أوراق بغداد…1

د. اكرم هواس

ان تكتب عن بغداد فانك لابد ان تصاب بالدوار … مدينة كانت يوما عاصمة العالم و حلم محبي قيم المدنية و الحضارة و الفكر والعلم و الجمال و كذا مقصد تجار الأموال و السلطة و الباحثين عن الكنوز و رموز التاريخ و معنى الوجود و هواة المغامرات و ناشري الموت و الدمار… كل الامال و الرغبات وجدت طريقها الى بغداد.. و كل المتناقضات حفرت في ذاكرة أرضها و بساتينها و مياهها و أجيالها المتعاقبة….

نعم … ازاء هذا التراكم الهائل من عبء التاريخ الطويل فان الوقوف للحظة واحدة في اية بقعة في بغداد تصيب المراقب بالدوار … كيف يمكن اختزال كل هذه الأشياء و الأشياء و الكتابة عن بغداد من خلال تجربة قصيرة لا تتعدى اكثر من ثلاث أسابيع..؟؟..صحيح اني كنت قد زرت بغداد قبل عشر سنوات زيارة خاطفة لكن غيابي طال اكثر من ثلاثة عقود شهد العراق خلالها واحدة من اصعب مراحل تاريخه الحديث … ثلاثة حروب دولة و سنوات طويلة من الحروب الداخلية و الصراعات الدموية أدت الى انتشار الفقر و الفوضى و تشظي اجتماعي رهيب و عجز شبه تام في عمل مؤسسات الدولة وظيفيا و وجوديا..

لكن رغم توالي حقب الدمار ودوران طاحونة الموت فان المفاجأة التي أنقذتني من صدمة التقاطع مع الواقع المريع كانت ان بغداد … او اجزاء واسعة منها … تتمتع بأعلى درجات جمال المدن الحديثة من حيث وسع الشوارع و نظافتها و انتشار المباني الجميلة مراكز التسوق الكبيرة جدا و المقاهي وووو… نعم … بشكل ما رأيت ان بغداد تتفوق على الكثير من المدن الكبرى التي تسنى لي زيارتها في الشرق الأوسط و اوروبا و شرق اسيا .. (سأعود و اتحدث عن مختلف مناطق بغداد و طبيعتها الجغرافية و الديمغرافية من حيث انتشار الفقر و الإهمال و التمتع بأعلى أسعار العقارات و الحياة المرفهة جدا)..

لكني سأبدأ من رحلة العودة .. او الذهاب الى مطار بغداد و المرور من بوابة الإجراءات الأمنية القاسية جدا الى حد الإرهاق و التي تجعل من المستحيل تقريبا إقناع اي شخص في هذا العالم بزيارة العراق لكسر العزلة الدولية و بالتالي اعادة ادماج العراق في اطار الحراك الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي في العالم… اي تطبيع الأوضاع في الأوضاع في العراق و ربطه بالعالم..

من الطبيعي جدا ان المجتمعات التي تتعرض لمشاكل أمنية فان السلطات تضطر لتشديد الإجراءات الوقائية حماية للمواطن و توفير السلامة العامة … شخصيا اتذكر مثل هذه الإجراءات في بروكسل التي تعرضت مطاراتها و بعض احيائها المهمة الى تفجيرات قبل حوالي السنتين حيث نزلت قوات خاصة في الشوارع و في الطرق المؤدية الى المطار .. لكن كان هناك حرص واضح على عدم إرعاب المواطنين ( اتمنى ان نتذكر هذه النقطة في المقالات اللاحقة)…

في بغداد … الطريق الى المطار الدولي جميل و منظم بشكل رائع… و كذلك فان القائمين على الإجراءات الأمنية هم من الشباب الذي يبتسم دائما و يظهر درجة عالية من التضامن و تفهم انزعاج المسافرين … لكن تكرار الإجراءات توحي و كأنها تهدف الى ازعاج المسافر اكثر مما يوفر الطمأنينة.. الإجراءات تتضمن اكثر من 8-9 مرات من النزول من الحافلة و تفتيش الحقائب و عرضها على الكلاب البوليسية وووو… و المسافة بين نقاط التفتيش لا تتجاوز احيانا 50 متر و كل هذا يجري في منطقة Security Zone كما هو مذكور في كل مكان و بالتالي فهي مقطوعة نهائيا مع العالم الخارجي حيث ان الحافلات الناقلة للمسافرين هي حافلات داخلية و لا تخرج من المنطقة ابدا..

الملاحظة التي لا أستطيع تخطيها هي ان هذه الإجراءات تقوم بها احدى شركات التامين العالمية ( لا اريد ان اذكر اسمها)… و هذا ما خلق لدي شك بان هناك استثمار في حالة الرعب التي شهدها العراق… لكن من المؤكد ان هذه الشركات تستحصل أموالا هائلة من الدولة العراقية و بالتالي فانها تضع الخكومة العراقية امام احتمالين أحلاهما مرّ كنّا يقال… و مكلف جدا… إما الحفاظ على القفص الذي صنعته شركات التأمين و بالتالي مواصلة العزلة الدولية و تصور العراق و كأنه بعبع لا يجب الاقتراب منه… او الانفتاح وفق معايير شركات التأمين و منظمات التمويل الدولية و بالتالي زيادة النزيف الاقتصادي و تدهور الوضع الاجتماعي لغالبية العراقيين مما يعني الاستمرار في الدوامة المرعبة..

هل يمكن للحكومة العراقية ان تفعل شيئا في هذا الإطار ..؟؟… هذا ما سنحاول ان نناقشه في المقالة القادمة… حبي للجميع

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close