الإرهاب في عيد القيامة

لم يفوت المجرمين عيد القيامة عيد الفصح ، من غير أن يستحلوا الدم الحرام في اليوم الحرام في البيت الحرام ، التي أذن الله فيه أن يُرفع أسمه ، وكما في كل مرة كانت سريلانكا هي الضحية هذه المرة ، وكان شعبها المسكين هو القربان ، وكان الرهبان والأباء المكرمين هم رسل السلام ضحايا العنف والكراهية والحقد والمؤامرات التي تُحاك في الليالي والغرف المظلمة .

وإننا إذ نشاطر أهل سريلانكا الشعب والدولة العزاء ، ونشاطر شرفاء العالم الشجب والإستنكار والدعوة لإخماد روح الفتنة ومُشعليها ، يحدونا أمل واقعي أن تنتهي هذه الموجة التي يروح ضحيتها أبرياء ومسالمين ومدنيين وعزل ، نتمنى كغيرنا أن تزول المسببات والصنائع التي تفتك بالآمنيين من بني البشر ، وسنضم صوتنا لقداسة البابا وهو يدعوا للنظر بعين الرعاية لجيل العباد والمصلين وطالبي العفو والرجاء من المؤمنيين والموحدين .

إن الشر والجريمة والقائمين عليهما سوف لن يألوا جهداً في متابعة دربهم الأسود ، ومن هنا يجب بل يلزم على كافة الأحرار والشعوب والدول الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه نزع روح الحياة والأخاء من بين بني البشر ، ونحن إذ نؤكد من جانبنا على تدعيم ثقافة التسامح والعيش المشترك ، والإبتعاد عن الدعاوى المزعومة والكراهية البغيضة والشعور بالدونية ، وهذه تحتاج لعمل وجهد دولي ومجتمعي رصين وثابت من جميع المؤوسسات والفئات وذوي النوايا الحسنة .

إن إشاعة روح التعايش في ظل الإنسانية الواحدة مطلب مقدس في ذاته ، كما يجب السعي إليه ودعوة الجميع للتعاون في جعله هو الحقيقة الغالبة ، خاصة في ظل غياب وازع الدين والأخلاق .

إن تدعيم ونصرة القوى المحبة للسلام والتسامح والعيش المشترك ، والأخاء و التوجه الإنساني النبيل مطلب شديد الأهمية ، لأنه القادر بفعل ما لديه من إرادة على صنع المجتمع والإنسان الجديد ، ولن يكون ذلك ممكناً مع ترك الذئاب الشاردة تسرح وتمرح ، وتلتهم ضحاياها في المناطق الرخوة من العالم ، ولم يعد مسموحاً عدم التعاون

واللامبالات الأمنية والمخابراتية الدولية ، ولم يعد مسموحاً إنتظار الفاجعة إلى حين وقوعها ثم الإبلاغ عنها ، لأن ذلك ليس من قيم الدول والشعوب المتحضرة والمنادية بالحقوق البشرية والإنسانية .

ليس من المروءة التغافل عن الإرهاب من أجل أهداف ثانوية ، و في محلات وأمكان ثانية ، وليس مقبولاً النظر من الزاوية الأخرى في إشهار الجريمة حسب ما يقع من أعداد من الضحايا ، لكي يستخدم ذلك في شؤون أخرى ولغايات أخرى .

إن سريلانكا ليس بقادرة على التصدي لهذه الموجات البربرية من الإرهاب والفزع الأكبر ، كما وليس بمقدور دول شرق آسيا الأخرى تحمل ذلك أو تحمل تبعات التخطيط الفاسد لبعض المتصيدين في المياه العكره .

إن جريمة سريلانكا بكل ما تحمل من عنف وحقد وضحايا كُثر ، تدلنا إلى أهمية بناء عالم جديد خالي من الأيديولوجيات المزيفة والدين الفاسد وشبكات العمل السرية العدوانية ، ولن يتسنى ذلك إلاَّ من خلال بناء مجتمعات رصينة غير محتاجة ولا ضعيفة ، وإذا كانت الحاجة هي الدافع لكي يرتكب المحتاج جرائم بهذا الحجم ، إذن فالذنب لا يجب أن يقع على فئة بعينها أو دين بعينه أو جماعة بعينها ، بل هو ذنب مشترك لتلك العصابات والقوى الهدامة والتي تعمل بالخفاء .

إننا نقف مع عوائل الضحايا نشد على أيديهم ، وندعوا لهم الصبر والعزاء ، ونستنكر فعل الجبناء ومثيري الفتن والشغب ، ونحمل الدول ذات السيادة ما حصل لعدم الجدية في التعاون مع دول محتاجة وضعيفة ، ونحن جميعاً متحدين مع شعب وحكومة سريلانكا على أمل أن تتجاوز هذه الجريمة بروح التسامح والأمل بالمستقبل ..

راغب الركابي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close