الراحل علي الوردي في ميزان/رحلة في خوارق اللاشعور/ج1

عبد الرضا حمد جاسم

في ص270/ اسطورة الادب الرفيع/1957 كتب الراحل الوردي التالي: [انهم يظنون إني جئت بهذه الأفكار المستحدثة من جيبي وإني وحدي الذي ادعو اليها. والرجاء منهم ان يعلموا بأنها أفكار علمية تكاد تسيطر الان على عقول المفكرين في العالم الحديث ولست إلا ناقلاً لها. وناقل الكفر ليس بكافر] انتهى.

…………………………….

2.كتبتُ في الجزء السابق بأن التالي له “الحالي” سيكون حول اعتراضي على اعتراض الراحل الوردي على القول المعروف/المتداول في المجتمع: “من جد وجد” واعتبار الوردي له: “مبدأ سخيف”، وهو جزء من القول المتداول/المسموع/المقروء: “من جد وجد ومن زرع حصد”.

افهم هذا القول “من جد وجد” بأنه واسع/شامل لم/لا يقتصر على فعل “العضلات” فقط فمن جد في تربية النشأ الجديد “سلباً او ايجاباً” يجد منهم في الغالب ما جد في تعليمهم عليه وترسيخه فيهم، وهذا نجاح يُحسب له. ومن جد في عمارة ارض وجادت الطبيعة، وَجَدَ وَحَصَدْ.

وهو قول عام/واسع بمعنى ان فيه نسبة عالية من احتمالات التحقق حيث لا نقول بحتمية نتائجه لان هناك عوامل كثير تعترضه كما أي فعل حياتي اخر، من تلك العوامل ما هو ذاتي/شخصي/داخلي وما هو خارجي/ مجتمعي /طبيعي وكمثال على ذلك متسابقي المائة متر في الألعاب /الرياضية/الأولمبية حيث جميعهم جدوا واجتهدوا وحفزوا قواهم النفسية لكنهم يصلون بدرجات متفاوتة حتماً حتى لو كان بفارق جزء من الالف من الثانية وقد لا يصل أحدهم الى خط النهاية لأي عارض يعترضه خلال تلك الثواني أو قد يخفق بعضهم من تحقيق الرقم الذي حققه في السابق سواء في مسابقات او في تدريبات. وكلهم ناجحين، من نال الوسام الذهبي او من تلاه، وحتى من سنحت له الفرصة بمجرد المشاركة بالتصفيات الأولية يُعْتَبَرْ/يَعتَبِرْ نفسه ناجحاً ويتأمل في المستقبل…اي يطمح ان يكون بحال وموقع /مركز أفضل.

الراحل الوردي اخذ هذا القول العام /الواسع وهو يعرف القصد من طرحه جيداً ويؤيد طرحه بقوة كما سأُبين ذلك، ويعرف فائدته للشخص والمجتمع، لكنه اختار الوقوف ضده بقوة ايضاً لأسباب منها الضياع بين العام/المنتشر والخاص/ النادر وربما محاولته إثارة الجدل او تسجيل ْتَّمَيُزْ غير مسنود/مبرر، ويفهم ذلك من خلال الصياغات التي طرحها لرفضه لهذا القول مثل وصفه ب “سخيف” او قوله “لقد وصلت بهذا البحث الى نتيجة هي في الواقع معاكسة لجميع ما دأب المعلمون والكتاب والخطباء في هذه البلاد ان يلقنونا إياها…الخ”. تلك النتيجة ان هذا القول سخيف دون طرح ما يقنع المقابل او حتى محاولة اقناعه حيث كتب في ص 9 من خوارق اللاشعور/1952 التالي: [إني لا أبغي أن اُقنع القارئ بصحة النتيجة التي وصلتُ اليها. يكفيني أني قد اقتنعتُ بها شخصياً بعدما كنتُ شاكاً بها.].

وكتب في ص 11 من نفس الكتاب التالي: [إني لا اريد بهذا البحث ان اقنع الا من يريد ان يقتنع اما الذي لا يريد ان يقتنع فليس لدينا ازاءه اية حيلة] وهذا يثير العجب والاستغراب.

الراحل الوردي التقط ما أطلق عليه “قانون كوية” وزها به وانتشى وصرخ صرخته المدوية في هذا الكتاب كما ارخميدس… وجدتها!!![سأتطرق ل “قانون” كوية لاحقاً]. لكنه لم يجدها ولم يثبت وجودها او يُشير الى بعض معالم ما “وجد”

ورد رفض وتأييد الوردي لهذا القول “من جد وجد” في أكثر من مكان/كتاب. اليك منها التالي:

1. في ص12 من خوارق اللاشعور/1952: [وأود ان اصارح القارئ بأني كنت في أيام شبابي ضحية من ضحايا هذا المبدأ السخيف “من جد وجد”…الخ] انتهى

2.في ص11 خوارق اللاشعور/1952: [إن هذه النصيحة لا بأس ان نلقيها على أطفالنا وتلاميذنا الصغار حيث نحرضهم بها على العمل والدأب ومواصلة الدراسة ثم نردعهم بها عن اليأس والخمول. هذا ولكن التطرف فيها وتلقين الكبار والبالغين إياها قد يؤديان الى عكس النتيجة التي نتوخاها منها] انتهى

3. في ص109 خوارق اللاشعور/1952: [قد ذكرنا من قبل ان مبدأ “من جد وجد” قد يصلح لتربية الصبيان والصغار، لكنه يمسي مبدأً خطراً عندما يعتنقه الكبار فهو إذا انتشر بين الكبار صار حجة بيد الأقوياء في أن يأكلوا الضعفاء او يسيموهم خسفاً واستغلالاً. فإذا أخذ الفقراء يطالبون بحقوقهم قالوا لهم متبجحين…”من جد وجد”]

4.في ص379 دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965: [“من جد وجد” يحرك المجتمع ويبعث فيه التطور ولكنه من الناحية الاخرى يجعل الفرد شديد الطموح والتكالب لا يطمئن الى شيء ولا يرضيه حال].

5.في ص380 /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965 كتب التالي: [مشكلة أبناء الجيل الجديد في العراق انهم آمنوا بصحة “من جد وجد” إيمانا غير محدود واعتبروه مفتاح النجاح وسبيل العظمة في كل مجال…] انتهى

6. في ص 9/خوارق اللاشعور كتب: [إني لا أبغي أن اُقنع القارئ بصحة النتيجة التي وصلتُ اليها. يكفيني أني قد اقتنعتُ بها شخصياً بعدما كنتُ شاكاً بها.].

وغيرها من تلك الأقوال والأحكام والعبارات سنأتي عليها في الأجزاء الاخرى وسيجد القارئ الكريم تعليقاتي عليها وعلى النقاط أعلاه ايضاٍ.

اعتراضي على اعتراض الوردي على مبدأ “من جد وجد” ناتج مما ورد أعلاه من عبارات وتناقضات وعدم فهم كما اظن…فهذا المبدأ ال”سخيف” كما وصفه الوردي والذي كان هو أحد ضحاياه ودعوة الوردي الى اعتباره نصيحة نلقيها على الأطفال بقوله ان “من جد وجد” يصلح لتربية الأطفال لنحرضهم فيه/به على العمل والدأب ومواصلة الدراسة ونردعهم به عن الكسل والإهمال واليأس والخمول…تلك الطروحات تدفع للتوقف عندها. ان الراحل الوردي يعرف ان تربية الأطفال على هذا المبدأ وبهذه الصيغة التي طرحها تعني ترسيخ ذلك في العقل الباطن لأغلبيتهم وهو الذي يعرف ان تغلغل هذا المبدأ هناك يجعله راسخ وصعب التأثير فيه/عليه وقد كتب في ص46 خوارق اللاشعور/1952: [إن الإنسان لا يستطيع ان يتخلص من اطاره الفكري إلا نادراً. فهو فرض لازب علية. فالإطار شيء كامن في اللاشعور كما ألمحنا أليه آنفاً والإنسان لا يستطيع أن يتخلص من شيء لا يشعر به] انتهى

فكيف يحاربه ويوصي بتعليم الصغار به وحثهم وتحريضهم على العمل والدأب ومواصلة الدراسة وردعهم به عن اليأس والخمول!!!!

ثم يؤكد الوردي على ان “من جد وجد” يحرك المجتمع ويبعث فيه التطور ولكنه “سخيف” لأن الوردي يخاف من ان هذا المبدأ السخيف “قـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد” يؤدي الى ان يجعل الفرد “شديد الطموح” و “التكالب” ولا “يطمئن” الى شيء…

استغرب اختيار هذه المفاهيم “شديد الطموح” في مجتمع تَرَّسَخَ فيه عدم الطموح منذ قرون طويلة من خلال “القناعة كنزٌ لا يفنى” و”خليها على الله” “كلمن ورزقة “و”الكاتبه الله ما يصير غيره” وغيرها ويذكر…فالطموح في مجتمع مثل المجتمع العراقي وقتها ماذا يعني او ماهي مجالاته غير الدراسة والزراعة والحرف اليدوية وبعض المجالات السياسية…فهل الطموح في تعلم مهنة خطير؟ و “التكالب” الذي خاف منه الوردي على ماذا في تلك الفترة غير انه يعني المنافسة في الدراسة…التكالب على ماذا؟ هل على التطوع في الجيش او الشرطة او التكالب على تعلم مهنة الحمالة والتنظيف او الدراسة. ما هي أوجه الخوف في ذلك؟؟؟…و “لا يطمئن الى شيء” وكأن الراحل الوردي يريد من افراد المجتمع ان تطمئن لكل ما يقع لها ويبعد عنهم واجب الشك والتحَّسب للمستقبل والتفكير به ومصيرهم وعيالهم فيه… ويدعوهم للاطمئنان وفق “عيش يا….” و “لا تكن للعيش مجروح الفؤاد…”. والشك الذي ردد ضرورته الوردي في الكثير من كتبه وهو قوام المنطق ال جديد الذي يعبده الوردي … وما يؤكد طرحي هذا ما كتبه الوردي في هذا الكتاب /خوارق اللاشعور في ص32 منه التالي: [إني اشتهي ان اجعل من هذا الكتاب الذي اُقدمه بين يدي القارئ صرخة مدوية ضد هذا الدين السائد بين شبابنا المتعلم في هذه الأيام والذي جعلهم يؤمنون بالعقل ويتخذون منه إلهً يُعبد] انتهى.

ان الشباب المتعلمين والذين اتخذوا العقل ديناً لهم ليعبدون، هم او أغلبهم كما اعتقد وفهمت من القول مشمول بدعوة الوردي لعدم قراءة هذا الكتاب حيث هم المدللون المستجدون الاغرار الذين لم يمارسوا بعد مشكلة الواقع ولم يذوقوا مرارة الحياة وكأنهم منفصلين عن معاناة أهلهم وذويهم ومجتمعهم ولا يفكرون بمحيطهم ومستقبلهم واحلامهم ومواهبهم وقدراتهم ورغباتهم.

المفروض ان الراحل الوردي يعرف انه يكتب وينشر في مجتمع تغلب عليه الاُمية بكل صورها…والغالب من شبابه المتعلم الراشد منهم أو المستجد/المدلل/الغر لا يفرق بين العقل والعلم بعد، وهو الذي كتب عنهم ما كتب فكيف يريد ان يصرخ الوردي صرخته المدوية تلك؟

و خلافي/اعتراضي مع/على الدكتور الوردي ايضاً ناتج من ان الكتاب الذي اطلع عليه الوردي وهو في الباخرة عند عودته من أمريكا و الذي حَّفَزَهُ على اصدار و نشر كتابه :خوارق اللاشعور:1952/ كان قد صدر بعد ان تَشَّكَلَ علم الاجتماع بأكثر من قرن و صدر في دولة قام علمائها بدراسات كثيرة لحالة مجتمعهم و يأتي الوردي ليبدأ به عصره الزاهي في النقل والتعريب و التعريق و التأليف و النشر وهو لم يدرس المجتمع العراقي و لم يجري بعد أي بحث في بعض جوانب مشاكل المجتمع العراقي التي لا تعد ولا تحصى ولم يجري أي تجربة او امتحان او اختبار على أي مواطن من هذا المجتمع و هو يعرف ان هذا المجتمع ربما اكثر من 95% من أفراده لا يعرفون معنى علم الاجتماع وربما اكثر من 85% منهم اميين و ربما اكثر من 80% من متعلميه لا تُميز بين العقل و العلم.

اعارض الراحل الوردي او اختلف معه هنا كون المفروض/الواجب عليه ان يعرف ان المجتمع العراقي الذي ولد فيه وتربى ودرس وتخرج ونجح تنخره المشاكل الاجتماعية ومنها الكسل والإهمال فما نفع الوردي لمجتمعه عندما أصدر هذا الكتاب وهو اول كتاب له بعد كراسة شخصية الفرد العراقي/1951 وبعد عودته من البعثة الدراسية التي نال فيها شهادتي الماجستير والدكتوراه.

اعارض الوردي واختلف معه وحتى ومع الاعتذار اشكك بقواه العلمية عندما أجد كيف برر موقفه مما اسماه “المبدأ السخيف من جد وجد” حيث كتب في هذا الكتاب/خوارق اللاشعور/1952، التالي: [ولو ان أحداً جاء الى هؤلاء قبل اكتشاف الاشعة السينية وأخبرهم عن آلة تمكن الطبيب من رؤية أجهزة البدن الداخلية لربما جابهوه بالتكذيب ايضاً] أنتهى…

حقيقة لا اعرف كيف جاز الوردي لنفسه او كيف تجرأ وأطلق هذا القول؟؟؟ يعني بكل اغتراب يطلب من الناس ان تؤيد شيء غير موجود وآلة لم تُخترع بعد ويريد منهم الايمان بوجودها ومعرفة الغرض منها… ويعترض او يتعجب من “”لربما جابهوه بالتكذيب ايضاً””!!!

اعارض الوردي واختلف معه لأنه كتب في هذا الكتاب: [ويرى “كويه” إنه في حالة تعاكس الإرادة والمخيلة تزداد قوة المخيلة في إنتاج العمل غير المرغوب فيه ازدياداً تصاعدياً حيث هو يتناسب آنذاك تناسبياً طردياً مع تربيع قوة الإرادة].

هناك نص في النت هو: [إذا سيطرت فكرة على شخص بحيث أصبحت متغلغلة في أغوار عقله الباطن، فأن كل الجهود الواعية التي يبذلها ذلك الشخص في مخالفة تلك الفكرة تؤدي الى عكس النتيجة التي كان يبتغيها منها] …يفسرها “كويه” بتنازع الإرادة والمخيلة ” تنازع الشعور واللاشعور”

الاستغراب هنا هو من اين اتى الوردي بهذا النص؟ وكيف سمح لنفسه بأن يقدم لهذا النص بعبارة او عنوان: “قانون كوية”؟ ثم كيف قَبِل الوردي ان يكتب عبارة: “يتناسب آنذاك تناسباً طردياً مع تربيع قوة الإرادة”؟ هل هناك مقياس او ميزان يقيس قوة الإرادة حتى نعرف “تربيعها”.

لا اعتقد ان هذا “تربيع قوة الإرادة” قد طرحة “كوية” ولا يمكن لي حالياً أن اعتبر ما توصل اليه او انتبه اليه او قَدَّرَهُ “كوية” حول الجهد المعكوس ” قانون “انما يمكن اعتباره “فرضية” تنازع الإرادة او تنازع الوعي واللاوعي وهي حالة موجودة حالها حال المثل العامي المعروف: “مثل الماي البلصينية”…يمكن ولا يمكن!!!

شيء آخر حيَّرَني وهو اختيار الراحل الوردي لكتاب عن العالم “راين” من جامعة “ديوك”/الولايات المتحدة الامريكية وحصوله على هذا الكتاب بالصدفة ولم يسمع بذلك عندما درس أربعة سنوات او أكثر لعلم الاجتماع في جامعة تكساس/الولايات المتحدة الامريكية … الاستغراب هو: هل ان جامعة تكساس او قسم علم الاجتماع فيها وأساتذته ومنهم المشرف على دراسة الراحل الوردي لم يتابعوا تجارب العالم “راين” الذي سبقت انتساب الوردي للجامعة بعشرين عاماً؟

وشيء اخر يلفت النظر وأثار الشك عندي وهو ان جامعة “ديوك” كما عرفت عنها في النت تأسست من قبل طائفة دينية تؤمن بالغيبيات وهذا مرتبط بدعوة الوردي الى محاربة العقل.

…………………………………………………..

لا اعتقد ان هناك إمكانية لأخذ هذا الجزء “من جد وجد” من فكر الوردي دون التقرب من الكتاب الذي كان محوره هذا القول واقصد: كتاب خوارق اللاشعور/1952. عليه لابد ان أنقل/أطرح بعض الشيء من/عن هذا الكتاب الذي أثار ويثير الجدل، حيث خصص الوردي صفحة كاملة(ص7) هي الأولى في متن الكتاب أي قبل المقدمة وهو الكتاب الأول الذي ينشره الوردي بعد كراسة/شخصية الفرد العراقي/1951، وذلك لتحذير القراء تحت عنوان: “تحذيـــــــــــر” اليكم نَص ما ورد فيه: [تحذيــــــــــــــــر: إن هذا الكتاب ربما ينفع الراشدين من الناس ـ أولئك الذين خبروا الحياة واصابهم من نكباتها وصدماتها ما اصابهم. أما المستجدون والمدللون والأغرار الذين لم يمارسوا بعد مشكلة الواقع ولم يذوقوا من مرارة الحياة شيئاً فالأولى بهم أن لا يقرئوا هذا الكتاب. أنه قد يضرهم ضرراً بليغاً] انتهى.

عليه ستكون الأجزاء التالية تتضمن مناقشة ما ورد في هذا الكتاب حيث فيه كما اعتقد الكثير الذي يوجب التطرق اليه ومناقشته ابتداءً من التحذير الذي ورد في ص7 منه كما ورد أعلاه.

……………………

الى اللقاء في الجزء التالي /رحلة في كتاب خوارق اللاشعور/1952

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close