في ادب الحياة، النكتة الهادفة واختها التافهة

* د. رضا العطار

ترددتُ كثيرا في اختيار العنوان، بين ما مذكور اعلاه وبين جحا العاقل وجحا المغفل.
المعروف انه لا يخلو أدب من فكاهة، وليست الفكاهة سوى النقد الملتوي والنقد الشرز . الذي ينظر في غير مواجهة، اما حياء واما خزفا، ليقول الكلمة الحاسمة، او المشكوكة . التي تجعلنا نقف ونتردد وقد نغير رأينا السابق الى رأي جديد. فالفكاهة هي نقد مع الابتسامة الساخرة، وقد نضحك، بل احيانا نقهقه، بدلا من ان نبتسم. والفكاهة في كل الاحوال عبارة عن تفريج النفس حول فكرة او عقيدة او عادة او تقليد او ممارسة، سائدة بين افراد المجتمع .

واعتقادي ان الرجل الذي يرضى عن نفسه ووسطه ولا يجد في نفسه كبتا او غيظا، لا يعرف قيمة الفكاهة. لانه لا يحتاج الى التفريج. والبرهان على هذا اننا نجد فكاهة ينطق بها احدنا امام مجموعة من الاشخاص. فيضحك احدهم في قهقهة عالية ويسخر ثانيهم في ابتسامة صامتة وينفر ثالثهم كأنه سمع عجرا ويعجز الرابع عن فهمها , ويصمت الخامس متعجبا من حكمتها، وهذا الاختلاف يدل على اختلاف نفسي وتفاوت روحي في النظرة العامة الى الاوضاع الاجتماعية .

ونحن حين نضحك من الفكاهة انما نفرج بها عن ضيق شخصي. ونجد في هذا التفريج ما يشبه الانتقام ام الثأر من حال لا نطيقها، فرضها علينا تيار المجتمع او سياسة الدولة، ولذلك نستطيع ان نقول ان للفكاهة الحسنة قيمة علاجية او دوائية للنفس الكابتة. واية نفس لا تكبت ؟ … وفي الادب العربي عندنا يكون لشخصية جحا، مقام محمود، وهو غير شخصية جحا لدى العامة. جحا الادباء رجل عاقل حكيم تخرج فكاهاته كما لو كانت فقاقيع الحكمة. اما حجا العامة, فهو رجل مغفل يكاد لعاب البلاهة والفطارة تسيل من فمه لا ترتفع فكاهته الى مقام النكتة ولا يضحك منها غير السذج الذين لم تتكون عندهم حاسة النقد والذوق السليم, انهم يسرحون في سباة اليقظة.

وهاتان الشخصيتان حجا العاقل وجحا المغفل تدلان على تعدد الاصل لهذه الفكاهات التي تعزى الى ما نسميه ( حجا ) والتفسير لهذه الظاهرة يمكن ان نصل اليه بأن نفرض انه كان هناك رجل عاقل يرسل كلماته حكيمة خفيفة، يستقبلها المتعلمون بلهفة وسرور . فلما طارت شهرته، صارت تعزى اليه فكاهات اخرى لا تبلغ مستواه ولكنها تنحو نحوه . ثم انحدرت هذه الفكاهات الى العامة فتشممت رائحة الحشيش الذي خيمت ابخرته على العقول وخدرتها. فكانت هذه الكلمات البلهاء التي نقرأها ويقال لنا انها من صنع جحا .

ولما ساد الاتراك العثمانيون على الشعوب العربية طيلة قرون عديدة. اخذوا جحا العاقل معهم مع ما اخذوه من كنوز العرب المعنوية والمادية. واطلقوا عليه اسم ( خوجا ) وعزوا اليه نكات وفكاهات تدل على حكمته او غفلته. ولكن ليس هناك شك في الاصل العربي لجحا. وفي انه كان رجلا حكيما قبل ان تستغل شهرته، فكاهات سخيفة لا يمكن ان تعزى الا الى المغفلين. ونحن هنا ازاء شخصية اختلطت بروايات التاريخ الصحيحة والكاذبة، كما حدث لشخصية ابي نؤاس، فقد كانت قدرة هذا الشاعر على النظم فوق المستوى في العصر العباسي، لكن روحه كانت تتأرجح بين حياة المجون حينا وحياة الزهد والتصوف حينا آخر، فأضيفتْ بعد موته مئات من القصص والقصائد التي تنحو مجرى سلوكه، ولكنها لا يمكن ان تكون صحيحة، لانها كانت على الدوام دون مستواه في الانتاج .

يحكى الكاتب خالد القشطيني ان والي بغداد استقدم فيلا من الهند، فشكا الاهالي من مضايقات الفيل وما يسببه لهم من أضرار، فاقترح جحا السير بمظاهرة لمكتب الوالي لعرض شكواهم. فاستجابوا الى دعوته ومشوا وراءه متظاهرين، ولكنهم بدأوا بالتهرب كلما اقتربوا من مكتب الوالي. وعندما وصل جحا المكتب لم يجد وراءه احدا. فقد اختفى جميعهم. فصاح به الوالي: ماذا تريد يا جحا ؟ تكلم ! قال وقد وجد نفسه وحيدا أمامه، يا حضرة الوالي، الناس يشكرونك على هذا الفيل الظريف الذي يستمتعون به، ولكنهم يتمنون من جنابك أن تأتي له بأنثى يستأنس بها فلا يشعر بالوحدة لتكتمل فرحة الجمهور. فقال له: حسنا. اخبرهم باني سالبي طلبهم قريبا. فشكره جحا على كرمه وخرج، وعندما وصل الى داره سأله الناس عما جرى، فزف لهم البشرى وقال، كان عندكم فيل واحد والآن سيكون عندكم فيلان.

كان جحا العاقل حين يسأله احدهم : ايهما افضل ياجحا ؟ المشي وراء الجنازة ام المشي امامها ؟ فيجيب جحا : بس لا تكون نايم على النعش, امشي وين ما تريد.
و حين سأله احدهم حينما كان في بحيرة :
اذا اراد الانسان ان يغتسل، فالى اي جهة يجب ان يوجه وجهه ؟
فأجابه جحا: يوجه وجهه الى الجهة التي فيها ثيابه.
ومثل هذه النكت يمكن ان نجدها عند الجاحظ او اي اديب عظيم.
ولكن حجا المغفل الحشاش الذي ظهرت نكاته بعد وفاة جحا الاصلي بقرنين من الزمن, ينطق بالسخف الذي يُضحك الفارغين السذج . فمن هذا مثلا :
ورث جحا نصف دار عن ابيه. فقال : سأبيع حصتي من الدار واشتري به النصف الباقي , فتصير الدار كلها لي .
وايضا : تعشّى جحا يوما مع جماعة من رؤساء القوم، فلما فرغ من الطعام، قال لهم : اطعمكم الله رؤوس اهل الجنة .
وايضا : سمع جحا احدهم يقول ما اجمل ضوء القمر ! فعلق آخر قوله :
اي والله خاصة في الليل.
اننا في الحقيقة نحب احيانا شيئا من الغفلة نرتاح اليه، فما رأيك بهذه النكتة الفرنسية ؟
بينما كان احدهم يسير في حقل، رأه كلب فبدأ ينبح ولحقه، فخاف الرجل وهرب، وهنا رآه آخر فقال : لا تخف ! ألا تعرف المثل القائل : ان الكلب النابح لا يعض . فردّ عليه قائلا : انا اعرف المثل ولكن هل هذا الكلب يعرفه ؟ .
من منا لا يضحك على هذه النكتة ؟ ولكن مع ذلك يضحك الكثير منا على النكات السخيفة الى عزيت الى جحا !

يمكننا هنا ان نجسد الكاتب الجيد بجحا العاقل والكاتب الرديئ بجحا المغفل. فالكاتب الجيد يكون عادة اكثر وجدانا، اي انه يجد نفسه في ابعادها الزمنية والمكانية في موقف التحدي، مهمته ان ينقل قرائه الى درجة فكرية ارفع، يكسبهم وعي الضمير وقوته .
مهمة الكاتب الجيد ان يصطحب القارئ من بيته الى الزقاق ومن الزقاق الى الشارع ومن الشارع الى المدينة ومن المدينة الى القارة … الى هذا الكون اللامتناهي. مهمة الكاتب ان يملأ صدر القارئ باهتمامات و هموم جديدة , هموم بشرية تزيد على همومه الشخصية. يقربه من مجسات الحياة بان يكشف له الوانا من الفتنة و الجمال والشرف والحق، في كنه الطبيعة والانسان، لم يكن القارئ يعرفها من قبل.

مهمة الكاتب ان يحمل القارئ على ان يأبى ان يحيا حياة الحشرة بهموم شخصية عادية لا تتجاوز نطاق اكل وشرب وانجاب، وان يكسبه ثقافة بشرية تفيده، تتعلق بحرية و وحقوق الانسان الحديث الذي يقاس مستواه الفكري اليوم بالمنجزات العلمية التي نشاهدها على شاشة التلفزيون !

مهمة الكاتب ان يجعل القارئ يحيا الحياة التاريخية، يحس انه انسان عظيم له مشاركة في تغيير هذه الارض وترقية مجتمعاتها وتطوير حضاراتها، مهمة الكاتب الجيد ان يقول للقارئ انت لست مخلوقا عاديا بل انسانا كبيرالشأن، احتاجت الطبيعة الى الف مليون سنة كي تخرجك من رحمها. انت قمة التطور. انت سلطان هذه الارض .
واخيرا يكون مهمة الكاتب العظيم ان يزيل عن القارئ البسيط هذا الذهول الذي يلفه به رباط العقائد العقيمة، ينجيه من مستنقع الغيبيات، التي عطلت عقله، ويرشده الى ما يوقظه ويرد اليه وجدانه، ثم يزيد هذا الوجدان عمقا واتساعا.
* مقتبس من اعمال الكاتب الاجتماعي سلامة موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close