في ادب الحياة، القوة ماذا تعني ؟

* د. رضا العطار

ليس من شك في ان الصلة وثيقة بين القوة والحياة. فان التجربة لتظهرنا على ان الضعفاء هم في معظم الاحيان اولى ضحايا الموت. ولكن على حين كانت (القوة) قيمة بيولوجية صرفة عند دارون، داعية التطور (بدليل قوله بمبدأ البقاء للاصلح) نجد انها قد استجابت الى قيمة اخلاقية عند الفيلسوف الالماني نيتشه. وغيره من دعاة اخلاق القوة (بدليل قوله بضرورة التميز بين اخلاق السادة واخلاق العبيد)

واما عالم النفس الامريكي المعاصر الفرد ادلر فقد ذهب الى قوله بان حضارتنا البشرية قد قامت منذ البداية على مشاعر النقص ! ومن ثم فان الجانب الاكبر من حياتنا يمثل جهدا نقوم به في سبيل التعويض عن هذا النقص، والسعي من اجل الحصول على القوة والتفوق) – – – بل ان ادلر ليذهب الى حد ابعد من ذلك فيقول اننا نطمع في ان نكون أشباه آلهة Striving to be godlike بدليل اننا نجد الكثيرين من الاطفال يعبرون صراحة عن هذه الرغبة فضلا عن اننا نلتقي بها لدى البالغين على صورة نزوع نحو السيطرة وان دعوة بعض الفلاسفة الى (الانسان الأعلى) كما هو الحال عند نيتشة هي مجرد صورة مقنعة من صور هذا الطموح الى (التألّه).

ومهما يكن من شئ فان الحياة كثيرا ما تختلط في اذهاننا بمعاني (القوة) والقدرة المطلقة على كل شئ حتى لقد اصبح المثل الاعلى للكثير من الاسوياء والمنحرفين – على السواء هو تأكيد القوة باي ثمن. – – – ولئن يكون هناك فارق كبير بين المجنون الذي يقول عن نفسه (انني نابليون) او (انا امبراطور الصين) والانسان السوي الذي ياخذ على عاتقه تحقيق التفوق بوسائل مشروعة الا ان الملاحظ في كلتا الحالتين ان كلا من المريض والسليم يكره (الضعف ويعمل على التحرر من اسباب (النقص) فهو يسعى جاهدا في سبيل الظفر (بالقوة)

ومهما يكن من قيمة (المحبة) فاننا لا نستطيع ان نستغني عن (القوة) ان لم نقل بان (المحبة) نفسها (قوة) و (الحب) نفسه (صراع) ! واذا كان العالم الفرنسي بيشا قد قال عن الحياة انها مجموعة (قوى) التي تقاوم الموت فربما كان في استطاعتنا نحن ان نقول ان الحياة بكل مظاهرها (صراع) ضد الموت – – – وحتى لو نظرنا الى الحياة الروحية نفسها لوجدنا انها صراع ضد الجمود المادي والسبات الحيوي.

فليس في استطاعة تاكائن الحي ان يحيا دون ان يقاوم شتئ اسباب الانحلال وهجمات الموت وعوائق الوجود وضربات القدر ! ونحن نشعر بان جسدنا معرض لآلاف الجراثيم المرضية التي تهدده ومئات الاخطار التي تحدق به فنحن على وعي دائم بضعفنا الجسماني ازاء عوارض الحياة. ومن ثم فاننا نعمل جاهدين في سبيل مقاومة عوائق الحياة واثقين من ان سلامة الابدان هي المظهر الاول من مظاهر قوتنا وبالتالي الضمان الاكبر لاستمرار بقائنا!

· مقتبس من كتاب فلسفة مشكلة الحياة د. زكريا ابراهيم – جامعة القاهرة

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close