicine, in Revue Archives de la philosophie, 2010-N°04, Tome73, pages 579 à 583

كاتب فلسفي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close