تحقيق لغوي قرآني، لبيان الفرق بين الرسول والنبي.

مقدمة:
باديء ذي بدأ، نُذكّر من أن لهذا الموضوع عدة آراء وكلها محترمة، ولاننوي التعرض لها ومحاورتها.
وما هذا التحقيق إلا لبيان رأيي من خلال آيات القرآن، ولايشبه هذا التحقيق أي بحثٍ سبقه، ونبقى بشر نُصيب ونخطيء.

تمهيد:
يظن البعض من الناس، من أن لفظ النبي محصور بالنبوة كمهمة وتكليف خاص لتبليغ رسالة سابقة، لذا لايصح القول على مثل هذا النبي برسول لعدم وجود رسالة أوكتاب له من الله، وكأنه نبي بالوراثة لايوحى اليه من الله، ونسوا قول الله تعالى عن الوحي لجميع النبيين والرسل، لأنهم رسله، بل وجمعهم في الآية ذاتها بلفظ واحد وهو (النبيين) . فالناس هم من فرقوا بينهم ولكن الله بدلالة الآية أدناه لم يفرق، فأنظر لقول الله أدناه:-

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا (164)

فمرة يجمعهم بلفظ النبيين ومرة بلفظ الرسل، دلالة على أن كل رسله أنبياء وكل أنبيائه رسل بشرعٍ ومنهاج منه أي بكتاب.

نبدأ التحقيق:

أولاً:-
الرسول لغة: هو المرسل، الحامل لرسالة، أما النبي فهو إسم علم، كمحمد، خص به الله كل رسله لدلالة اللفظ على الوحي الإلهي للرسول المرسل إلى قومٍ ما. والإنباء عن قول الله، هو الإخبار، لقوله في سورة التحريم : قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ .٣.

يقول الله عن إسماعيل(وكان رسولاً نبياً) مريم ٥٤، هو تأكيداً لفعل الرسول ودوره فالنبي أِسم كأسماء أُخر، كمبشر ونذير وداعية..الخ، ولكن الأستخدام لأسم النبي وشيوعه، كمعنى الموحى اليه من نبأ الهداية من الله، ظن البعض أن لارسالة خاصة من الله له، بالرغم من أن عدة آيات من القرأن تتحدث عن الأنبياء كرسل.

ثانياً:

من أسباب وقوع الناس في شَرَك وهم الفرق بين الرسول والنبي على أنهم إثنان لا واحد، هو إختلاف لغوي في اللفظ وفي فلسفة دلالة واو العطف في قوله تعالى ( من رسول *و* لانبي )، من الآية ٥٢ أدناه من سورة الحج:

( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم.

شَغَلتهم واو العطف فغفلوا عن كل آيات الله الأخرى الدالة على أن كل رسول ينبىء بما أوحي اليه من شرعة ومنها، أي بكتاب من عند ربه، فما الفرق بينهما؟

عودة للآية ٥٢ من سورة الحج:

من وحي الآية أعلاه ، الله يقول للرسول مخاطباً له ؛ أي من كونه رسول ونبي؛ *وما أرسلنا من قبلك من رسول ولانبي* ( أي مثلك يامحمد؛ كما هو أنت الآن رسول ونبي نوحي اليه) إلا إذا ألقى الشيطان…..الخ الآية.
فالرسول والنبي واحد. ولكن هذه لغة سياقها يحكم وليس لواو العطف الحكم المطلق.

كيف ذلك؟

نوضح عملياً:

سننقل كلمة (مبشراً) من وضعها في محل (حال) في آية الفرقان ٥٦، * وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيرا*
الى محل مفعول به في الآية(٥٢ من سورة الحج) لنقرب الصورة ونزيح تشويش واو العطف على الفهم الصحيح، لأن كثير من الإعراب الصحيح يخل بالفهم الصحيح ويتضارب مع سياق المعنى المراد به في الآية وباقِ آيات القرآن، وهذا لم ينتبه له الكثير أو أغلب المفسرون، وعليه فرقوا بين الرسول والنبي.

نقول: من باب الفرض أن الله قال بهذا النحو:

*وما أرسلنا من قبلك من (مبشراً ولانذيرا) إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته..الخ*. فهل حديث الله على إثنان أم شخص واحد لنفرق بينهما بسبب الواو العاطِفة؟

هذا لسان عربي أي لغة عربية، مالكم كيف تفهمون؟!
فالرسول كان مفعول به والنبي معطوف عليه بالواو، في الآية ٥٢ من سورة الحج، والمبشر من سورة الفرقان حل محل الرسول في ذات الآية كمفعول به والنذير معه كمعطوف على المبشر بعطف الواو فهل الحكم للسياق أم لواو العطف لبيان المعنى والفرق من عدمه؟

لذا لايصح البناء على عطف الواو والقياس عليها كما يصح مثلاً في: (خلق السموات والأرض) وبين لغة (من رسول ولانبي) فكلا السياقين غير متشابهين أسلوبا تعبيرياً، والتفكير البنائي بحكم واو العطف اينما جاءت هو الأشكال الذي يشوش العقل فيزيغ عن الفهم الصحيح لسياق اللغة العربية. وما علينا إلا إتباع دور الواو العاطِفة أواللجوء للإعراب وأساتذته لبيان الفرق بين الماء وبخار الماء في المرحلة الغازية بسبب الواو العاطفة بينهما، ونسألهم هل هما واحد أم إثنان في الماهية؟ والحقيقة كلاهما ذات الصيغة الكيميائية – H2O – والفرق أن ذرات البخار أقل تفاعلاً من الماء في الحالة السائلة والصلبة.
هذا النحو من التمنطق اللغوي، هو العطل والفهم الناقص.

لماذا؟

أولاً:

النبي عيسى كانت له رسالة، ولكن ماذا قال الله تعالى عن لسان عيسى؟

قَالَ إِنِّی عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَنِیَ ٱلۡكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِی نَبِیࣰّا (٣٠) مريم.

لماذا يجعله نبيا وهو رسول أتاه الله كتاباً، فما حاجته لجعله نبيا؟ وهل هنالك رسول لم يجعله الله نبي؟

جعله نبيا بعد الكتاب لأن النبوة هو القول والتبليغ العملي للرسالة ونبوة دون رسالة لاوجود لها وااعكس صحيح، فلايمكنك أن تجد بخار للماء دون الماءِ أو نور المصباح دون الكهرباءِ!.
ثم لاننس قوله تعالى في سورة البقرة آية ٢١٣:

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.٢١٣.
وكلنا يعلم أن الرسل ومنهم الرسول محمد كان مبشراً ونذيرا، ولكن هذا المرة في الآية أعلاه يصرح بأن الأنبياء كالرسل مبشرين ومنذرين والأهم: هو أن الله أنزل معهم الكتاب بالحق، وهذا دليل دامغ على ان لكل نبي كتاب( رسالة) ولفظ كتاب لايعني بالضرورة الكتاب المعهود من ورق، وإنما قول الله هو الكتاب كما أنزل القرآن شفاهياً وحياً، وسماه القرآن، بمعنى ما يُقْرَأ، ولذلك قال الله للرسول في سورة البقرة: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)، وبهذا نفهم أن لاكتاب منزل بالمعنى المعهود، وإنما كلام مقروء أدركه الرسول وحياً من ربه، ثم جُمع في صُحفٍ، وسمي قرآناً تسمية توفيقية كما سُمّيت كل السورة.

فالتسميات، للمطلع يعلم أنها ليست من الله، فلاسورة الفيل ولا البقرة ولا الممتحنة سماها الله، ولذلك تجد أكثر من إسم لبعض السور.

ومن يدعي أن هناك كتاباً ما نزل مخطوطاً من الله لأي دين، فهو لم يدرك بعد شيئاً، ويتبع فقيهاً مفسراً من هنا أو هناك لاحجة معتبرة لهم، سوى شبهات لعطل في التدبر الصحيح.

ثانياً:-

…….
بإختصار شديد:

نسأل: إذا كان هناك فرق بين رسول ونبي!!

فهل ختم الله الأنبياء ولم يختم الرسل؟

يقول تعالى: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين. الأحزاب٤٠.

فهل أرسل الله فقط الأنبياء ولذلك ختمها بنبي وأكدها بقوله أعلاه ( وخاتم النبيين)؟
فهو لم يقل خاتم المرسلين مع أنه رسول أيضاً؟
ترى لماذا ؟ هل غفل عن أمرهم؟
ختم الإنبياء ولم يختم الرسل؟

ثالثاً:

يقول تعالى:-

ٱلَّذِینَ یُبَلِّغُونَ رِسَـٰلَـٰتِ ٱللَّهِ وَیَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا یَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِیبࣰا (٣٩) الأحزاب.

قوله تعالى( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه) لانجد في التفاسير المعتبرة إلا تفسير مشترك في الفهم للآية وهم الأنبياء، والأنبياء شاملة لكل نبي؛ لأن كل نبي له رسالة بدلالة الآية أعلاه. فكيف لايكون للنبي رسالة، والله يقول يبلغون رسالات الله ويخشونه؟

وتفسير البغوي للآية: *الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ*. يَعْنِي سُنَّةَ اللَّهِ فِي الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ.
وهذا مانقوله؛ لكل نبي رسالة وسنة الرسول التبليغ، فكيفما كانت فله رسالة، ولذلك هو رسول ونبي حاله حال أي رسول آخر.

رابعاً:

أوليس الله هو من جعل لكل قوم شرعة ومنهاجا؟
فهل الشرعة والمنهاج رسالة بواسطة رسل فقط؟

فماذا فعلت الأنبياء المتبقية التي أرسلها للأقوام الأخرى لو لم تكن تحمل شرعة ومنهاجا؟

الى من أرسلهم الله، وماذا حملوا الى أقوامهم؟

خامساً:

من يؤمن بحجية الأحاديث فليقرأ ادناه:
كلّما هلك نبيّ خلفه نبيّ، ولكن لا نبيّ بعدي. حديث مشهور في صحيح البخاري.

لِمَ غفل الحديث عن الرسل؟ وهل إعترض أحداً على عدم ذكر الرسل، أو تنبه للفرق وسأل الرسول: وماذا عن الرسل؟ كلا لم يفعلوا لأنهم فهموا الأمر واحد في المعنى ولافرق.

دعكم من الأحاديث، فعني لا أعدها حجة إذا خالفت القرآن ولكن الحديث أعلاه لايتعارض مع القرأن!
وقد سميت سورة كاملة بأسم الأنبياء مع أن المذكورين من الأنبياء والرسل لم يفرق بينهم!

ترى لماذا غاب الفرق بينهم عند الله في سورة الأنبياء؟

سادساً:

هل إمتناع الله عن قوله خاتم المرسلين، كي يفسح المجال لظهور المنقذ والمخلص أو المهدي؟
ألهذا السبب لم يقل خاتم المرسلين؟
لماذا يختم الأنبياء ولايختم الرسل…هل من فرق بينهم؟
من يفرق بين الرسول والنبي بحجة واهية كإختلاف الأوصاف بين هذا الرسول وذاك النبي أي مخلصا أو سيدا وحصورا في القرآن، هو متعسف التأويل ومن يبحث عن حجج لاقيمة عقلية لها، وهو من يحكم بإستمرار الرسل والختم للأنبياء فقط!!
فهل يصح الفرق بينهما؟

سابعاً:

قرأنا ما قاله الله تعالى في سورة النساء آية ١٦٣-١٦٤- ١٦٥، وتبيّنا أن الوحي متصل لكل نبي، ولانعرف لماذا التواصل إن كان للنبي رسالة سابقة ليبلغها؟ ثم بماذا يصح تسميته نبي إن لم يوحى اليه من الله؟ من أبلغه بمهمته الإبلاغية؟ رسول قبله، نيابة عن الله؟ أين نجد دليل ذلك في كتاب الله؟
ثم …
هل الوحي الألهي لأي نبي فارغ من أية رسالة وشرع ومنهاج كما ذكره الله؟

الآية الأخيرة أعلاه من سورة النساء ١٦٥، يقول الله فيها – لئلا يكون للناس على الله حجة (( بعد الرسل)). هنا الكلام عام وليس خاص بقوم ما، ولطالما الرسل لكل الناس، فهل إسحق ويعقوب على الله حجة لأنه ذكرهم كإنبياء لارسل؟

ثم الله لم يقل لكل أمة نبيا…ولكن قال

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) يونس.

فهل بعث الله لقوم إسحاق ويعقوب رسل أم إكتفى بالأنبياء؟
مالكم كيف تتدبرون؟

ختماً:
أعتقد إن لم أجزم من أن مقولة (كل رسول نبي ولاعكس) ولفظ نبي ولفظ رسول وحجة واو العطف العطف أوهمت الكثير من؛ أن هنالك فرق بين الرسول والنبي وكأنك – على سبيل المثال للتقريب لا الحصر والتشبيه التام – تفرق بين إنسان وناطق، بالرغم من أن كلاهما واحد فالإنسان ناطق وصفاً، والرسول نبي، ناطقا مبلغاً مبشراً شفاهياً لرسالة الله. أما قول الله وأوحينا الى النحل وكذلك الى أم موسى ومريم، لاتعنِ نبوتهم التبليغية، فضمن السياق تفهم أن لفظ الإيحاء لهم لفعل كذلك وكذا وأنتهى الأمر، فلمجرد ورود كلمة أوحينا في سياق ما، لاتعني تعني مفهوم النبوة بالضرورة، فما يدور في السياق اللغوي يوجه الفهم، فالله قد يأتي بفعل مضارع في سياق لغوي ما، لكن المقصد فعل أمر، كما في فعل يرضعن في سورة البقرة آية ٢٣٣

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ

فهل صار فعل المضارع فعل أمر أم وجهنا السياق لفهم عمله كفعل أمر؟

علاء هاشم الحكيم

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close