الجعل التكويني والجعل التشريعي

صالح الطائي

وردت كلمة (جعل) في قوله تعالى من سورة الإسراء، الآية: 12: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}، وهي وفق الإطار المعرفي العام، تأتي هنا للتأكيد على قدرة الله سبحانه وتعالى، وتنسب إليه جل وعلا أنه جعل الليل والنهار آيتين، للتدليل على عظمته، قال عنهما ابن كثير في الصفحة 188 من الجزء الخامس من تفسيره تفسير القرآن العظيم: “ثم إنه تعالى، جعل لليل آية، أي: علامة يعرف بها وهي الظلام، وظهور القمر فيه، وللنهار علامة، وهي النور وظهور الشمس النيرة فيه، وفاوت بين ضياء القمر وبرهان الشمس ليعرف هذا من هذا”.

وذهب القرطبي في الصفحة 205 من الجزء العاشر من تفسيره الجامع لأحكام القرآن، أبعد من ذلك، فقال: “قوله تعالى: وجعلنا الليل والنهار آيتين أي علامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا. والآية فيهما إقبال كل واحد منهما من حيث لا يعلم ، وإدباره إلى حيث لا يعلم. ونقصان أحدهما بزيادة الآخر وبالعكس آية أيضا . وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل.

كذلك تتبعت تفسيرها في كثير من كتب التفسير مثل فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، وتفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن لمحمد بن جرير الطبري، ومعالم التفسير للحسين بن مسعود البغوي، والتحرير والتنوير لمحمد الطاهر ابن عاشور، والتفسير الكبير المسمى البحر المحيط لأثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين بن محمد بن المختار الجنكي الشنقيطي، وعشرات التفاسير الأخرى، فوجدتها تتحدث بالحديث نفسه، ينقل أحدهم عن الآخر؛ دون أن يسأله عن مصدره، بما في ذلك حديثهم عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: “كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار (فمحونا آية الليل) السواد الذي في القمر”.

كل ذاك الحديث مع احترامنا له، لم يورثنا خيرا إلا في حدود ضيقة جدا، وكان المفروض بالمسلمين المعاصرين أن يتخلوا عنه، أو يخففون تعلقهم وتمسكهم به، لأن العلوم الحديثة فتحت لهم آفاقا جديدة كانت مغلقة أمام الأقدمين بما يتيح لهم التقدم على الأقدمين، لتحقيق منافع عجز التفسير القديم عن تقديمها، والغريب أن لا

أحد تطوع للقيام بهذا الفعل، والأنكى أن هناك من سخر معطيات الحضارة الحديثة ليزيد الأمور تعقيدا، وألا ما الغاية من قيام أحد أساتذة الجامعة (تخصص لغة عربية) من وضع كتاب في أصل المقصود بكلمة (جعل) في الآية المباركة، فيما إذا ما كان جعلا تكوينيا، باعتبار أن الجعل التكويني يدخل في باب العقائد، أم جعلا تشريعيا. ولم يورد ولو سطرا واحدا يتحدث فيه عن الجعل العلمي للأسف!. ويعني هذا أننا جعلنا أنفسنا في موقف ضيق حرج، كأننا نصعَّد في السماء، يوم تمسكنا بما تركه لنا الأقدمون، بالرغم من تأكدنا ويقيننا أننا نتقدم عليهم بكل شيء، بالعلوم والخبرات والثقافات والآلات والإمكانات والإعدادات؛ آلاف المرات.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا تجعلنا ممن يكلون أمرهم لغيرهم، ليفكر بدلا عنهم، ويخطط لمسير حياتهم، ويتحكم بشؤون دنياهم وآخرتهم. واجعلنا اللهم من المجددين المتنورين لا من التقليديين الجامدين… آمين.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close