في ادب الحياة، حوار بين استاذ الفلسفة وتلميذه،

* د. رضا العطار

اعتاد التلميذ ان يبقى صامتا طوال الدرس، لا يسأل ولا يعترض، لكن ما ان تنتهي المحاضرة حتى يهرول مسرعا ليلحق بالاستاذ خارج المبنى ويغمره بسيل من اسئلته
وقد يطول الحوار بينهما فترة ليست بالقصيرة وكثيرا ما حاول الاستاذ ان يستفسر منه عن سبب صمته في قاعة الدرس .. لِم لا يسأل في المحاضرة لعل غيره يستفيد من سؤاله ؟

فيبتسم ولا يجيب ! . ولم يستطيع الاستاذ ان يعلل لنفسه هذه الظاهرة : أهو الخجل ؟ ربما .. أهو الخوف من وجود الجنس الاخر ؟ . ربما .. أهي تربية الشرق التي تجعل الفكر يسير في اتجاه واحد من اعلى الى اسفل، من الاب الى الابن او من المعلم الى التلميذ فيكون التعليم تلقينا ولا يرتد الفكر مرة اخرى ليكون حوارا ؟ . ربما ..

يقول الاستاذ: كنا قد انتهينا من الحديث في محاضرة اليوم عن التفكير الفلسفي:
خصائصه، خطواته، عندما اسرع الفتى ليلحق بي كالعادة خارج المبنى ويستوقفني هناك ليطرح أسئلته.
قال الفتى: استوعبت جيدا ما قلته وعرفت ان اخص خصائص التفكير الفلسفي ذلك الموقف الرافض الذي اطلق عليه – ديكارت – اسم الشك المنهجي ( اي الذي يبدأ فيه المفكر شاكا وينتهي منه الى اليقين ) وهو على خلاف الشك المطلق الذي يبدأ فيه المفكر شاكا وينتهي شاكا دون ان تكون له ثمار نافعة.
لكني اريد ان استوضحك امرين. الاول : ايجوز الشك في جميع الاحوال ؟ كأن يشك الرجل في سلوك زوجته ! والثاني : ايكون الشك وحده ام ينسحب الى مجالات اخرى غير فلسفية ؟

واجبت الفتى : اما الامر الاول : فلا علاقة له بموضوعنا لان شك الرجل بسلوك زوجته هو شك اخلاقي كما تشط الشرطة بفلان في سرقة مصرفوما نتحدث عنه هو شك عقلي، شك ينصب على مجال الفكر وحده
اما الامر الثاني فجوابه : ان اشك خاصية لكل فكر منتج لان الشك يدعوك الى تكوين شخصية مستقلة تنفصل بها عن سلطان الماضي الذي هو بمثابة السيطرة التي يفرضها الموتى على الاحياء. ولعلك تعرف ان كلمة – شك – كانت تطلق عند اليونان القدماء على كل من ينظر بامعان، فالانسان الشاك هو الذي يواصل البحث والتحري !

وقال الفتى: ايعني ذلك ان الشك يمكن ان يوجد في مجالات اخرى غير مجال الفلسفة ؟
– نعم بل لا بد ان يوجد في اي مجال يكون فيه ابداع، لان الابداع اتصال ياتي بجديد. لقد ذهب بعض علماء النفس الى ان منشأ العبقرية يكمن في الصراع الذي تتعرض له الشخصية بين اهدافها الخاصة والهدف المشترك للجماعة: ألا تراهم يعرّفون الابداع بانه تصدع في الارتباط بين – الأنا – و – النحن – اي في ارتباط الفرد والجماعة.

قال الفتى : ايفسر ذلك انعدام الابداع في مجتمعنا العربي الان ؟ يكن ماذا تقول في امر العقول العربية المبدعة التي هاجرت الى الغرب فكانت هناك ملء السمع والبصر ؟
قلت له: هذا صحيح، نحن نربي اطفالنا على عقلية العبيد، ان نقول باستمرار نعم . حتى وُصفنا بحق باننا بلاد السمع والبصر. ولقد نصح احد كتابنا المواطن العربي سواء أكان مصريا او عراقيا او سوريا او خليجيا اذا سُئل من اين بلاد انت ؟ ان يجيب من بلاد السمع والبصرز

من لا يسأل ولا يستفسر ولا يسمح للهواء الطلق ان يدخل نافذة عقله حتى تنعش افكاره، هذا الشخص هو في مصطلح الفلسفة Dogmatist وهو مصطلح عسير التعريب. لكن هناك لفظا عربيا عاميا هو اقرب ما يكون للمعنى الدقيق، هو (قفل). هو شخص قفل على نفسه منافذ الافكار. وما يمارسه يعتبره معتقدات لا تقبل المناقشة.
فقال الفتى: اللهم الهمنا شجاعة السؤال وجرأة اظهار الشك وجنبنا ما في شخص القفل من غرور وغطرسة.

* مقتبس من كتاب افكار ومواقف لمؤلفه امام عبد الفتاح امام

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close