خليفة … يوصي أبنه … بوصية …وطن…فأين من باعوا الوطن ؟

د.عبد الجبار العبيدي

————————————-
جلسَ الخليفة على السرير..ورأى ان آجله أخذ يدنو من الرحيل..خاف على ابنه والوطن..فنادى على ابنه الكبير قائلاً : يا ولدي اريد ان أوصيك خيرا بنفسك والوطن..فلا تُقصر عنهما والا انت أيضا الى رحيل ..فاسمع ما أقوله لك : فقال الخليفة…

اريد ان أنصحك لتكون النصيحة بمثابة دستور لدولتك القادمة اليك …لتستوعب الملامح التي يبنى عليها الحُكم..وهذه الوصايا لك هي بحق حصاد تجربتي في حكم الدولة وبها حكمت ونجحت..

اسمع ما أقوله لك ونفذ ستنجح دون معارضة الأخرين:

وصيتي قد هيأتها اليك..وكتبتها بعناية شديدة لترتفع مكانتك بأعين الناس،فتكون مهابا مطاعاً،ووصيتي ستكون لك مرآة لعصرك في حكم الناس..فلا تنساها ولا تتركها ففبها حياتك وحياة الناس والوطن:

قال الخليفة :أنظر يا بني هذه المدينة ويقصد – بغداد –آياك ان تستبدل بها غيرها..ففيها مالك وعزك ..فأنك لا تزال عزيزاً مادام بيت مالك عامراً…فلا تفرط فيه.

ويقول له :يا بني أستدم النعمة بالشكر ،والمعذرة بالعفو،والطاعة بالتآلف ،والنصر بالتواضع ،ولا تنسى نصيبك من الدنيا نصيب الناس منها ..فهي كلها من رحمة الله. وقال له: لا تبُرم أمراً حتى تفكر فيه ..فلا شيء في الدنيا أخطر من العيش بلا تفكير..فلا يصلح السلطان الا بالتقوى ولا تصلح الرعية الا بالطاعة لله والحق..فانه

هو الحق،ولا تُعمر البلاد بمثل العدل،ولا تجلس مجلساً الا ومعك من أهل العلم من يحدثك..فالجهلة اعداؤك فلا تقربهم في أمر..

هذه وصايانا العامة..اما وصيتي السياسية لك : فهي وصية محكمة كتبت بعناية خاصة ..عكست روح الجد والصياغة والأداء ،لأنها مثلت حصاد خبرة الآب في الحكم والسياسة..وصية أشبه ما تكون بالقوانين والقواعد التي لا يُراد لها ان تُخرق.

نهض من سريره بعد ان اقشعر جلده وشعر ان المنية تدنو منه ليقول:أتقِ الله فيماعهد اليك من امور الرعية بعدي،يجعل الله لك فيها فرجا لحزنك وكربك ونعمة لك،ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب، أياك يا بني والدم الحرام،وألزم الحلال ، وأبعد الحرام ،ولا تعتدي ولا تخون،فأن الله لايحب المعتدين والخائنين،واحكم بالعدل ولا تشطط ،وأياك والآثرة..وتبذير أموال الرعية فأن النوائب غير مأمونة والحوادث غير مضمونة،وهي من شيم الزمان،ووسع المعاش على الناس ولا تدع فيهم معوز واحد،وسكن العامة ولا تبقي فيهم مشردا. وانظر في امور الرعية بعين مفتوحة ونفساً غير لاهية،ولا تنم ،ولا يدخل عينك غَمض الا وقلبك مستيقظ، ثم قال:

وظف في الدولة عيون نشطة تنقل لك ما يدور بحق وحقيقة..ولا تختار منهم الا من اتقياء القوم لتتجنب ظلم الناس فالظلم حَوب عند الله كبير..كلمة بالغة الحكمة والدقة – مقارنة بالمخبر السري اليوم- وقال أجلس للقضاء لتعلم منه الصدق والعدل والرحمة والسماح للرعية وأطلق المساجين وحقق بأمرهم وأمنحهم حقوقهم ولا تجعل الظلم يركن اليهم..فهم مواطنون مثلك في هذه الامة.

هنا ستستقر الدولة ويعم الامان والاستقرار والتماسك والقوة ..خذ من تجربتي تجربة لك..كتبت الوصية قبل 1277 سنة.

نقول لمن حكموا العراق في 2003 عليكم ان تحترموا شجاعة من يقول الحقيقة او حتى بعضها.لذا عليكم التعامل مع الموجود لأستنباط الحقيقة..ففي قراءة القرآن تفوقا في تقدم المبادىء والقيم..فالحب الذي يتغذى على الهدايا سيقى جائعا على الدوام..فخير الدروب ما ادى بسالكه الى حيث يقصد ويريد.

أنتم ايها الحاكمون يا من حنثتم اليمين وتحديتم الوصايا العشر..فبيتكم اليوم منقسم على نفسه فهو مهدد بالزوال..انكم والله مالكم من ثبات، ولا عزم ، ولا صبر على السيف..حتى اصبحتم ألغاز ملفوفة بالغموض..فما كانت هذه هي مبادئكم التي اعلنتموها للناس حين صدقكوكم قبل التغيير..لكنكم كذبتم على الله والناس .. فالمؤمن لا يسرق بلاده .. ولا يعمل مع اعدائه ،بل يحاسب نفسه للوطن..فالشهرة لا تعني لكم قيمة.

الناس لن يسكتوا عنكم ..واذا سكتوا يوما فلا تحسبوا صمتهم جبن او ضعف،فالأرض صامتة ولكن في جوفها بركان…فعليكم ان تتذكروا الماضي لانه محكوم عليكم بتكرار أخطائه التي لن تترككم ابدا تعبثون. التزموا بالمواثيق التي أقسمتم امامنا عليها بالوفاء للناس والوطن..والا ينتظركم الذل والهوان كما أنتم فيه اليوم.

أعتمدوا على انفسكم..وحصنوا منهج الدراسة ولا تبقوا اميا في الوطن الا وتعلموه..وأبنوا نظاما صحيا راقيا لكل الناس ..فلا تبقوا مريضا الا وعالجتموه..وهيئوا رزقا لكل محتاج ..فأموال الدولة اموالهم وليست اموال العابثين بها.ضعوا شروطا صحيحة لمن يعتلي وظيفة الدولة ولا تفرقون..ضعوا اموال الدولة في خزينتها ولا تمنحوها لمجالس المحافظات المزيفة ومحافظيها الخونة..حتى اصبحت الوظيفة تباع وتشترى كما في شهادات العلم المزورة ..حاسبوا من اساء واخطأ..فأحترام من لا يستحق الاحترام هو أهانة لمن يستحق.

اعيدوا للوطن هيبته ولا تجعلوا مثل البطاط الحقير يهدد دولتكم .اجلبوه حتى لو كان في دهاليزطهران الظلام..ابعدوا عن سياسة التغليس التي اتبعها من حكم الوطن.. واسحقوه سحقاً امام الناس ليكون عبرة لكل الاخرين .

عدلوا الدستور او غيروه ..وارفعوا المادة 18 منه..وابطلوا قوانين رفحاء والعفو العام فهي حصن للفاسدين..حققوا في الموصل وسبايكر وقدموهم لمحكمة القانون..مكنوا العراقيين من وطنهم فالعراق ملك لكل العراقيين ..

بمثل هذه الوصايا عليكم ان تستهلون حياتكم السياسية اليوم بعد ان عبثتم بالوطن والمال وهو ليس ملكا لكم..فأن المؤمنين منهم تعلموا في اكاديميات الكرام وعزة النفس والشجاعة والايمان بحتمية النصر- ولو انتم ليسوا منهم – لكن صحوة النفس قد تغير الاحوال كما في القلة من بعضكم اليوم.

العراقي الاصيل هو من يحدد قيمة نفسه بنفسه،ولا يصغر من شأنه حين يرى فخامة الاخر..كما رأيت اليوم بعضكم ينحني برأسه للايرانيين وينزع رباطه ليشعرهم باحتقار نفسه لهم..النفس لا تهاب الا الحق وليس الفخامات .. فلو كانت القيمة تقاس بالاوزان لكانت الصخور أغلى من الماس.

نعم في العراق اليوم الحوادث جلل..لكن الرجال صغار..فالعدل هو الاساس فلا تصغروا خدكم للباطل ..ولا تخافوا من الزمن مادمتم مؤمنين حقا بالوطن.

عليكم ان تعلموا :ان سبعة من الاشياء تدمر حياة الانسان هي: السياسة بلامبادىء..والمعرفة بلا قيم..والمتعة بلا ضمير.. والتجارة بلا اخلاق.. والثروة بلا عمل.. والعلم بلا انسانية ..وأخيرا العبادة بلا تضحية..وكلها قد اجتمعت فيكم..يا ويلكم من عذاب الله.

jabbarmansi@gmail.com

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close