تمَذْهَبْ لتذهَبْ!!

الأديان والمعتقدات بأنواعها حالما تُبذَر في الوعي الجمعي البشري , فأنها تنبت وتتسامق كالأشجار فيكون لها أغصان وفروع وتسعى للإنتشار فتصنعَ الغابات والمروج من نسلها , وهذه إرادة الحياة وديدن البقاء والنماء والتواصل والإنتشار.

ولا يوجد أي مسمى على هذه الشاكلة دون تفرعات وإنشطارات وتفاعلات إختلافية وتواشجات وإمتدادات وإنسحابات , إذ لا يمكن البقاء على حالة واحدة فوق أرض دائبة الدوران , وفي كل دورة لها تطلعات وتبدلات محكومة بقوانين ومعادلات.

فالواقع الأرضي يؤكد وجوب التبدل والتغير والتشعب والإختلاف والتواصل والتبادل والتزاوج , ولا يقبل بالتطابق والتوافق العاجز عن الإنجاب والتفاعل مع المستجدات الزمانية والمكانية , فالأرض بدورانها تمزج وتعزل وتشذب وتأتي بما هو مولود من أرحام العناصر التي يخلّقها الدوران.

والقول بأفضلية مذهب على مذهب أو مدرسة على أخرى فيه إضطراب , لأنها جميعا وبلا إستثناء محاولات نظر وليست كل النظر , وزوايا تفسير وليست كل التفسير , فهي بإختصار معرفي نسبية الإقتراب ومحدودة الوعي والإدراك.

وجميعها تتخذ مسلك الترسيخ والتعزيز بالتكرار والتمجيد والإطراء , وتجريد رموزها من بشريتهم وإضفاء توصيفات وقدرات خارقة عليهم , لكي تتوهم الأجيال وتنغمس بأوهامها وما تمليه عليها التعزيزات الإنفعالية والتصورات العاطفية.

وينجم عن هذا السلوك ما نسميه بالتمذهب أي التمترس المشحون بالعواطف الحامية المتأججة التي لا تسمح للتفاعل والتواصل مع الآخر , وتشيّد تصورات وأحكام مسبقة وتعميمية تجاه أي متسائل أو مشكك بما تطرحه الرؤية المحمومة والخندقة المشؤومة التي تقضي على مذهبها , والذي بموجب ما فيها تحسبه دينا ومنتهى الحقيقة واليقين , وبهذا يكون التمذهب قوة تدميرية للمذهب والدين.

ولهذا فأن التمذهب يعني الذهاب , أي تغييب المذهب والدين , وتحولهما إلى مواقف عدوانية مناهضة للحياة والقوة والإقتدار والتواصل الإنمائي الصالح لمسيرة المجتمع والأجيال.

ويبدو أن أعداء الدين والمذاهب يدركون هذه المآلات التدميرية , فيساهمون بتقوية حالات التمذهب وإضعاف المذاهب ومنعها من إستشاق عبق الدين النقي الطاهر الرحيم , وبهذا يعدون الأجيال للسقوط في جحيمات سقرية يصبون عليها بنزين العواطف والإنفعالات , الكفيلة بإدامة لهيبها وتحويل الوجود إلى رماد.

ولكي تكون المذاهب قوة إيجابية وإرادة دينية بنّاءة عليها أن تعود إلى جوهر ذاتها وتعرف دينها وتعتصم بحبل ربها المتين.

فاحترم مذهبك ولا تتمذهب!!

د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close