في مقام السيدة

ليس لي من طريق آخر يوصلني الى غايتي سوى ذاك الذي يمر بالحضرة المقدسة، لا لأنه سيختصر المسافة التي تفصلني عن هدفي فحسب وانما لما يبعث فيَّ من سكينة وطمأنينة، ستعينانني بكل تأكيد على تبديد والى حد ليس بالقليل من متاعبي وهمومي. وأنا في دربي هذا وما ان إجتزت إحدى بوابات المزار الشريف وعلى حين غفلة ودون قصد، وعلى الرغم من حجم التدافع والتزاحم الكبيرين والتي عادة ما يشهدها المقام في مثل هذا الوقت، ومن بين عشرات العوائل والنسوة المفترشات الارض، سقطت العين على العين، فبدا كلانا كما الذي راح يسدد سهمه نحو اﻵخر وفي ذات الميقات.

هي لحظة خاطفة إذاً، أعادت بذاكرتي الى هناك، فرحتُ معيدا النظر من جديد بتلك المرأة بتمعن ولأستغرق من الوقت أطول من سابقه. وعند اللحظة التي كادت عيناها تفضحها وﻷنها أحسَّت ببعض حرج، لَجَأتْ الى مشاغلة نفسها بأمر ما، مستغلة رفع أذان الظهيرة وتلك الدعوات المصاحبة له والتي تحث على أداء فريضة الصلاة. هل لخجل ما إنتابها! لا أعتقد ذلك فلها وعلى ما أجزم من الأبناء ما يفوق عمري بسنين عديدة، أم تُراها هي اﻷخرى لم تصدق ما تراه عيناها! ربما. هل ستتسائل في سرها من أكون! هل أنا بعينه مَنْ أرجعها لسنين بعيدة! أم انها أرجأت ما أنبأته به ذاكرتها، أملاً في أن أقوم بحركة أو مبادرة ما لتتأكد وتعزز من صدق ظنونها وما ذَهَبَتْ اليه.

انها هي، اُقسمُ بحق هذا المقام المقدس والذي أدور برواقه وتحت رحمته وشفاعته وبحق السيدة الراقدة فيه. اُقسمُ بكل النوايا والصدف الطيبة والمستحيلة، التي أتت بي وبها وفي لحظة واحدة لتجمعنا في هذا المكان النائي عن اﻷهل والوطن المدمى. (رحتُ مفكراً)لنفترض ان اﻷمر قد التبسَ عليَّ بسبب خطوط العمر التي بانت على وجهها، لكني أجزم بأني لم اُخطىء التقدير أبداً، فها هي روحها وها هو حضورها. لا زالت تحمل والى حد كبير ذات الملامح ومذ رأيتها أول مرة في ذلك الحي العتيق، يوم كنّا

صغاراً نلهو في أحد أزقته. ضحكتها هي العلامة الفارقة والمميزة التي لا يخطئها السمع، بل قُل أني أراها من ضحكتها تلك، فهي معها وهي هويتها أينما حلَّت وارتحلت.

لم تتوقف دهشتي ولا قلقي، وكي أقطع الشك باليقين، شرعت من جديد بإعادة النظر وتقليب كل الإحتمالات بما فيها البعيدة وحالة من الإرتباك والتيه لا زالت تلازمانني، حتى رُحت وفي لحظة ما مشككا بما رأت عيناي. أهي الصدفة وحدها، أم هي ضربة حظٍ كنت قد يئست من أن تأتي ذات يوم ولكنها أتتْ . لم تتغير كثيرا رغم زحفها على السبعين من العمر، هذا حضورها وهذه بهجتها. بعض خطوط وغضون لامستا بل حفرت قليلا جبينها والوجنتين لكنهما لم يغيرا كثيرا من ملامحها، فحمرة خداها زادتها بهاءاً ونظارة وقبلهما أمومة وهيبة. بُتُّ في حيرة من أمري، فكيف لي أن أختبر ذاكرتي! ربما، وهذا إحتمال ضعيف جدا سَتُسمعني كلاما ثقيلا إن اقبلت عليها، وفي حالة كهذه أكون قد وضعت نفسي في مشكلة لست مضطراً عليها، بل لأكون صريحاً واضحا فأنا مجبر على فعلٍ كهذا، فليس لي من خيار آخر وليحدث ما يحدث!.

وقبل الشروع فعلا فيما انتويته إلتفتُّ الى من يرافقني والذي كنت قد نسيته لبرهة من الوقت بل نسيت حتى الغاية التي جئت من أجلها الى هذا المكان، بسبب الصدمة التي ما إنفكت تلازمني حتى بتُّ في وضع لا أحسَدُ عليه. سألت صاحبي ومن دون النظر اليه وحالة من القلق والإرتباك تلفّان بي، ماذا تقول، هل أقبلُُُ عليها؟ فها هي تنظر اليَّ بدهشة كما أنا مندهشٌُ وربما كنت أكثر منها. تفاجأ صديقي وأستغرب حالتي حتى بادرني: عمّا تتحدث، لقد احترتُ حقاً لحيرتك، ما لهذا الإضطراب الذي عصف بك ونزل عليك كالصاعقة؟ ما عليك يا صديقي سوى أن تُهدأ قليلا، فإن كان اﻷمر متعلقا بإحداهن ممن شدَّ انتباهك وشغل بالك، فيمكنك معالجة الموقف بروية، ولا أظنك عاجزاً أو قليل حيلة، وعهدي بك أن لا تخطىء ما تبتغيه. ومن غير أن أقوى على مقاطعته راح مسهباً كعادته: وسهمك ماض لا توقفه أو تمنعه أية عوارض أو حواجز، وانك لقادر على قراءة الوجوه والنوايا، ولا تنقصك حكمة التصرف والمبادرة، ولك من الخبرة ما يؤهلك لترويض أصعب الفرائس، حتى وإن بدت عصية أو تظاهرت بالتدلل والمحاذرة.

قلت له تمهل، لقد ذهبتَ بعيدا في ظنونك يا صاحبي، فالذي يدور بخاطرك ليس كما الذي يدور بخاطري، ولا شك انك أخطأت هذه المرة في تقدير ما اُفكر به، والأمر لايستحق كل هذا الإسترسال، فأنا الآن في حالة لا اُحْسَد عليها، أشعر أنَّ دواراً بدأ

يضرب رأسي، فالازمنة والاشخاص والاحداث واﻷماكن كلها تداخلت واشتبك اﻷمر عليَّ، وفي لحظة كهذه بتُّ أشعر بالحاجة لأن أسترجع وأعيدُ ترتيب بعض ما فاتني من الذاكرة، لذا ارجوك أن تبقى معي لبعض الوقت كي ندور المقام المقدس سويةً، فربما تسكن الروح وتهدأ عما أصابها من جرح طارىء، وكلّ ما عليك فعله هو أن تتحملني حتى أخرج من حالة الارباك التي تتملكني اﻵن.

أخيراً وبعد تردد وما أن أكملنا دورتين حول المزار المقدس، استجبت لنداء صاحبي ونصيحته، فحزمت أمري وعزمت على الإقتراب من جمهرة النساء على أمل ملاقات تلك المرأة. وقبل أن أشرع في الكلام وفي الطريق اليهن، أحسست بعبق الورد وعبق تلك الأيام الغابرة، معيدة بي الى ذلك الزقاق الذي كنت قد مُنعتُ من الدخول اليه لبضعة أيام بناءاً على وصايا ورغبة الكبار. وأنا موشك على الوصول اليهن كدت أعود أدراجي، فالمرأة التي أقصدها وعلى ما بان أمامي لم تكن بينهن في تلك اللحظات، ولكني راهنت على مَنْ كان برفقتها، فهن وعلى اﻷغلب ينتمين الى ذات المدينة وذات الحي الذي قَدمنَ منه، وهنَّ أيضا وسيلتي للوصول اليها:

ــ مرحباً

ردّت عليَّ إحداهن مرحبة بأجمل من تحيتي.

ــ هل تتذكرينني؟

وجهك ليس غريباً، ولكن دعني أفكر قليلا.

(أنتظرت جوابها ولا أخفيكم القول فقد كنت في حالة تراوحت بين الخجل الذي أصابني لحظة الإقبال عليهن، وبين اختبار ذاكرتها).

أجابت: اعذرني يا ولدي فأنا غريبة هنا وجئت لزيارة هذا المقام المبارك.

-أعرفُ ذلك جيدا، وانا مثلك غريب أيضاً.

ـ آه …هذا صحيح فأنت تتحدث بلهجة أهل بلدي.

ـ بل قولي بلهجة أهل مدينتك وحيّكِ..

(هنا وعلى وقع المفاجأة تراجعتْ قليلا الى الوراء، كي تعيد ترتيب جلستها، إستعداداً لحديث قادم سيكون أكثر جدية).

ـ أفهم من كلامكَ انك من مدينة ….؟

ـ نعم.

ـ وما الذي أتى بك الى هنا؟

ـ هذا حديث طويل يا خالتي.

إلتفتَتْ الى النسوة اللائي كنَّ يجالسنها ويشكلن نصف دائرة كبيرة نسبيا، وهنَّ يرتشفن الشاي بعد أن انتهين توا من أكل وجبة دسمة، كانت قد جرى إعدادها سلفا، لتعّبر تلك المرأة التي حييتها عن سعادتها، لملاقاتها أحد الاشخاص الذي سيعينهم حتما على تلبية بعض رغباتهن، غير أنها ولحد الآن لم تتأكد من شخصه، مما دفعها لأن تدور ما استطاعت وبكامل جسدها الى احدى النساء من بين اللواتي كنَّ برفقتها، غير أنَّ عباءة اﻷخيرة كانت قد حجبت عني ثلاثة أرباع وجهها، لتستفسر منها ان كانت تعرف هذا الشاب الواقف، فطريقته في الكلام وبعض ما تلفّظ به، تشير بل تؤكد على انه ليس غريبا عنّا. وبمجرد أن دارت هذه المرأة برأسها الى جهتي وركزت قليلا بوجهي حتى صرخت بصوت عالي، لتبدو كما الشخص الذي فقد صوابه، ومن دون أن تبالي أو تعير اهتماما أو اعتبارا خاصا لحرمة المكان المقدس الذي يحيط بنا: يا إلهي، انه قيس …. انه قيس إبن..… . تفاجأت بدورها المرأة التي كنت قد سلّمتُ عليها أول مرة، لتكمل حديثها معي:

إذن أنت ابن …..؟ (كعادة نساء الشرق، فإذا أردن التعريف بشخص ما، فسيلجأن الى إلحاق إسمه بإسم الأم لإثبات نسبه).

ـ بالضبط.

ـ لقد تغيرت كثيرا يا ولدي وكبرت قبل أوانك!.

ـ هذه الغربة وهذه لعبتها.

ـ ألم تفكر بالعودة بعد كل سنين الغربة الطويلة؟.

ـ وهل تغيَّر شيء يشجع على ألعودة؟ فبحسب ما يرد من أخبار فإن الامور في طريقها لأن تزداد سوءاً.

(ردت على قيس بلهجتها الخاصة والعامية وبتعبيرات بسيطة لكنها تنم عن عمق بالتفكير)

ـ ولكن عندي سؤال، أشو كلكم إنهزمتو، مدكَلولي منو راح يغيّر؟

بين أن يداري حرجه وبين أن يعيد للذاكرة تلك الأيام البهية التي مضت، راح قيس يدور في متاهة تنسيه عذاب التغرب ووحشة البعد عن الأهل والأحبة، مستذكرا ذلك الزقاق ورائحة الورد المشفوعة بالدعاء التي تصدر من بعض النسوة ممن يحضرن

طقوس الخلق، متمنيات ولادة طفل معافى، محروس من كل سوء، محمي بأئمة العشق وبكرامات رجال وهبوا ما يملكون في سبيل سعادة بني البشر. آه، كم هي جميلة تلك المعادلة التي تجمع ما بين العطر والولادة، فكلاهما يبعثان في الروح الراحة والرضا، قالها في سرّهِ.

أتعرف عزيزي القارئ ما كانت مهنة السيدة التي التقيتها في المكان المقدس؟

لا تحتاروا جوابا، انها القابلة المأذونة أم ….. . ليس مهما ذكر الإسم، المهم في اﻷمر انَّ على يديها وُلدَ العشرات بل المئات من أبناء حيّنا العتيق وأحياء أخرى من مدينتنا وأجزم أن هناك مَنْ يشابهنها في مدننا اﻷخرى.

( قد تكون لنا عودة لإستكمال موضوعنا هذا)

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close