الـفـرزة الثـانية

الـفـرزة الثـانية

وفي منـزل جاني جاءت ولادات من بعدي وهي أخي محمـد علي وأخي نـجاح وأخـتي

عـبـله توفي اخي محمد علي وهو بعمر السنه على ما أعتقد وقد حمله أبي بين ذراعـيه

ملـفـوفاً بـقـماش أبيض الى المقبرة حيث رافقـتُهُ وهو يحاول إقناعي بالعودة الى البيت

لكنّي صممتُ على مرافقته كانت المقبرة قريبةً بحيث ذهبنا سَيراً على الاقدام ولأولِ

مرةٍ أرى القبور وأرى رجلاً ذا لحيةٍ مصبوغةٍ بالحِنّاء يلف على رأسه عمامةً بيضاءً أخذ

أخي من بين يديّ أبي وأدخله حُجرةً لم أتبين ما بها وغلق الباب ثمّ عاد وحفر حفرةً في

مكان قريب من الحُجرةِ ووضع بها أخي ثم واراه الـتـراب بقي هذا المنظر يُـؤلـمُـني

فألجأ الى أمّي لأتعرف عن موضوع أخي فتقول لي : هـذا صار طـير من طـيور الجنّه

فأسكت ويبقى الحُزن في داخلي ثم بعد أخي محمد علي جاء أخي نـجـاح وهذا الاسم

أنـا أسـميتُهُ به تيمناً بصديق طفولتي نجاح خضير لاجي فوافقاني عليه وكنتُ مسرورًا

وفي ربيع عام 1946 تُـقَـررُ العائلة الذهاب الى قضاء جصّان لزيارة عمّي عـبّـود الذي

كان معلماً في مدرستها الابتدائيه ركبنا السيارةَ وكانتْ من النوع الكشف أي بلا سقف

وهي سـيارة حمـولة صعـدتْ العائلة وأنا معهم وانطلـقـت الـسـيارة وكان أخـي نجاح في

حضن أمّي وجميعنا جالـسـين على أرضية الـسـياره كان الهـواء ما زال فـيـه لذعاتٌ من

برد الشتاء بحيث جلسنا متراصين وما هي إلّا ساعات أقول ساعات لأن الطريق كان

تُرابياً وَعِراً حتى وصلنا الى جصّان فإذا بنا نـدخل بـيـتاً طينيناً فيه حُجرتان وفـسـحة في

وسـط الدار وعـند دخولي تفاجأتُ بكـلـبٍ لون شعره أصفـر ضاربٌ الى الحُـمـرةِ مقطوع

الذَنَـبِ تقربتُ منه فإذا به يُـكـشـرُ في وجهي مع زمجرة أرعبتني وهـي المرّةُ الاولى التي

أرى فيها كلـبـاً عندها تدخّلتْ إبنة عمي صِدّيقه وهو اللـفظ الصحيح وليس صَدِيقه

الذي يلفظه الناس فـزجرتهُ فـتراجع وصعـدَ الى سـطح الدار نعم كانت المفاجأة مُـرعِـبةً

بعد ساعةٍ أو ساعتين شعرتُ بالجوع فطلبتُ من أمّي شيءً لآكُلهُ ذهبتْ أمّي الى إبنة

عمي وهي المـسـؤولة فوضعت لي قليلاً من الـدِبـس في ماعـون الشاي فأجهزتُ عليه

بلمح البصر ثم عُدتُ لأطلب من أمّي الدبسَ ثانيةً فـتـذهب أمّي الى إبنة عمّي ويدور

نقاشٌ علتْ فيه الاصوات إنتهى بذهـاب إبـنة عـمي مُكرهةً لتلك الحجرة المظلمة

وأنا معها فأرى صفيحة الدبس الملآنة واقفةً الى جنب الباب ورأيتُ أشياءً اخرى لا

أعرفها فَغَرَفتْ لي منها شيءً قليلاً لتضعه في نفس الماعون لكني طلبتُ زيادةً عليه

فأضافت قليلاً على مضضٍ ، أكلتُ ما في الماعون وكان بودّي المزيد .

في اليوم الثاني أصعد الى سطح الدار فأجد الكلب فيُصيبني فزعٌ أكبر فأخذتُ

فجاؤوا إليَّ يُهرعون الى السطح وطردوا الكلب ولم أعـد أرى أثره حتى عودتنا .

وفي نفس اليوم أو في اليوم الذي يليه خرجتُ عارياً وبيدي سكينٌ صغيرةٌ ، سِرتُ في

طريقٍ أخذني الى منحدرٍ ثـم الى منحنى طريقٍ فقطعتُ مـسـافةً لا أدري مقـدارَها ولا

أين وجهتُها وبينما أنا في هذا التجوال تحـرّكَ بطني فلا أجـد خيراً من هـذه الخـلوةِ فلا

رقيب ولا حسيب وفي خلوتي هذه كُنتُ أنبش الارض بـالسـكين التي معي سـارحًا

بأفكاري حتّى أفاقني صواتٌ جاء من جهتي اليُـسـرى[ لكيناه لكيناه ] أي وجـدناه

وكان في المقدمة إبن عمي صادق الـذي حملني دون أن يتبين ما عَلِقَ بيَ لأنّ الفرحةَ

بالعثور عليَّ كانتْ أكبر من الانتباه الى بقايا الحَدَثِ الاكبر العالقِ بيَ .

بقينا في جصّان أياماً كُنتُ أذهب فيها الى نهر يُسمى بالمحموله يـنـبع من الجـبال

المتاخمه بيننا وبين الاراضي الايرانيه وهو ماءٌ مالحٌ يأتي له الناس لغـسـل أوانـيهم

وملابسـهم ومن هذا النهر يشربون وبه ينعمون طيلة أيام الشتاء والربيع ثم ينقطع

عنهم أيّام الصيف وقـد أخـبرني إبنِ عمّي صهري الحاج ناصر مؤخـراً أنَّ هناكَ نهراً

آخرَ صغيراً يتدفق من الحدود الايرانيه العراقيه مـاؤهُ عذبٌ يشربُ منه ألأهالي

وبعد أيام عُـدنامن حيث أتينا بنفس الطريق وبنفس السياره على ما أتوقع وذلك

لندرة السيارات ووعورة الطريق وفي هذه السفرة تعرض أخي نجاح الى إصابةٍ

مِـعويةٍ حـادةٍ تسببت بنكسةٍ وكان صدر امي لا يدر الحليب بعد أن لدمتْ عليه

عند وفاة جدي الحاج حمادي فتسبب اللدم بتمزيق قنوات الحليب واختلاطه

بالدم وإنّـي أتذكر ضحى ذلكَ اليوم جيداً حين طلبت مني أمي أن أهزّ كاروك [ مهد ]

أخي وهو يصرخ ، ذهبتُ له وأخذتُ بهزِّ الكاروك إلّا أنّه لم يسكت عندها تركتْ

والدتي ما بيدها وحملتْ أخي وما أن حملته حتى أخذ يسيل ما هو أشبه باللعاب من

فـمـهِ فصاحتْ العلويه نجيبه أم صادق وهي من أهـل البصرة ومعـرفـتها بـنـا تعـود الى

زمـن سـكن والـدي ووالدتي في بيت العلويه ميّاسه أقول صاحت العلويه عَـدّلي راسـه

طلعت روحه وبعد ذلك طلبت مني أن أذهب الى أبي حضر أبي بعد ان فارق اخي

نجاح روحَهُ واسلمها الى بارئهِـا ، كان ذلك في عام 1946 وكان قبره الى جانب قبر

أخيه محمد علي وقد تولّى دفنه الشيخ محمود اللذينه أيضاً .

وهنا أود الاشارة الى أن المقـبرة كانت تمـتـد من ظهر سجن الكوت الى نهاية شـارع

الجديده الذي اصبحت المدرسة الشرقيه حالياً جزءً منها حيث كانت تمتد الى

ملعب الكوت الرياضي وفي المقبر يوجد مزارٌ لأهل الكوت في موسم الاعياد

يعود للعلويه شريفه نُقِلَ رفاتُها الى طريق العمارة قرب قضاء شيخ سعد بعد

إزالة القبور وبناء المدرسة الشرقية وبعض الداكين في خمسينات القرن العشرين .

بقيت المساحة الباقية فضاءً متروكاً يُـسـتغلُ كمدينة العاب أثناء الاعياد حيث

تُنصبُ الاراجيح ودواليب الهواء الى الاطفال فتصبح مصدر رزقٍ لأصحابها ثم

بُني مستوصفٌ صحيٌّ ومدرسة ابتدائية للبنات اسمها الفاطمية في سـتينات القرن

العشرين ثـم في أواسط السبعينات أصبح القسم الباقي من المقبرة متنزهاً ولم ينجح

بسبب الاهمال وهو الآن موقف للسيارات في وسط مدينة الكوت في عام 2016 .

إحتظنَ أبي أولادَ أخيه عسّاف بعد وفاتهِ على أثر التهاب الزائده الدوديه التي اودت

بحياته قبل وصوله الى مستشفى المـجيدية [ المستشفى الجمهوري او التعليمي ]

الواقعة في منطقة باب المعظم ببـغــداد وقربها تنفجر الزائدةُ وتتسبب بوفاته .

أخبرتني والدتي أنّ جـدتي زنـوبـه كانت تُعالجهُ بوضع الاحجار الحارة على بطنه ظـنّـاً

منها أنّـه يُـعـاني من آلام بـرد فتفاقم إلتهابها والعلاج الصحيح في مثل هذه الحالة هو

وضع الثلج على مكان الالم وفي بغداد كان اجله ثم منها يُنقل جثمانه الى النجف ولا

تـدري نفسٌ ماذا تكسبُ غدًا ولا تدري بأيِّ أرضٍ تـموت .
الحاج عطا يوسف منصور

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close