نحن والكلاب، تجمعنا بذرة الضمير !

* د. رضا العطار

عندما نقول : ( الرجل الذي ليس له ضمير ) انما نعني بهذا القول ان غرائزه الانفرادية قد تغلبت على غرائزه الاجتماعية. فسبب الكثير من الاجرام يعود الى هذا الاتجاه.
فالغرائز الفردية هي تلك التي تبعثنا على ان ننشد مصالحنا الخاصة دون مراعاة مصالح المجتمع. اي انها الحيوان الذي لا يزال حيا فينا وهي فطرية لا تحتاج الى تعليم وتربية.

اما الغرائز الاجتماعية فجديدة ولذلك نتعلمها من المجتمع بالقدوة والدين والعادات واللغة والكتاب والمدرسة. ولهذا السبب نجد ان الانسان البدائي يمتاز بضمير ما، لان نزعة الاجتماع ببني جنسه تحدث له وعيا هو بالطبع دون وعينا بكثير، لكن هذا الوعي يحمله على ان يقدر مسؤوليته امام المجتمع كي يقدر مصلحته الذاتية.

انظر الى الكلب وانت تأكل، فإنه يشره الى الطعام ولكنه يحجم عن الخطف، لانه يخاف. وهو في هذا التردد بين الشره والخوف يحدث له وعيا يحرك ذكاءه ويجعله يحس بالمسؤولية.
والكلب حيوان اجتماعي يعيش معنا ويصادقنا. ونحن في منطق الكلب، كلاب مثله. ولكن انظر الى القط الذي لا يتأخر عن خطف ما في الطبق اذا جاع. والقط بالطبع حيوان انفرادي. يعيش في بيوتنا ولكنه لا يشترك معنا في عواطفنا. فاذا خرجنا لم يتبعنا. واذا دخل علينا غريب لم يهاجمه كما يفعل الكلب. ولذلك نحن نعجز عن تعليم القط السلوك الاجتماعي الذي يوافقنا ولكننا ننجح مع الكلب في هذا التعليم.

نحن والكلب من الحيوانات الاجتماعية التي نجد فيها بذرة الضمير. ولكن يجب الا نفهم من هذا ان الضمير يتكون بالفطرة. فان نظرة عاجلة في الانحاء تدل على انه ليس كذلك، وانه يكسب بالتعليم. وان ما نعده رذيلة في امّة قد يكون فضيلة في أمة اخرى. كظاهرة الضمد (زواج المرأة جملة رجال) والتي كانت تمارس عند العرب قبل ظهور الاسلام، وكما هي منتشرة في العصر الراهن في بلدان تبت وسري لنكا.

والضمير مؤلف من ثلاث ذوات:
1 – الذات البيولوجية، اي ما ورثناه من الحيوانات في الملايين من السنين الماضية. وهي احط ذواتنا التي نؤدي بها حاجاتنا البدائية. كالطعام والأنثى وغريزة الخطف و السيطرة. ولكنها مع انحطاطها فهي اقوى الدوافع عندنا، لأنها غرائز وشهوات في الاكثر، ذهنية في الأقل.

2 – الذات الاجتماعية، وهي مؤلفة من التقاليد والعادات والافكار الاجتماعية التي نستخدمها لمصلحة الذات البيولوجية السابقة دون مخالفة للمجتمع الذي نعيش فيه. وهي ذهنية في الاكثر، غريزية في الأقل.

3 – الذات العليا، التي تتألف من الدين والاخلاق والمثليات التي تحملنا على ان ننكر على انفسنا بعض المباهج، ونحن نكسبها في الطفولة من الابوبن ولكننا ننقحها بعد ذلك.

وضميرنا مؤلف من هذه الذوات الثلاث. ولكن الذات الاولى تتغلب في المجرم وتجعله انانيا لا يبالي بالمجتمع. في حين ان الذات الثانية تتغلب في الانسان العادي الذي لا ينحط ولا يرتفع. اما الذات الثالثة فتمتاز بها الصفوة في الامة. ووخز الضمير هو في النهاية الالم الذي نحسه للصراع القائم بين هذه الذوات الثلاثة في انفسنا. والضمير السليم هو الذي تتغلب فيه الذات الثالثة على الذاتين الاوليتين، او على الاقل تتغلب فيه الذات الثانية على الاولى.

ونستطيع ان نقول بعبارة اخرى: ان ضمير المجرم في الاغلب مؤلف من الذات الانانية العاطفية التي يجري نشاطها الاكبر في العقل الباطن.
وضمير الرجل العادي في الاغلب مؤلف من الذات الاجتماعية العاطفية او الذهنية.
وضمير الرجل السامي مؤلف من الذات الواعية المثقفة وان كانت جذورهذه الذات ترجع الى الاعجاب بالاب ايام الطفولة واتخاذ اسلوبه باعتباره البطل الذي نحب ان نقتدي به. تتداخل وتندغم في نفس الانسان هذه الذوات وتكون له ضميرا.

وهنا يجب ان نعرف كلمة (التسويل). فان النفس تسول احيانا نوعا من السلوك المنكر بتعليلات وتدليلات ذهنية حتى نقول ان الغاية تتبرر الوسيلة. فنعذب الحيوانات كي نصل الى استنتاج علمي، او حين يلقي الطيار بقنابله على شعب بحجة ان الوطنية تقتضي ذلك او ان نضرب الاطفال بغية تعليمهم.

وهناك الضمير الحسي والضمير العقلي، فالاول عام يشمل جميع الناس، بينما الثاني قليل جدا. فان اي واحد منا لو طلب اليه ان يقتل انسانا لرفض، ولكننا لا نبالي عندما نقرأ في الصحف اليومية خبر قتل الملايين من البشر في الحرب، ففي الحالة الاولى يقوم الضمير على التصور بالعقل، بينما في الحالة الثانية على الحس فقط.

ولذلك يمكن ان نقول ان هناك الضمير الذكي الذي يتأثر ويتفزز للحوادث البعيدة الغائبة عن الحس كما ان هناك الضمير البليد الذي لا يتحرك الا عندما تتحرك الحواس.

* مقتبس من كتاب عقلي وعقلك للموسوعي سلامة موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close