ماهيّة ألجّمال في آلفلسفة الكونيّة:

عزيز ألخزرجي

ألجّمال مجهول؛ لغياب الله؛ ألوجدان؛ ألضّمير!
طرحنا موضوع (ألجّمال) في آلفلسفة آلكونيّة في مواضع عديدة.
كما سألنا في (همسة) ماضيّة ضمن نهج (الفلسفة الكونيّة العزيزيّة), هذا السؤآل: لماذا آلجّمال مجهول؟
وآلآن نُريد عرض ماهيّة آلجّمال وآثاره كأهمّ موضوع بعد عرضنا لـ (ختام الفلسفة) كمرحلة سابعة أخيرة.
لقد إستدليّنا بعروضنا الكونيّة؛ سوء تعاملنا مع المرأة كنموذج حيّ للجّمال في مجتمع يراها ويُركّز نظَرهُ عليها بعمق لكنّهُ في الحقيقة لا يراها, بل يرى شيئاً آخر تتعلق بشهوته وغريزته الحيوانيّة التي تقتل الجّمال وأسرارهُ, وفنون التصوير ألفنيّ وألوانهُ!
لذلك قلنا؛ لا يُمكن أنْ تظهر حقيقة وماهيّة جمال ألمخلوقات وآلكون وآلمرأة لتكون أمّاً مجاهدة و مُربّية ومدرسةً على الأقل في مجتمعٍ يراها بتلك آلنّظرة ألدّونيّة ألشهوانيّة ألّتي تُفسد آلجّمال وآلأخلاق وقيم آلجّميع, وأشرنا أيضا(1) إلى أنّ الطريق الوحيد لمعرفة حقيقتها؛ هو معرفة منبع وماهيّة ألجّمال طبقاً (للفلسفة الكونيّة العزيزيّة) ألتي ترفض أساليب ونهج ألشرق كما الغرب اللاحضارية التي قتلت الجّمال والقيم وروح الأنسان والوجدان لتكالب الجّميع بحسب محفّزات ألنّظام نحو المادّة.
فما هو أصل و كُنه الجّمــال؟
وكيف نعرفهُ ونكشف عنــه؟
وكيف نستفيد ونتعامل معه لكشف حقيقة الوجود وإسراره؟
قبل التفاصيل, قُلنا في (ختام ألفلسفة)(2)؛ التي تتشكّل من ثلاثة أضلاع كمُثلّث كونيّ؛ (ألخالق؛ ألخلق؛ ألكون), ألقائم بالأرتفاع كعمود للمحبّة بینھا لإبراز ماهيّة جمال آلحالة ألمُثلى بمقدار إرتفاع درجة ألمحبّة وقوة البصيرة وآلخيال, ولا ینفكّ عن بعض إلّا بفقد (ألمحبّة) التي عليھا يستند الأنسان في أعماقه لينمو ويثمر وينتج من أجل الحضارة والمدنية بعد تحقق الأمن وألسّلام وآلوصال مع أصل آلجّمال، لتنعكس إيجابيّاً على الفرد وآلعائلة وآلمجتمع بآلرفاه و بآلتالي تحقق وحده آلوجود بمحو الكراھیّة وآلنفاق وتوحّد ألقلوب لدرجة ألحالة المثلى(3).

كيف ألجّمال ألكونيّ طريق لمعرفة الله:
يحتاج معرفة كُنه الجّمال .. إستطلاع ما وراء آلأشياء وآلآفاق بالسّفر للمجهول, إلى الماورائيّات الكونيّة بقوّة الخيال والبصيرة!
عن طريق المرئيّيات؛ ألمسموعات؛ ألألحان؛ ألأصوات؛ ألرّوائح؛ ألأفلاك؛ أشكال المخلوقات؛ القوز وقزح؛ ألشروق؛ الغروب, فآلله تعالى لا نجدهُ إلّا في الجّمال وآلخير, أما آلقبح و الشّر فإنّهما يتجسّدان في الشيطان كعارضان لا يتعلقان بآلله لتضاربها مع الجّمال, و الله تعالى نفسه يقول: [إبحث عني في الجّمال, لأنك لا تجد ذاتي إلّا في آلجمال والمعنى, عبر الموجات المرئيّة ,بذبذبات خاصّة تصلنا و تناسب عيوننا وعبر المسموعات ألّتي نسمعها أيضا بإهتزازات تناسب حجم آذاننا و هكذا بقية المقايس التي أثبتها العلم],
ولكثر حلاوة الجّمال وطبعه الذي يُريح النفس و الوجدان والحواس وآلذّات؛ لا نشبع منه و لا نرتوي ولا نحصل على الرّضا آلتّام أبداً .. إنه عالم وسيع لا متناهي .. لكنه يتصل بآلأصل الذي سنُبيّه في الختام!
ألعالم المحدود ألذي يناسب وضعنا و يُجسّد قوّة وقدرة الجّمال على تلطيف الأرواح و شفّافيتها تتجلّى من خلال عدم مللنا من سماع أغنيّة جميلة بألحان عذبة و كلمات معبّرة راقية, والأغرب أنّ الكثير من الناس ما زالوا يطربون للأغاني القديمة رغم أنهم سمعوها مراراً آلاف المرات, بينما سرعان ما نملّ عند قرائتنا لكتاب علميّ مرّة واحدة أو مشاهدة فيلم مرّتين, الفرق في الحالتين هو: أنّ العلم و التكنولوجيا يتحكمْ بهما العقل بمدى الأستيعاب للمعادلات وقوانين ألرّياضيات وهو مملّ لعدم مشاركة الحواس لإشباعها بآلأنتقال للذات سوى العقل هو الوحيد الذي يتعامل معها!

أمّا الجّمال وآلحبّ؛ فيتحكم بهما القلب الذي يعشق (الفنّ) و(آلطبيعة) لأنّهما يبعثان على الراحة والحيوية والأطمئنان في القلب.
و هكذا اللوحات الفنية التي نُقشتْ قبل مئات السّنين, والشِّعر والأدب الهادف الذي يعتمد المجاز في التعبير, و الطبيعة نفسها, فكثيراً ما تكره غياب الشمس عند الغروب وأنت أمام منظر طبيعي إلهيّ جميل تلتقي فيه السماء بآلأرض وبآلحيوان و النبات و الطيور والفراشات فوق الزهور وأسراب النّمل من تحتها, حيث تشعر و كأنك تريد أن تضمّه بين يديك .. ولن ترتوي ولا تشبع من هذا الأحساس الجّمالي, بل تُحاول أن ترتمي في أحضان هذا العالم للأبد من دون العودة مجدّداً لهذه آلحياة المادية التي تضم البلاء والذنوب والعذاب وآلألم لجهل الناس بحقيقة و ماهية الجّمال و كنهه!

بل الجّمال الكونيّ دعا البشر من خلال إشارات سماويّة إلى أنّ يُبدعوا بتحويل جمال اللغة إلى أساليب المجاز, لأن المجاز اللغوي كآلمجاز الجمالي, الذي تريد أن تجوزه .. لتعبر منه إلى شيئ آخر, و المجاز أبلغ من التصريح (الواقع), كما أن ذكرى الشيئ أجمل من حقيقته, أو سماع صوت الطبول من بعد أجمل من مباشرته!
لكن هناك شيئ آخر يختبئ وراء المجاز نريد الوصول إليه .. ليطمئن القلب و الروح ..
فما هو الشيئ الآخر الذي نريد وصوله بآلمجاز؟
عند التّمتع ولو بلحظات بتلك الموجات الأيجابية التي نتحسسها من بعد!
تلك الموجات التي تجعل أبداننا تقشعرّ بها(بذلك) ..
تجعلنا نشعر بخشوع .. و سكر وتحليق في الفضاء ..
هذا ليس بسبب ذاتية الموضوع أو الحقائق الواقعة ..
إنّما الطريقة وآلأثر, هو الذي يجعلكَ تخضع لتلك المشاعر الداخليّة التي تتعامل مع وجدانك, لتجعله حيّاً نابضا بآلحياة و الأنسانية!
و هكذا هو فعل الجمال الصارخ الذي يشلّنا أحياناً ..
يذهلنا عن أنفسنا ..
و يدخلنا في حالة روحية و صفاء نفسي قلّما تشهده في الحياة ..
ألأعمال العارضة الصارخة ..
أو صوتاً جميلاً ..
أو موسيقا أصيلة ..
أو صوت الناي ..
أو المقامات الفنية العاليّة ..
تجرّنا بقوّة للأعماق ألسّحيقة بلا إرادة .. بل و تُسّيل دموعنا .. و تقشعر أبداننا .. و تكفّ عيوننا فجأةً من هول قوتها الغير المرئية و نفوذها لأعماقنا المهيأة لأستقبالها .. و هذا هو النفوذ الجمالي .. ألذي يُشير لما بعده .. و الذي يُميّيز بين الأنسان الحيّ صاحب الضمير وبين الأنسان آلميّت رغم تحرك جسده في الظاهر!
فهناك من لا يملك القدرة على سماع و تحسس و إستيعاب ذلك .. لأنّ وجدانهُ مغطى و مدفون في أعماق نفسه الملوثة؛ المقوضة في وحل الذنوب والأسى وخبث المادة وآلشهوة التي تحلّ كحاجزٍ بينهُ و بين تلك الأشارات الكونيّة .. فيُحرم منها للأبد ولا يتحسّسها .. إلّا صاحب القلب الطيب ألمُحبّ الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه .. فهو الوحيد الذي يبقى توّاقاً لأحتضان الجّمال الطبيعيّ ولا يرتوي أبداً .. ولذلك يبقى مُتعطشاً للوصول لمنبعه .. عن طريق ما فرضهُ الجّمال نفسه من قوانين عليه لتطبيقها!
ألله تعالى يقول: هذا هو سبيلٌ نظّمته و كوّنته لكَ أيّها الجّاهل الظالم .. بعد مليارات من السنين وآلتخطيط حتى الخلق .. حتى أنت الذي خلقتك بيدي, و حين قلت له كُنْ .. فكان كما أردت حيث إنطوى في قسم من وجودك الصغير هذا العالم الأكبر!
هذا كلّه لأجل أن تتعرّف عَلّيَّ .. للتّقرب منيّ .. لقد آثرتك بآلمجاز لكونه أبلغ من التصريح في آيات عديدة, فكن مُهيئاً للتعاطي مع المجهول .. والأقتراب منه .. و ما عليك إلا البدء بآلسّفر .. سفر العاشقين نحو مدينة الخلود, لكنه ليس سهلاً .. قطع المحطات السبعة(4), فما هذه الماديّات التي تحيطك سوى دمى للصغار .. أمّا أنت أيّها العاشق فقد كبرت .. و لا ينبغي أن تبقى مع الصغار ..
عليكَ بآلتوجه إلى الماوراء .. إلى الأفق البعيد لتسطلع بآلرّوح .. ما لا يُمكن رؤيته بآلحواس و العقل ..
و بهذا الطريق ستشعر بآلخشوع الذي يصطحبه الأحساس بآلفقر و الفناء ..
إنّ الذي يقوم بهذه المُهمّة هو (آلفنّ) .. لا (آلعلم)!
لأنّ (العلم) يتعاطى مع الطبيعة بلغة الرياضيات لكشف ألماديّات, رغم إعتراف العلماء كألبرت آينشتاين بوجوب إستخدام (الكّوانتوم) مع العلم لمعرفة الحقيقة أكثر, لكن العلم الحديث لم يتوصل بعد لذلك!
أما (الفـنّ) فيتعاطى مع الماوراء .. مع ألرّوحيّات, ألتي هي من أمر الله الذي لا يُشعر به وبعظمته إلا الخاصّة بعد ما تزكّوا!
و حقّا ما قاله المسرحيّ ألأيرلندي الكبير برناندشو: [حين تستعمل المرآة ترى وجهكَ, و حين تستخدم الفن ترى روحك].
ويبقى الجّمال وحدهُ طريقاً للمعرفة و لأسرار الوجود.
ألفيلسوف الكوني
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لمعرفة تفاصيل أكثر, راجع فصل الجمال, في كتابنا: [أسفارٌ في أسرار الوجود], ومقالاتنا بهذا الشأن.
https://tasrebat.news/archives/123192(2)
status Optim(3)
(
(4) ألطّلب-ألعشق- المعرفة-التوحيد-الحيرة-ألأستغناء-ألفقر وآلفناء.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close