تأملات في القران الكريم ح424 سورة نوح الشريفة

بسم الله الرحمن الرحيم

أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً{15}
تستمر الآية الكريمة ( أَلَمْ تَرَوْا ) , تنظروا , ( كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً ) , على شكل طبقات , بعضها فوق بعض .

وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً{16}
تستمر الآية الكريمة ( وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ) , جعل القمر في هذه السموات نورا , ( وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً ) , يستضاء بها كالسراج .

وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً{17}
تستمر الآية الكريمة ( وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً ) , أنشأكم من التراب .

ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً{18}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ) , في الارض بعد الموت , مقبورين , ( وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ) , للحشر .

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً{19}
تستمر الآية الكريمة ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً ) , مبسوطة , ممهدة كالبساط , تتقلبون وتنتقلون عليها .

لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً{20}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ) , لتسلكوا في الارض طرقا واسعة .

قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً{21}
تستمر الآية الكريمة على لسان نوح “ع” متوجها الى الله تعالى , بعد ان فرغ من خطاب قومه ( قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ) , لم يطيعوني في ما آمرتهم به , ( وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً ) , الفقراء من القوم أتبعوا ذوي المال و ذوي الكثرة في الاولاد وهم الرؤساء او ذوي الجاه , اما الاغنياء فبعضهم يتبع بعضا , مع علمهم ان كثرتهم وكثرة مالهم لم تزدهم الا خسارا , كفرا وطغيانا , وبعدا عن الحق .

وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً{22}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ) , يختلف المفسرون في الآية الكريمة , فمنهم من يرى :
1- ان الرؤساء مكروا مكرا كبيرا بتابعيهم من الضعفاء والفقراء .
2- ان الرؤساء مكروا مكرا كبيرا بنوح “ع” ومن تبعه , فعرضوهم الى شتى انواع الاذى .
3- الجمع بين الفقرتين جائز ايضا .

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً{23}
تروي الآية الكريمة على لسان رؤساء القوم مخاطبين تابعيهم ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ) , لا تتركوا عبادة الهتكم , الى عبادة الله الذي يدعوكم نوحا “ع” لعبادته , ( وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ) , جملة من اسماء اصنامهم التي كانوا يعبدونها , مما يروى بشأنها انها اسماء رجال صالحين , في الفترة بين آدم ونوح “ع” , لما ماتوا , حزنوا لفراقهم , فصوروا لهم صورا ليأنسو بها , وربما وضعوها في بيوتهم , بمرور الوقت , غرر أبليس بأجيالهم اللاحقة , واخبرهم ان اباءهم كانوا يعبدونها , استمرت من ذلك الحين حتى وصلت الى العرب , فاتخذت قبيلة كلب ودا , وقبيلة هذيل اتخذت سواع , وقبيلة مراد اتخذت يعوق , وقبيلة همدان اتخذت يغوث , وقبيلة حصين اتخذت نسر .

وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً{24}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً ) , يعني الرؤساء اضلوا بالأصنام كثيرا من الناس , ( وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً ) , مما يروى في هذا الخصوص , ان الله تعالى اوحى الى نوح “ع” { وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }هود36 , فدعا عليهم بالهلاك والتدمير .

مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً{25}
تستمر الآية الكريمة مبينة ( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ) , بسبب خطاياهم :
1- ( أُغْرِقُوا ) : بالطوفان , وهو عذاب دنيوي .
2- ( فَأُدْخِلُوا نَاراً ) : بعد الموت , نار البرزخ حيث ان القيامة لم تقم بعد , وهو عذاب القبر , وهناك رأي أخر يقول (إذا مات الأنسان قامت قيامته) , بمعنى إن هناك قيامة خاصة بكل إنسان وقيامة عامة لجميع الخلائق , او على إعتبار إن الاخرة حق ولا ريب فيها فهم فيها كمن دخلها فعلا , على آراءٍ أخرى.
3- ( فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً ) : بسبب كفرهم وخطاياهم اعدموا الناصر , فلم تنصرهم الهتهم .

وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً{26}
تروي الآية الكريمة دعاءً حازماً لنوح “ع” ( وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً ) , أي رب لا تترك احدا من الكافرين يتحرك على الارض ويدور فيها .

إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً{27}
يستمر كلامه “ع” في الآية الكريمة ( إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ ) , ان تتركهم من غير هلاك , ( يُضِلُّوا عِبَادَكَ ) , يبعدوهم عن طريق الحق , ويحرضونهم الى عبادة الاصنام , ( وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً ) , لا يكون في اصلابهم رجالهم وارحام نساءهم الا من هو مائل الى الكفر والعصيان , وذلك لما أوحى الله تعالى اليه “ع” { وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }هود36 .
( عن الباقر عليه السلام إنه سئل ما كان علم نوح حين دعا على قومه أنهم لا يلدوا إلا فاجرا كفارا فقال أما سمعت قول الله تعالى لنوح عليه السلام إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) . “تفسير القمي” .

رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً{28}
يستمر دعائه “ع” في الآية الكريمة , وتضمن محورين اساسيين :
1- ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) : في هذا المحور عدة منحنيات :
أ‌) ( رَبِّ اغْفِرْ لِي ) : طلب المغفرة لنفسه “ع” اولا , لكنه “ع” معصوم , فيرجح اصحاب الرأي عدة امور لطلبه “ع” المغفرة , منها :
أ-1- ذنوب المعصومين من باب ترك الاولى .
أ-2- قال “ع” ذلك تأدبا في حضرة الباري جل وعلا .
ب‌) ( وَلِوَالِدَيَّ ) : من باب برهما , علما ان بر الوالدين على وجهين , الوجه الاول : في حياتهما , والوجه الثاني : بعد موتهما , وذلك بالدعاء لهما , ولو مرة واحدة في العمر .
ت‌) ( وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ) : وشمل بدعائه “ع” كل من دخل بيته شريطة الايمان , وهنا تختلف الآراء في بيته , منها :
ت-1- ( بَيْتِيَ ) : بيته “ع” الذي يسكن فيه , وهذا ضعيف .
ت-2- ( بَيْتِيَ ) : بمعنى موطني , وهو ضعيف ايضا , لا يصمد امام النقد .
ت-3- ( بَيْتِيَ ) : بمعنى مسجدي , ان كان دعائه “ع” مخصوص لتلك الفترة ,
قد يكون ذو صواب , لكن دعائه “ع” لا يشمل زمانه فقط , بل
امتد الى كل الازمان اللاحقة , كما سنرى .
ت-4- ( بَيْتِيَ ) : بمعنى مسلكي ومنهجي , وهذا الرأي راجح ومحتمل , لان
جميع الرسل والانبياء “ع” على منهج واحد .
ت-5- ( بَيْتِيَ ) : بمعنى خط النبوة والرسالات السماوية , وموالاتهم وموالاة
أولياءهم , والتبري من اعداءهم .
ث‌) ( وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) : هنا يدعو “ع” الى جميع المؤمنين والمؤمنات , في كل زمان ومكان , سواء المتقدمين على زمانه “ع” , و الذين آمنوا به في زمانه , وسائر المؤمنين الى يوم القيامة , ما يدل ويشير الى ان دعائه “ع” لم يكن محصورا في زمانه فقط , عليه فليدرك المؤمنون انهم مشمولين بدعوته “ع” , وهي مستجابة بلا نقاش ولا منازع .
2- ( وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً ) : المحور الثاني لدعائه “ع” , دعوته على الظالمين , فدعا عليهم بالهلاك , وهذا ما كان بالطوفان , استجابة لدعائه “ع” .

حيدر الحدراوي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close