التوابيت في البصرة … زينة!

د. عبدالرضا الفائز

alfize@yahoo.com

في بداية ستينات القرن الماضي ومع إنجازات عديدة، وتأسيسا لأحياء جديدة، شُقَ شارع 14 تموز وشُقَ متعامدين معه شارعي فلسطين (السعدي) والجزائر، أيام حكم ضابط، قدم للعراقيين في 4 سنوات ما لم يستطع أن يقدمه رجال الحقبة التي تلت 2003 في 16 سنة، رغم الفارق بين التحديات والإمكانات والفرص. فكانت تلك الشوارع الجميلة مع ما أسس من حدائق ومتنزهات وغيرها من أحياء في البصرة يومها رمزا للعزم والتحضر، وشيوعا للمدنية والتقدم، وعنوانا للحب والفرح، ونتيجة للنزاهة والتطهر، وإن نافسها الشط ومزارع الأثل والنخيل، وحي المعقل الذي ماثل يومها أحياؤه، الدول المتقدمة بفضل رجل مخلص (لم يتقاضى راتبا)، أتى من تكريت فخلدَ في وجدان البصريين … فأين اليوم من الأمس، بعد أن فشلنا حاضرا في جعل الحي الأقل تقدما في البصرة كمعقل ذلك الزمان (وهذا ما تفعله الشعوب الحية)، ونجحنا بدلا في جعل المعقل، كالحي الأقل تقدما في هذا الزمان. فهل الأزمة فينا أم في الزمان؟

فبعد القضاء على تجريف البساتين والمزارع وطمر انهار البصرة (بندقية الشرق، وسيدة الخليج الذي تكنى باسمها في الأطالس والخرائط… في ذلك الزمان)، وغلق المصانع والمداجن، وإهمال متنزهات الترح وغلق حدائق الفرح، وخراب الشط والكورنيش والتلوث، وعزلة المطار وبؤس الميناء، ورثاثة الدوائر وشيوع ما يعرفه الكل فيها وعنها، وسوء التخطيط والخدمات، والعجز والعطالة، تكفلت “جهة” في البصرة هذه الأيام، تجاهلت الجمال المعماري، وأهملت التذوق الفني، فاستنكفت أن تسأل المعمارين والفنانين. فأتت ببصمة في شارع فلسطين، تغلف بها أعمدة الكهرباء المتقاربة فيه، بمحنطات حديدية مربعة كالتوابيت تحتضن طول العمود وتلغي رشاقته المطلوبة عالميا (حين يتوسط الشارع خصوصا … في معنى). لها لون الدم مخرمّة من القاعدة إلى الأعلى، بفتحات ظهرت منها أذرع المصابيح، قصيرة كأنها جنين يطلب الهواء أو يصرخ من أجل التنفس والحياة …

لقد أصبح الشارع أقل جمالا بها، وكالغجري متريفا معها (وانتظروا شكلها يوم يبهت لونها)، مبتعدا عن التناغم والمسرة. دون أن يلتفت “المخترع” إلى هندسة الناظر والمنظور والتناسق الحضري والوقع النفسي والتقليد العالمي والجمال الموقعي في شارع للتجوال والتسوق، وجب أن تكون فيه مسحة السلام والهدوء والتودد المعماري مع خضرة الأشجار التي تزرع كل عام، لكنها تموت كذلك كل عام، لسبب معروف لا يعرفه “المستشار” الذي أشار بها، ولو عرفَ لأوصى بصرف المال على التشجير، لكن بعلمية تطبقها دول الخليج (لا بجهل نكرره كل عام).

في سبعينات ذلك الزمان كان لأهل الخليج قول مفاده “اللي ما يشوف البصرة يموت بحسرة” لكن البصرة لأسباب أتت مع حروب العبث والحصار وتوطنت في حقبة العراق “الجديد” والتخلف، قد أصبحت هي الحسرة نفسها، رغم إنها أم العراق وعينه … فوا حسرتاه عليكِ … يا بصرة في العراق، يرفضها اليوم خليج … كانت قبلته.

إن إحاطة أعمدة النور الرشيقة بهذا التأطير الحاجب وغير اللائق هو جهل لا تفعله في العالم مدينة تعرف قيمة التنوير والجمال. فيا مسؤولي البصرة لا تقبلوا أن ينتشر هذا التقبيح المتريف وينتشر مزاجه في شوارع أخرى، فكفانا ما اقتُلع من أشجار وجُرف من مزارع وما طُمر من أنهار وخُرب من حواضر مع تسيدٌ للجهل والكآبة. بل أقصدوا أحياء أزقة البصرة القديمة (الوحلة شتاءا والمتربة صيفا) وغيرها، لتعبدّوها بمسؤولية لا يسخر منها خلفات البناء كما يحدث الآن في بعض مواضع الإعمار، بدل هذا الهدر غير المبرر، إلا من الشبهات. وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close