نظرة في كتاب “الاقتصاد العراقي – الأزمات والتنمية للسيد الدكتور علي خضير مرزا

د. كاظم حبيب

الحلقة السابعة

قراءة في الفصل السابع: العقود والاتفاقيات النفطية/الغازية

سأحاول في هذه الحلقة متابعة مسألتين في كتاب الدكتور علي مرزا هما: الموقف من العلاقة القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان حول النفط والغاز، ولاسيما حول العقود التي أبرمتها حكومة الإقليم خلال السنوات المنصرمة بصورة منفردة ومستقلة من جهة، والموقف من جولات عقود تراخيص النفط والغاز التي أبرمتها وزارة النفط الاتحادية من جهة أخرى، علماً بأن المسألتين مشحونتان بالكثير من المشكلات والتوتر والتباين في وجهات النظر لا بين الحكومتين فحسب، بل وبين خبراء اقتصاد النفط في العراق، وخاصة المسألة الثانية، إذ هناك اتفاق عام حول الخلل القائم في المسألة الأولى.

1) العلاقة النفطية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم

لم يخصص الدكتور مرزا فصلاً خاصاً يبحث فيه الموقف من العلاقة المتوترة بين الحكومتين حول قضايا النفط بشكل مباشر، ولكنه خص عقود النفط التي أبرمتها حكومة الإقليم، كما ورد عن ذلك في مواقع مختلفة من الفصول التي بحثت في اقتصاد النفط الخام. وقد تميز موقفه بوضوح الرؤية والعقلانية فيما يخص موضوع النفط الخام العراقي باعتباره ملكاً لكل الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه وفي إقليمه ومناطقه ومحافظاته، وبالتالي يفترض أن تكون هناك جهة مختصة واحدة تعبر وتجسد مصالح الجميع لتضع سياسة نفطية عقلانية وعادلة تتناغم مع مهمات وحاجات عملية التنمية في الاقتصاد والمجتمع في البلاد. وهذا الموقف لا يتعارض مع سياسة لامركزية في مجال استخدامات النفط والغاز أو استخدام موارد النفط المالية المخصصة للإقليم والمحافظات على وفق برامجها الاقتصادية. ففي بحثه عن قانون النفط والغاز أشار إلى العوامل التي تساعد على الاستخدام العقلاني للنفط والغاز في العراق من خلال تأكيده صواب صدور قانون موحد للنفط والغاز، بما ينظم أسس استغلال واستخدام هذه الثروة في عموم العراق أولاً، ثم تأكيده أهمية وجود شركة نفط وطنية عراقية تأخذ على عاتقها عمليات استخراج وتسويق أو تصدير واستخدام النفط الغاز في الداخل والخارج ثانياً، واتفاقه مع مسألتين مهمتين هما تشكيل المجلس الاتحادي للنفط والغاز، وأخيراً وضع “صندوق المستقبل” تتجمع فيه الفوائض المالية للميزانية الاتحادية، وهي ميزانية تمس العراق كله، وبضمنه إقليم كردستان العراق. (قارن: مرزا، الكتاب، ص 132). وفي عرضه للعلاقة القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بشأن النفط والغاز انتقد غياب التشريعات الناظمة للعلاقة النفطية بين الطرفين والتفسير المناسب لمادتي الدستور 111 و112 لكي يستبعد حصول تباين أو اختلاف في وجهات النظر من خلال تشخيص دقيق للحقوق والصلاحيات أولاً، وسبل معالجة الخلافات في حالة وقوعها ثانياً.

ومن الجدير بالإشارة إلى أن هناك عاملين آخرين لعبا دورهما في زيادة التوتر بين الحكومتين الاتحادية والإقليم، وأعني بهما: السياسات غير العقلانية لنظام الحكم الاتحادي إزاء الإقليم في عدم معالجة المشكلات القائمة بروح اللامركزية، بما فيها معالجة المشكلات النفطية، بنفس سليم وصبور واتفاقات رسمية ملزمة وموثقة، بعيداً عن الشخصنة والعلاقات

الفردية المتغيرة دوماً، بدلاً عن المساومات الفردية والوعود الكاذبة والموسمية. ويمكن أن نورد هنا مثالاً واضحاً كشف عنه في الإعلام العراقي والعالمي وأعني به الوعود التي أطلقها والاتفاق الثنائي الذي تعهد به رئيس الوزراء العراقي الأسبق لكسب تأييد موافقة رئاسة وحكومة الإقليم على توليه رئيس الوزراء لدورة ثانية حينذاك، أي في المفاوضات الت جرت في طهران في عام 2010، في حين كان التوجه الأسلم هو تسلم الكتلة التي حازت على قوة صوتية أعلى في البرلمان رئاسة مجلس الوزراء وربما كانت الأمور قد سارت افتراضاً باتجاه آخر غير الذي نعيشه اليوم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى حقيقة تطلع رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق، وهم لا يخفون ذلك، وعبر استفتاء عام 2017 عن هذا الواقع، إلى الاستقلالية في سياساتها النفطية وفي العلاقات الإقليمية والدولية للإقليم، وكذلك الابتعاد عن التنسيق مع وزارة النفط الاتحادية أو الحكومة الاتحادية عموماً. ويمكن القول بأن الجانبين قد ابتعدا بدرجات متفاوتة عن نصوص دستور عام 2005، مما عمق انعدام الثقة والعمل المشترك.

وكما يشير الدكتور مرزا فأن عمليات الاستكشاف والتطوير النفطي بدأت منذ أوائل العقد الأخير من القرن العشرين وبعد أن خرجت محافظات أربيل والسليمانية ودهوك من سلطة الحكومة المركزية ببغداد، وبعد أن تم تشكيل حكومة الإقليم في العام 1991 وإجراء انتخاب البرلمان وإعلان الفيدرالية الكردستانية ضمن الدولة العراقية في العام 1992. وخلال الفترة الواقعة بين ض991 -2003 لم تكن كركوك وحقولها النفطية ضمن سلطة الإقليم، بل كانت ضمن سلطة المركز في بغداد. وكانت عمليات التنقيث عن النفط والغاز تتم بشكل مستقل عن المركز ودون رقابة الحكومة العراقية خلال تلك الفترة. وفي أعقاب إسقاط الدكتاتورية في عام 2003 أخذت حكومة الإقليم مسؤولية الإشراف على حقوق كركوك النفطية دون اتفاق رسمي مع الحكومة الاتحادية في بغداد. وقد استمر هذا الإشراف على حقول نفط باي حسن وأفانا في كركوك حتى تشرين الأول 2017 حيث استعادت الحكومة الاتحادية السيطرة على حقوق النفط في كركوك عبر دخول القوات المسلحة العراقية إليها. ولا نكشف سراً هنا حين نشير إلى واقع الخلاف القديم والمستمر بين القيادات السياسية الكردية والحكومات العراقية المتعاقبة حول عائدية كركوك ونفطها: هل هي محافظة كردستانية، وبالتالي تشكل جزءاً من إقليم كردستان، أم إنها محافظة عراقية اتحادية تشكل جزءاً من العراق؟ إنها مشكلة معقدة تنتظر الحل على وفق ما جاء في المادة 140 من الدستور العراقي بشأن معالجة المسألة التي أطلق عليها بالمناطق المتنازع عليها بين الحكومتين الاتحادية وحكومة الإقليم. والنص الدستوري يقول:

“المادة (140): أولاً: تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بكل فقراتها. ثانياً: المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية والمنصوص عليها في المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية تمتد وتستمر إلى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور على ان تنجز كاملة (التطبيع، الاحصاء وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها) في مدة اقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الاول سنة الفين وسبعة. ” (أنظر: نص الدستور العراقي عام 2005، مجلس القضاء الأعلى). ولم ينفذ نص هذه المادة منذ أن ورد في المادة 58 في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004 حتى الآن ونحن في عام 2019. (أنظر: نص قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004، موقع مجلس القضاء الأعلى).

ومنذ ذلك الحين وجد طرفان في العراق يمارسان إبرام العقود النفطية والغاز مع الشركات الأجنبية بشكل مستقل ودون أي تعاون أو تنسيق في السياسات والمواقف النفطية. وفي هذا يكمن الخلل الكبير وإلحاق الأضرار بالاقتصاد العراقي واقتصاد إقليم كردستان في آن واحد، إذ أن في هذا الوضع غير الطبيعي، على وفق قناعتي، نقاط ضعف جوهرية:

1. يشكل الاقتصاد العراق، بما فيه اقتصاد كردستان منذ عقود وحتى الآن، حتى في فترة الصراع مع حكم البعث والإفلات من سيطرته المباشرة، مكوناً واحداً ومتداخلاً، وبالتالي فأن تغريب جزء منه عن الكل يعتبر خللا ً ويؤذي الاقتصادين معاً.

2. إضعاف القدرة التساومية للطرفين في التفاوض مع شركات النفط الاحتكارية العملاقة في إبرام العقود، سواء أكانت عقود مشاركة في الإنتاج أو عقود خدمة-فنية أو منح امتياز. ويمكن أن نتلمس ذلك في العقود التي أبرمتها حكومة الإقليم وفيها الكثير من المضمون السياسي على حساب المصالح الاقتصادية.

3. رغم محاولات الاستقلال بالسياسات الخاصة بكردستان، إلا أن كردستان تشكل جزءاً من السياسات الاقتصادية العراقية وميزانيتها ضمن ميزانية الدولة العراقية، وبالتالي فأن غياب التعاون والتنسيق ووحدة الاستراتيجية العامة والنفطية في غير صالح الطرفين ويلحق أضراراً بالشعبين وبعموم الاقتصاد.

4. وبسبب وجود تشابك بين حقول النفط وتداخل في حدود المحافظات يمكن أن تنشأ مشكلات لا بد من معالجتها على وفق أسس سليمة ومجربة.

5. وبغض النظر عن الموقف من الدستور العراقي، فأن هذا التوجه يتقاطع مع الدستور العراقي القائم والذي وافقت عليه وأقرته الأطراف الممثلة في المجلس النيابي العراقي، ومنها القائمة الكردستانية التي شاركت في وضع مسودة الدستور لعام 2995.

وبودي هنا أن أشير إلى لقاء ودي تم في ربيع عام 2012 بين وفد مكون من أكثر من 50 شخصاً من العرق والدول العربية شارك في انعقاد المؤتمر الأول للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية الذي عقد في أربيل، وكنت أترأس الوفد، مع السيد رئيس الإقليم في مقر الرئاسة، في مصيف صلاح الدين، أشرت إلى ثلاث نقاط جوهرية، يهمني هنا الإشارة إلى نقطة واحدة منها لارتباطها بموضوع إبرام الإقليم لعقود الشراكة في إنتاج النفط وعقود خدمة فنية. وتركزت ملاحظاتي على ثلاث مسائل: 1) غياب التنسيق والتعاون الضروري على مستوى العقود، 2) ضعف الطرف المفاوض الكردستاني مقابل الشركات العملاقة، 3) حصول الشركات الأجنبية على ربح يعادل عدة أضعاف ما تحققه من أرباح في العقود الموقعة مع وزارة النفط الاتحادية، 4) كما إن مثل هذه العقود تكون ذات طابع سياسي أكثر منها اقتصادي وتؤثر سلباً على شروط العقود في غير صالح الإقليم.

وبغض النظر عن هذه الملاحظات، والتي كانت ولا تزال لدي ملاحظات على العقود التي أبرمتها الحكومة الاتحادية، فوجهة نظري تؤكد بأن على الحكومة الاتحادية إلَّا تضع سياسات تتعلق باستراتيجية النفط والغاز دون التشاور والاتفاق مع حكومة الإقليم ومع المجالس المحلية للمحافظات النفطية بموجب المادة الدستورية رقم 112 بفقرتيها أولاً وثانياً.

لقد شهت السنوات المنصرمة صعوداً وهبوطاً في العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وكان التوتر المستمر هو الحاسم والبارز في العلاقة. وهي إشكالية لا ترتبط بالنوايا والثقة فحسب، بل وفي واقع العراق السياسي والقوى السياسية الحاكمة والفساد السائد كنظام معمول به فعلياً، وفي غياب الحياة والحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق

القوميات والحوارات الديمقراطية والعقلانية الطبيعية لمعالجة المشكلات القائمة. وهي إشكاليات لا يجوز استمرارها ولا بد من معالجتها لصالح العراق وقومياته العديدة وتقدمه.

2) عقود تراخيص النفط والغاز للحكومة الاتحادية وعقود النفط والغاز في إقليم كردستان العراق

ركز الفصل السابع من كتاب الدكتور علي مرزا على جولات تراخيص عقود النفط والغاز بين الحكومة العراقية والشركات الأجنبية العاملة في اقتصاد النفط. ويبدو لي ومن قراءتي للكتاب القيم للزميل علي مرزا، بأن وزارة النفط الاتحادية كانت وكأنها على عجل شديد من أمرها تريد عقد أكبر قدر ممكن من العقود في مجالات الخدمة-الفنية على نحو خاص، والمشاركة في الإنتاج، لتحقيق زيادة سريعة في كميات الإنتاج والحصول على مزيد من الإيرادات النفطية. علماً بأن الدلائل كلها كانت تشير إلى بأن هذا التوجه النفطي لم يشكل جزءاً من إستراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، كما لم يكن جزءاً من استراتيجية نفطية واضحة المعالم تتجاوب مع ما يلي:

أ) غياب أية استراتيجية اقتصادية اجتماعية تنموية لدى النخب الحاكمة والحكومة العراقية وأحزابها السياسية، إضافة إلى غياب أي استراتيجية نفطية ترتبط بحاجات التنمية الوطنية عل المديات القصيرة والمتوسطة والبعيدة.

ب) عدم الأخذ بالاعتبار كون التركيز على اقتصاد النفط الخام وتصديره يزيدان دون أدنى ريب من الطابع الريعي الوحيد الجانب في الاقتصاد العراقي ويزيدان من تبعية هذا الاقتصاد للتجارة الخارجية والدول المستوردة للنفط ولاسيما الدول الكبرى، خاصة وأن الاقتصاد العراقي يعاني من غياب التنوع الإنتاجي المطلوب في بنية الاقتصاد وبنية تكوين الدخل القومي.

ت) انعدام التفكير الاستراتيجي لدى المسؤولين في الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وفي وزارتي النفط حول قدرة السوق الدولية على استيعاب المزيد من نتاج النفط والغاز في العراق بالارتباط مع الحصة السنوية المحتملة أو المفترضة لمنظمة الأوبك أولاً، وحصص الدول الأعضاء في الأوبك، ومنها العراق، ثانياً، وسعي الدول المستهلكة للنفط والغاز على إيجاد مناطق في دول أخرى منتجة لهما ومنافسة ثالثاً، إضافة إلى المسيرة الواعية والعقلانية للكثير من الدول والشعوب في سعيها لإيجاد بدائل عن استخدام النفط والغاز، كما حصل مع إنتاج الفحم في العالم, وإمكانية إنتاج طاقة بديلة أكثر نظافة وأقل تلويثاً للطبيعة رابعاً.

ث) إن وجود كميات كبيرة من الأموال دون وجود خطط تنموية وقدرات فعلية على استخدام تلك الموارد يقود في بلد كالعراق خرج لتوه من حروب طاحنة ومدمرة ومن الدكتاتورية، ودخل في أتون نظام سياسي طائفي وفاسد، سيقود إلى استنزاف للموارد المالية الفائضة أو الضرورية عبر النهب المباشر، ومن باطن قطاع الدولة وعموم سلطاتها الثلاث ومؤسساتها، وعبر التفريط بأموال الدولة وبذخها وعلى حساب الاقتصاد والمجتمع.

ج) غياب أي تعاون وتنسيق وتكامل بين سياسات الوزارات المعنية باقتصاد النفط وعموم الاقتصاد الوطني العراقي أولاً، ولا مع وزارة النفط في حكومة الإقليم ثانياً. أي إنها كانت سياسة ارتجالية إرادية تحركها الرغبة في زيادة إنتاج النفط الخام وتصديره والحصول على أقصى الموارد المالية بغض النظر عن حاجة العراق وسبل استخدامه.

ح) عدم الأخذ بنظر الاعتبار حاجات العراق المالية بالتنسيق مع وزارة المالية عن كميات النفط الواجب تصديرها، ولا المعرفة السليمة لحاجاته البلاد للنفط الخام لاستخدامه الداخلي.

خ) عدم الأخذ بالاعتبار ضرورة توجيه جزء مهم من إيرادات النفط الخام للتثمير الإنتاجي في القطاعات الاقتصادية الإنتاجية والخدمات الإنتاجية، ومنها قطاعات الصناعة والزراعة والبنى التحتية كالطاقة الكهربائية والماء والنقل

والاتصالات، إضافة إلى القطاعات الخدمية كالصحة والتعليم والبحث العلمي…الخ، والتي تكشف عنها خطط التنمية أولاً والتنفيذ الفعلي للسياسة الاقتصادية والمشاريع المقترحة ثانياً.

د) كما إن هذا التوجه لم يأخذ بنظر الاعتبار الحاجة الفعلية للموارد المالية لأغراض استيراد السلع الاستهلاكية لإشباع حاجات السكان الفعلية بما يسهم في ترشيد الاستيراد والاستهلاك.

ذ) غياب التوزيع العقلاني لموارد البلاد، سواء النفطية منها أم عموم الدخل القومي، عبر الميزانية الاعتيادية وميزانية التنمية بين الإقليم والمحافظات بما يتلاءم مع عدد السكان وما نشأ في الكثير من تدمير وخراب وتهميش وتخلف، وما بين التثمير الإنتاجي والاستهلاك، إضافة إلى التخلف وعدم الوعي بأهمية وجود علاقة عقلانية في عملية توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي بما يغير من غياب العدالة الاجتماعية كلية عن المجتمع العراقي.

ر) وبما إن العراق دولة اتحادية فلا بد من وجود قوانين تنظم العلاقة النفطية بين السلطة الاتحادية وسلطة الإقليم وسلطات المحافظات على وفق أسس لامركزية بحيث تمنحها حقوق وصلاحيات مناسبة بعيدة عن الجمود والمركزية المتشددة التي تقود إلى بروز مشكلات واختناقات غير قليلة.

ز)

إن غياب كل ذلك انفردت كل من وزارة النفط الاتحادية ووزارة النفط في الإقليم برسم سياسات نفطية وغازية خاصة بها، والتي خلقت إشكاليات كبيرة أكثر من حلها لأي مشكلة فعلية وبالشكل المناسب.

يعرض الدكتور علي مرزا أربع جولات تراخيص لعقود خدمة-فنية في مجال النفط والغاز أطلقتها وزارة النفط الاتحادية ابتداءً من عام 2009 حتى نهاية 2012 ولخصها بالآتي:

“.. لقد عرُضت معظم الحقول النفطية المكتشفة في الجولتين الأولى والثانية وشملت أساساً المنطقة الجنوبية (جنوب بغداد). وانتهت بتوزيع الحقول العملاقة على شركات نفطية من عدة دول شرقية وغربية ومتقدمة وصاعدة بدون استثناء. كما شملت شركات عملاقة مثل رويال/دچ -شل وبرتش بترولیون وآکسون/موبل، وشركة البترول الوطنية الصينية (CNPC (، إلخ. أما الجولة الثالثة فقد غلب عليها الحقول الغازية مع حقول نفطية صغيرة. وشملت الجولة الرابعة عقوداً استكشافية غازية ونفطية. وكلا الجولتين الثالثة والرابعة شملت مناطق الوسط الأعلى من العراق”. (أنظر: مرزا، الكتاب ص 151).

لا شك في صعوبة تلخيص وجهة نظر الزميل مرزا حول عقود النفط والغاز والتعديلات التي أدخلت عليها في أواخر عام 2014 وأوائل عام 2015، والأرباح والخسائر المحتملة ومقارنتها بعقود دول أخرى، أو مقارنة ملاحظاته بملاحظات زملاء وخبراء نفط آخرين، أو مقارنتها بعقود الإنتاج أو الخدمة التي عقدتها حكومة الإقليم، وكذلك الشكوك التي حامت حول كل العقود التي وقعتها الحكومة الاتحادية أو حكومة الإقليم ولا تزال تحوم حولها، إذ إنها تحتاج إلى دراسة موسعة وملموسة. لهذا سأكتفي بتلخيص مكثف لموقفه، وأرجو أن أوفق بذلك:

1. يفضل الزميل مرزا بصواب عقود الخدمة-الفنية على عقود المشاركة في الإنتاج في ضوء المقارنات التي أجراها طالما تمتلك الدولة إمكانية تمويل هذه العقود كلاً أو جزءاً. ووفق دراسته يشير إلى ذلك بقوله: إن الأخذ “بآماد واسعة من سعر تصدير النفط (25 إلى 100 دولار/برميل) ولآماد واسعة من حص العراق في العقد المفترض لمشاركة الإنتاج، فأن عقد الخدمة-الفنية يمنح العراق عائداً من قيمة البرميل المنتج أعلى من العقد المفترض

لمشارة-الإنتاج. هذا فيندما عدا حالات، تنعكس فيها الأفضلية، وهي عندما يكون سعر تصدير النفط أقرب إلى 25 دولا/برميل (وأقل) وفي ذات الوقت تكون حصة العراق في الإنتاج أعلى من 75-80%.” (أنظر/ مرزا، الكتاب، ص 155.

2. كما فضل الزميل عبر المقارنة الجادة العقود التي وقعتها الحكومة الاتحادية على تلك التي وقعتها حكومة الإقليم لعدة أسباب يستطيع القراء والقارئات التعرف عليها من خلال قراءة الكتاب، وبشكل خاص بالنسبة للشروط والعوائد وأرباح الشركات المتعاقدة، خاصة وأن أغلب العقود التي وقعتها حكومة الإقليم هي عقود مشاركة في الإنتاج بلغت 48 عقداً مع شركات متنوعة ومنها العملاقة، وأن نسبة مشاركة سلطة الإقليم تتراوح بين 70-85% حسب ما ورد في الوثائق المنشورة، وهي في لمتوسط 81% لسلطة الإقليم و19% للشريك الأجنبي، كما يستوفي الإقليم 10% إتاوة على قيمة الإنتاج الإجمالي، (أنظر: مرزا، الكتاب، ص 167)، وبالتالي تزداد مخاطر هذا النوع من العقود على وفق حساباته وتقديراته لما جاء في الفقرة في أعلاه.

3. لم يكن العراق عموماً، الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، بحاجة إلى التوقيع على هذا العدد الكبير وهذه الكثافة من العقود النفطية، لاسيما وهناك صعوبات كبيرة تواجه مسالتين هما تطوير الحقول الكثيرة، وتأمين القدرة التصديرية للعراق وحكومة الإقليم، ولاسيما في المناطق المتنازع عليها.

4. لا يمتلك العراق استراتيجية في اقتصاد النفط ولا سياسات واضحة في مجالي الإنتاج والتصدير والاستخدام، وهو خلل يجد تعبيره أيضاً في استراتيجية وسياسات الإقليم وفي عموم عملية التنمية في العراق.

5. الخلل في غياب التعاون والتنسيق والتكامل والوحدة في سياسة الإقليم النفطية إزاء السياسة النفطية على صعيد العراق الاتحادي. ويجد ذلك تعبيره في الموقف من المحافظات المنتجة للنفط.

6. صعوبة تسديد الديون المتراكمة على حكومة الإقليم لشركات النفط العاملة فيه. وتشمل هذه المسألة الحكومة الاتحادية ايضاً.

7. ويسجل الكاتب خاطرة هي في قناعتي بمثابة استنتاج مهم حول اقتصاد النفط العراقي ومقارنة بين حصة العراق والسعودية لصالح السعود في مجموع إنتاج قطاع النفط. فقد كتب:

“منذ أن بدأ استكشاف ومن ثم إنتاج النفط في العراق تضافرت عوامل مجتمعية وسياسية/إدارية، داخلية وأخرى خارجية، لعدم انتظام تطور هذا القطاع، ابتداءً من ضغط الدول الاستعمارية وشركاتها للحصول على امتيازات النفط باتجاه دولة وليدة عند تكوينها في 1921، إلى دولة بحكومات غير مستقرة، عموماً، بعد 1958، ثم نظام في 1968 ساهم في نزاعات متتالية وما نتج عنها من عقوبات دولية قاسية خلال الفترة 1980-2002، وأخيراً منظومة المحاصصة المفرِقة. كل ذلك جعل من العراق تابعاً وليس قائداً في التطورات النفطية العالمية وبدون نظرة استراتيجية واضحة، داخلياً أو خارجياً. وفي أحيان كثيرة كانت ولا زالت الاعتبارات الإيديولوجية تعرقل نظرة متوازنة لتطور هذا القطاع. لذلك بقي هذا القطاع خاضعاً لسياسات غير مستقرة”. (أنظر: مرزا، الكتاب، ص 174). وهو خير مأ اختم به هذه الحلقة.

07/04/2019

كاظم حبيب

انتهت الحلقة السابعة وتليها الحلقة الثامنة، قراءة في الفصل الثامن: معضلة الأوبك بين حصة السوق وتحديد الإنتاج

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close