مسيحيو العراق وتراثهم مُهدد بالإندثار وسط صمت المسؤولين

دكتور/ علي الخالدي

لقد شهدت فترة ما بعد 2003 زيادة حادة في باس معاملة القوى الإسلامية المتشددة والمتطرفة لمعتني الديانة غير الإسلامية ، وبصورة خاصة المسيحيين منهم . لُمس ذلك بعد سيطرتها على مقاليد مرافق الدولة التنفيذية بتخطيط مدبر أعد في الخارج ، فنشرت عناصرها بترتيب إستطاع خلق العثرات في تنفيذ المسائل التي تهم مصالح عموم الشعب العراقي خلال 16 عاما ، وخصوصا بعد تبني نهج المحاصصة الطائفية والإثنية ، الذي بواسطته ترجحت سياقاتها الطائفية في كافة مفاصل الدولة العراقية الإدارية والأمنية ، ناهيك عن سيطرتها على الحراك الإجتماعي محولة سياقات النهج الطائفي لكلا مذهبيها ، لسد يمنع الإختراق إلا من خلال نهج المحاصصة المقيت

فصفى الجو للقوى الطائفية والمتلوين الراكضين وراء المناصب ليزوروا حتى الشهادات العلمية ، في أجواء كثر بها حديث وتصريحات قادة الكتل والأحزاب ، بأن جهودا تبذل لتعزيز الإخوة بين مكونات شعبنا وخاصة مع سكانه الاصليين من مسيحيين وصابئة مندائيين ، بينما كانت عناصرهم الطائفية تعمل بالضد من ذلك . فإجراءاتهم أوقفت تعيين الكوادر الوطنية الكفوءة في الكثير من الدوائر الإدارية والأمنية وحتى الجامعات ، إلا من ناصرها مذهبيا ، لا بل إنهت خدمات العديد منهم وخُصوصا المسيحيين والصابئة ، وكأنهم ليسوا بعراقيين من سكنة ارض الرافدين وباني حضارته التي يفتخر بها العالم (مؤخرا تُشير الاخبار إلى أن أحد مسؤولي المطار المدني في بغداد أمر بإزالة الثور المجنح من أحد اروقتة ، بينما لا زال منصوبا في أحد ساحات لندن). إن هذا السلوك وغيره بحق بناة حضارة أور وبابل ونينوى ، يأتي ضمن مسار دثر آثار ما بناه أجدادهم ، إستعدادا لتهجر ما تبقى منهم في أرض أجداده . واليهود على حق عندما تنبأوا للمسيحيين نفس المصير ، عند سبيهم وفرهدت ممتلكاتهم وتهجيرهم بالتعاون مع القوى الأمبريالية عام 1948 ، لتكوين دولة للصهائنة في المنطقة بقولهم نحن السابقون وانتم اللاحقون حيث ما تنبأوا به يجري حاليا على قدم وساق ، إذ بعد إسقاط الدكتاتورية عام 2003 ، بدأء التهجير القسري بحق مكونات شعبنا العرقية من مناطق الوسط والجنوب ، في أجواء صمت صُقل إعلاميا لمسؤولين ، بأنهم ضد حملة التهجير وإنهم ساعوون لإعادة ما نهب منهم من ممتلكات ، لكنهم ليومنا هذا لم يقوموا ما يؤكد ذلك إلا نادرا ، خاصة عندما لاحظ الناس أن الميليشيات التي أسست لحماية أطراف نهج المحاصصة ، لعبت دورا تنفيذيا في هذا المجال ، مكونة جبروت لها إمتد ليشمل مرافق الدولة ، حيث وجد الفساد طريقا سالكا لينتشر فيها ويتواصل إنتشاره لينهب خيرات البلاد ، معطيا إنطباعا عن تواجد دولة عميقة عمادها حيتان الفساد والطامعون بخيرات الوطن لتحقيق أجندات دول الجوار . وهكذا في أجواء التخويف والصمت يتواصل تهديد المكونات العرقية لشعبنا ، وخاصة في سهل نينوى بإستعمال القوة بحقهم إذا لم يتركوا مناطقهم ، وهنا لا يمكن للمرء إلا أن يعرب عن أستغرابه وأسفه لتحول بعض العناصر التي تراجعت عن مواقفها الوطنية امام الضغط الشديد من مسؤولي الدولة العميقة وميليشيات الاحزاب الإسلامية المتطرفة ، التي إستخدمت النهج اللاوطني بحرف العملية السياسية عن سكتها الحقيقية . مستغلين الخلفية الإجتماعية للأحداث الجارية ، لنشر الفكر المذهبي الطائفي

إذا لم يوقف زخم هذا الفكر ، و لم تشرع قوانين تصب في صالح الجماهير الفقيرة ويجري تعديل الدستور الذي فصله بريمر مع الكتل الإسلامية والقومية المتحاصصة ، فسيصبح العراق مشروعا قائما للتقسيم ، سيما وإن بوادر ذلك قد برزت بالدعوة لتشكيل الأقاليم . وستبقى جماهير شعبنا مكتفية بشم ريحة الإصلاح والتغيير الموعود ناهيك عن الديقراطية التي تحدثوا عنها كثيرا

وسط تلك الإجراءات التي أستفحلت حاليا بدأت جدية تحرك الكنائس المسيحية الذي لم يتوقف منذ إشتداد حملة إضطها المسيحيين ، وهي تطالب بوضع حد لإيقاف عملية التهجير وإخفاء تراثهم الحضاري . مما حدى بالكاردينال لويس روفائيل ساكو بطريرك الكلداني على العالم ، أن يُعرب عن تخوفه من أختفاء المكون الأصلي للسكان ارض الرافدين ، فثمة أقلية باقية وغير نازحة تصر على بقاءها مؤكدا بأن المسيحيين مهجرون مؤجلون ، ولغة الأرقام خير دليل على سعة التهجير ، فقد كان الجنوب و وسط العراق عامرا بالمسيحيين والصابئة المندائيين ، و بسبب التهجير القسري تناقصت أعداد المسيحيين من مليون ونصف قبل الإحتلال إلى اقل من 500 الف نسمة حسب ماجاءت به محطة ال ب ب سي البريطانية

ليومنا هذا لم تنصف قضية المكون المسيحي في أي حكومة من الحكومات المتعاقبة ، حتى أن عيد القيامة المجيد مرعليهم كاي يوم عادي ، بحيث الطلبة ذهبوا لمراكز دراستهم لإداء الإمتحانات في هذا اليوم المجيد ، ناهيك أنهم لا زالوا يعانوا محنة العودة لديارهم . وليس هناك نية تلوح في الأفق تُسهل عودتهم لمدنهم الأصلية ، إذ أنه لم يجري ترميم وتأهيل مساكنهم لاجل العودة ، وإذا لم يتحد المسيحين ويشكلوا موقفا موحدا فان قدوم الايام ستشهد حملات أكثر عمقا تُطال حتى أثرهم الحضاري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close