أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ السَّادِسَةُ (١٥)

نـــــــــــــــزار حيدر
{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ}.
ما أَن تطيرَ كذبهٌ أَو تصلَ إِشاعةٌ حتَّى نتلاقفها تلاقُفَ الصِّبية للكُرة، ننسخها وننشرها ونتقاتل ونتسابق على إِيصالِها لأَكبرِ عددٍ مِن النَّاس ونتفاخر بينَنا أَيُّنا يوزِّعها على نطاقٍ أَوسع؟!.
مُستعجلونَ وكأَنَّ أَبوابَ الجنَّةِ ستُغلقُ ولَم نلحق بدخولِها إِذا لم ننشُر!.
هذا قسمٌ من النَّاس، أَمَّا القسمُ الثَّاني فهُم الذين يتريَّثون ويتثبَّتون ويتأَكَّدون وفِي أَغلب الأَحيان لا يَنشرونَ وبَوصلتهُم في ذَلِكَ قول الله تعالى {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}.
القسمُ الأَوَّل همُ الذين يعشقُون الفِتنة ويرقصُون طرباً عندما ينشرُونَ كلَّ ما من شأنهِ إِثارة الفوضى والشَّك في المُجتمع وتقسيطِ الآخرين وفضحِ العاملين حتَّى إِذا كان ذَلِكَ يتحقَّق بكِذبةٍ أَو دعايةٍ أَو سبٍّ أَو تُهمةٍ، وهُم الذين يصفهُم القرآن الكريم بقولهِ {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
أَمَّا القسم الثَّاني، وهُم الذين يحرصُون على سُمعةِ المُجتمع ويحفظُونَ أَسرار النَّاس ويكرهُون نشر الفاحِشة والفِتنة في المُجتمع، فهمُ الذين لا يتدخَّلون فيما لا يعرفُون عَنْهُ شيئاً، فإِذا أَرادوا أَن يتدخَّلوا يتثبَّتوا أَوَّلاً حتَّى إِذا سُئلُوا لم يُجيبُوا بالمُبهم والمجهول [يقولُون] أَو [سمعتُ] أَو [كما وصلني] طيِّب؛ وأَنت؟! أَينَ عقلُك؟! أَين ضميرُك؟! أَين دينُك؟! أَين شرفُك؟! أَينَ إِنصافُك؟! أَينَ أَخلاقُك؟! لا شيءَ يُستحضرُ من كلِّ ذَلِكَ لحظةَ النَّسخ والنَّشر أَو لحظةَ النَّقل والتَّناقُل!.
أُنظرُوا إِلى وصفِ أَميرِ المُؤمنينَ (ع) لأَخٍ لَهُ {وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً فإِنْ قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ وَنَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ}.
وما أَروع ما أَوصى بهِ (ع) ولدهُ الإِمام الحسن المُجتبى (ع) بقولهِ {وَدَعِ الْقَوْلَ فِيَما لاَ تَعْرِفُ، وَالْخِطَابَ فِيَما لَمْ تُكَلَّفْ، وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيق إِذَا خِفْتَ ضَلاَلَتَهُ، فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلاَلِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الاَْهْوَالِ}.
١/ شيءٌ لا تفهم فِيهِ أَو لا تعرف عَنْهُ شيئاً لا تقل فِيهِ ولا تُبدِ فِيهِ رأياً! وكيف تُبدي رأياً في أَمرٍ لا تعرف عَنْهُ شيئا؟! والله تعالى يَقُولُ {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
وفِي الآية المُباركة {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} وفِي قولِ رَسُولِ الله (ص) {وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ} وإِنَّ كلَّ ذلك لا يتحقَّق إِلَّا إِذا كُنت عالماً بما تتكلَّم بهِ عارفاً بما تريدُ أَن تُعطي رأيكَ فِيهِ.
أَمَّا الذين يقولُون دائماً [عبَّالي] [لبَّالي] [ظننتُ] [تصوَّرتُ] فهم من الفصيل السيِّء في المُجتمع الذي يَقُولُ عَنْهُ ربُّ العِزَّة {هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}.
٢/ إِذا لم يُطلَب منكَ أَن تُبدِ رأيكَ في شَيْءٍ فلماذا تتدخَّل؟! لماذا تحشُر أَنفكَ في كلِّ موضوعٍ؟! لماذا تتدخَّل فيما لا يَعنيك؟! لماذا تتحدَّث أَو تنقل أَخبار أَمرٍ لم يطلب منك أَحدٌ أَن تتحدَّث فِيهِ أَو تنقل أَخبارهُ؟! فلماذا تتبرَّع؟! خاصَّةً إِذا كانَ الأَمرُ خاصّاً يتعلَّق بعِرضٍ أَو سُمعةٍ أَو ما أَشبه؟!.
إِنَّ مُجتمعنا يلوكُ بلحومِ بعضهِ كلَّما سنحت الفُرصة! فلحمُ الميتةَ هو الطَّعامُ المُفضَّل في جلساتِنا! والله تعالى يَقُولُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}.
ما أَروعَ الأَدب القرآني الذي يعلِّمنا أَن نبتعدَ عن مجلسٍ يتحدَّثون فِيهِ كلاماً خطأ مهما كانَ شكلهُ! من أَجلِ أَن لا نخوضَ معهُم.
يَقُولُ تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}.
بقيَ أَن نُشيرُ إِلى صنفَينِ من النَّاسِ يُشاركونَ في إِشاعةِ الفاحشةِ شاءَوا أَم أَبَوا؛
١/ الأَنانيُّون الذين لا يهتمُّوا إِلَّا بسُمعةِ أَنفُسهم، كما يصفهُم القرآن الكريم {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ}.
٢/ هم الَّذينَ يتوارَونَ عن الأَنظارِ عندما تَكُونُ شهادتهُم ضروريَّة ومِفصليَّة، كما يصفهُم القرآن الكريم {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
لقد أَمرنا الله تعالى أَن نُبيِّن ونوضِّح ما عندنا من معلوماتٍ إِذا كانت تنفع في ردِّ عدوانٍ ولو بشِقِّ كلمةٍ، كما في قولهِ تعالى {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}.
١٩ مايس [أَيَّار] ٢٠١٩
لِلتَّواصُل؛
‏E-mail: nazarhaidar1@hotmail. com
‏Face Book: Nazar Haidar
‏Twitter: @NazarHaidar2
‏Skype: nazarhaidar1
‏Telegram; https://t.me/NHIRAQ
‏WhatsApp & Viber& Telegram: + 1(804) 837-3920

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close