قراءة في كتاب

عنوان الكتاب: التطرف العلماني

تأليف: سامي جواد المنذري

الطبعة الأولى 2018

دار الوارث للطباعة والنشر.

يتكتشَّف لقارئ مؤلفات بعض الشخصيات العلمانية العربية كثير من الثغرات، منها ما يخص المفاهيم المخطوءة التي يتناولونها، ومنها ما يخص اختيار فقرات من التراث الإسلامي التي يستشهد بها العلمانيون في كتاباتهم. هذا ناهيك عما يستخدمونه من عبارات فلسفية الغرض منها إبعاد ذهن القارئ عن صلب الموضوع وتشتيت أفكاره.

على أننا لا ينبغي لنا تكفير كل من يدعي العلمانية لأننا لا نعرف ما تكنّه صدورهم، كما أنه ليس من حقنا الحكم على ما تكنّه تلك الصدور. ولا بد من القول أنه ليس كل من يدعي العلمانية يكون على خلاف مع الإسلام. فقد تكون بعض الآراء التي يطرحونها لا تتعارض مع الأفكار الإسلامية اللهم إلا في صياغة العبارة فحسب.

من هنا يلزمنا أن نقرأ الخطابات العلمانية التي يدّعي العلمانيون أنها تؤدي إلى رقي الإنسان قراءة موضوعية. كما ينبغي أن يكون نقدنا لتلك الخطابات موضوعيا.

والتطرّف لغة تجاوز حد الاعتدال والحدود المعقولة، أو هو الخروج عن الوسطية والاعتدال. وغالبا ما لا يقرّ المتطرّف أنه متطرّف. ويعدّ التطرف الديني أخطر أنواع التطرف لأنه مرتبط بالمقدس الديني. وهو يعتمد على كثير من المفاهيم الفكرية المستوحاة من المخزون التفكيري التاريخي والتراثي. فتنزع من الشخص استقلاليته وإرادته وتبقي عليه عنصرا منفعلا. كما أن التطرّف فعل مؤسَّس على الغلو والاعتداد بالذات، وإقصاء المخالف.

أما العلمانيةsecularism ، فلا يتفق اثنان على إعطاء تعريف معين لها. ولكن يمكننا القول أنها مجموعة من المعتقدات التي تقتضي عدم جواز مشاركة الدين في المجالات السياسية والاجتماعية للدول.

وقد ظهرت العلمانية في أوروبا مع ظهور الصراع بين الكنيسة والعلوم. فلما تطورت العلوم، تبين أن ما كانت تتبناه الكنيسة من نظريات علمية قديمة كان غير

صحيح. وجرى تعزيز الأفكار العلمانية خلال القرن السابع عشر الميلادي عندما ظهرت الحاجة إلى فصل الدولة عن الكنيسة إثر هيمنة الكنيسة على السياسة والاقتصاد. كما أن الحروب بين الطوائف المسيحية في أوروبا قد عزّزت ذلك التوجه.

وقد اختلف المفكرون في تحديد معنى العلمانية فذهبوا مذاهب شتى. لكن خلاصة الأمر أنها فصل الدين عن الدولة.

أما تعريف الدين، فقد اختُلف هو الآخر في تعريفه اختلافا كبيرا. فمنهم من قصره على الدين السماوي ومنهم من شمل الناحية الأخلاقية والتفكر والتأمل. لكن التعريف المعول عليه هو أن الدين “اعتقاد قداسة ذات، ومجموعة السلوك الذي يدل على الخضوع لتلك الذات ذلا وحبا، رغبة ورهبة.”

إن ما يجب أن يعيه أي علماني هو أن القرآن الكريم هو خير من يمثل الخطاب الإسلامي. فاختيار العلماني لتفسير مذهبي سيمكّنه من إيجاد ثغرات يستغلها في توجيهه لانتقاده. ثم أن مواكبة النصوص لما يُستحدث من الثقافات والعلوم يمثل مشكلة أخرى.

بيد أن مدرسة الإمامية تتميز في رؤيتها أن عصر النص انتهى مع وفاة آخر سفراء الإمام(عجل الله فرجه)الأربعة عام 329 هجرية. في حين ترى بقية المدارس أن عصر النص انتهى بوفاة الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) عام 11 هجرية. وخلال القرون الأربعة عشر، تطورت علوم مثل علم الفقه وعلم الأصول وعلم الرجال والتفاسير وغيرها، ولا بد للعلماني من الخوض في هذه العلوم قبل المناقشة. فلابد له من معرفة الأحكام الشرعية وأقسام الأحكام التكليفية من وجوب واستحباب وحرمة وكراهة وإباحة.

ولكي يكون النقاش منطقيا ونافعا، لابد من التخصص بالمعرفة. أي أن تكون ثمة ضوابط للبحث العلمي في أي مجال من مجالات المعرفة. فما لدى أصحاب الحداثة والتجديد من اختصاصات ليس بالضرورة أنها تعالج مسائل الخطاب الإسلامي. فالبلاغة في صياغة الجمل والحذلقة واختلاق المصطلحات الفلسفية لا تغني من الأمر شيئا.

ففي حين يظن بعض المسلمين أن كتبهم مقدسة ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، نجد أن العلماني يسبغ على رأيه من القداسة الكثير. وبهذا فهو يحاول تسقيط المؤسسة الدينية كما يحاول تثقيف المجتمع علمانيا.

ولو أننا قرأنا موضوعا لكاتب علماني، لوجدناه مليئا باللف والدوران. وكثيرا ما يقع العلمانيون في التناقض، كما هو الحال مع الدكتور مصطفى ملكيان الذي يقع في تناقض فظيع عندما يتكلم عن حب النساء لدى المؤمنين، وكذلك مع الدكتور حسن حنفي في كتابه (تجديد التراث).

نجح مارتن لوثر عام 1517 في اعتراضه على أعمال القساوسة في رسالة مؤلفة من 95 نقطة يخص معظمها لاهوت التحرير وسلطة البابا في الحل من العقاب الزمني للخطيئة. وكان سبب نجاحه هو أن محاولته جاءت مما كان يحمله من معلومات عن الكنيسة والرهبان. أما علمانيو اليوم، فشتان بينهم وبين مارتن لوثر.

فثمة تناقض وتحارب بين العلمانيين أنفسهم، كما هو الحال مع الدكتور حسن حنفي والأستاذ طلعت رضوان. ويعتمد العلمانيون الشيعة والعلمانيون السنة انتقادات سطحية لبعضهم. بيد أن القاسم المشترك بين الطرفين هو أنهم “لم يستطيعوا تشريع قانون واحد يخدم المجتمع.”

ومن الشائع أن بعض العلمانيين غالبا ما يستشهدون بنص مبتور، أو أنهم يستشهدون بالآيات القرآنية وفق منظور سطحي يلائم أقوالهم ومقاصدهم. فالدكتور مصطفى ملكيان مثلا يستشهد بجزء من الآية 111 من سورة البقرة (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) دون النظر لكامل الآية الشريفة (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم…).

عند نقد الدكتور نصر حامد أبو زيد للخطاب الإسلامي, يعتمد النظرة الأحادية. فقد ذكر أن النظام الأموي فقد الشرعية باستخدامه للخطاب الإسلامي لتثبيت حكمه برفعه المصاحف على أسنة السيوف في المعركة. لكن (أبو زيد) لا يذكر الطرف الآخر الذي يقاتله معاوية, ذلك الطرف الذي كان يتمتع بمفهوم الحاكمية. وبذلك فلم يذكر أبو زيد عن خطاب ذلك الطرف الآخر أي شيء.

ويذكر الدكتور مصطفى مليكان بعض الروايات ليسلط الضوء على تناقض في السنة النبوية. فيذكر حب النساء: كونه من الإيمان وكونه من أسلحة الشيطان. لكنه لم يأخذ بالحسبان الظروف التي قيلت فيها.

ثم أن بعض العلمانيين اختلطت عليهم الأمور. فبعضهم يدعي أن العلمانية وليس الدين هي التي تضمن حق الفرد في ممارسة طقوسه الدينية. كما أنهم يستشهدون بالحكام الإسلاميين الذين لا يحترمون حقوق الإنسان. وهم يقولون أنه ما من أحد أقيم عليه الحد في التاريخ الإسلامي سوى الفقراء. ونسوا أن ذلك من عيوب الحكام وليس الإسلام.

على أن العلمانية تتجاسر على حقوق المرأة بتغاضيها عما حبته التشريعات الإسلامية من خصوصية. ويمثلون لذلك الإرث متناسين أن لذلك أسبابا موضوعية، وأن من حق مانح الإرث خلال حياته أن يقسم إرثه كيف يشاء: بالتساوي والتراضي. أما في المجتمعات الأخرى، مثل بريطانيا، فلا تمنح البنت إلا ما يقرره لها أخوها الأكبر بحجة الحفاظ على أملاك العائلة. وفي مجتمعات أخرى يوصي الأثرياء بأموالهم لكلابهم وحرمان أولادهم منها.

ومما لا يتسع المقام لذكره في هذه العجالة تهجم العلمانيين على الإسلام فيما يخص الرق ويتناسون ما يعج به تاريخ أمريكا وبريطانيا من سوء معاملة العبيد، وما لدى اليهود من مواقف ضد البشر عموما والرقيق على الأخص، وما لدى النصارى من عدم وجود نص يحرّم الرقيق.

نقول أنه لا بد من أن يطّلع العلماني على الأمور عن كثب ثم ينتقد. لكن العلمانيين هذا ديدنهم عندما ينتقدون ما حدث بعد وفاة الرسول الكريم(ص).

وثمة من دافعَ عن براءة الدين من الإرهاب والعنف في عصرنا الحاضر. فمثلا الكاتبة كارين أرمسترونك مؤلفة كتاب(حقول الدم: الدين وتاريخ العنف) التي قالت أننا(نحن شوهنا صورة الشريعة الإسلامية…).

ثمة أمور أخرى ينبغي أخذها بنظر الاعتبار كالتقديس والمقدس وهرطقة المصطلحات وما إلى غير ذلك.

قراءة

أ د حميد حسون بجية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close