العراق والخيار الواحد!

علاء كرم الله

تتعالى طبول الحرب بين أيران وأمريكا وبات العالم يسمعها بكل وضوح وأصبحت الأيادي على الزناد بعد أن أكمل الطرفان كافة تحضيراتهم وأستعداداتهم للحرب، ووضعوا كل الخطط والمناورات لها!. تصاعد لغة الحرب وسخونتها باتت تخيف وتهدد الجميع وليس دول المنطقة والخليج تحديدا، لأن مضيق هرمز الذي تتحكم وتسيطر عليه طهران ، والذي طالما هددت بغلقه والذي سيتم غلقه مع اول أطلاقة بندقية! في حال وقوع الحرب مع امريكا،

فهذا يعني أن أكثر من ثلث صادرات النفط للعالم ستتوقف، ولربما سيصبح سعر برميل النفط قرابة 300 دولار! حسب ما يتوقعه الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن الدولي والأقتصادي ناهيك عن التداعيات الكثيرة والكبيرة الأخرى.

أن العالم كله يعيش حالة من الترقب فالحرب بين الطرفين ليست مزحة!، فبالوقت الذي قال عنها الرئيس الأيراني (روحاني) بأنها ستكون أم المعارك، فقد ذكر أحد القادة العسكريين الأمريكان بانها ستكون حرب مدمرة على أيران!، خاصة مع أستمرار وصول البوارج الحربية وحاملات الطائرات والمئات من الطائرات الامريكية الحديثة نوع (أف 35)، وغيرها من الأسلحة المدمرة الرهيبة الى المنطقة، حيث فتحت أمريكا كل مخازنها الحربية وبكل ما تحويه من سلاح حديث لتجربه في هذه الحرب!.

بالمقابل أيران هي الأخرى وضعت كل قوتها الصاروخية والباليستية تحت أهبة الأستعداد اضافة الى باقي الأسلحة المتطورة منها والتقليدية.

أن من سوء حظ العراق أن أراضيه ستكون أحد أهم مسارح القتال والحرب بين الطرفين!، وذلك لتواجد أيران وأمريكا على الأرض العراقية منذ سقوط النظام السابق في 2003 وأحتلاله من قبل الأمريكان.

المضحك المبكي في صورة هذا المشهد المرعب والرهيب،أن هناك من يدعوا الله ويتمنى أن تقع الحرب هذه الساعة واليوم قبل الغد، ومنهم دول الخليج كافة! ليتخلصوا من ايران، التي يرونها كالديناصور الذي يهددهم منذ 40 عاما!، منذ نجاح الثورة الأسلامية في أيران عام 1979 ولحد الان.

بالمقابل هناك من لا يتمنى أن تقع الحرب بسبب أثارها المدمرة على عموم العالم والمنطقة تحديدا، والعراق هو أحد تلك الدول التي لا تتمنى أن تقع هذه الحرب، ليس بسبب الأضرار التي ستلحق به فحسب ، بل لأنه صديق الطرفين المتحاربين!.

أن رئيس وزراء العراق الدكتور (المهدي) وحكومته هم الان وفي ظل ظروف التهديدات بين أمريكا وأيران في حال لا يحسدون عليه!، حيث صار لزاما على العراق، أن يختار أما أن يكون مع أيران، التي زاد وتعمق أرتباطها بالعراق من بعد 2003 دينيا ومذهبيا وعقائديا وحتى أجتماعيا وقوميا، حيث كانت أول الداخلين له بقوة من بعد سقوط النظام السابق، كما يحسب لأيران الكثير من المواقف الداعمة للعراق، وخاصة في حرب التحرير من عصابات داعش الأجرامية.

وبين أن يختار أن يكون مع أمريكا التي حررت العراق، والتي كان لها الفضل الكبير لوجود كافة الوجوه والقيادات والأحزاب السياسية الشيعية منها والسنية والكردية، على رأس السلطة وقيادة الحكم في العراق.

فتلك والله لمحنة كبيرة مع من سيكون ومن سيختار؟ لاسيما وأن كل من أيران وأمريكا فرضا على العراق الخيار الواحد!!،أما أن يكون مع أيران أو مع أمريكا، وكيف سيتصرف وعالم السياسة ومفهومها يقول (أن لم تكن معي فأنت ضدي)؟!.

وتلك هي الحيرة الكبرى للعراق ولرئيس الحكومة؟ لا سيما أذا علمنا بأن سياسة مسك العصى من الوسط بين أمريكا وأيران والتي سارت عليها كل الحكومات العراقية من بعد 2003 لم تثبت نجاحها، وكأن أمريكا وأيران يقولون لرئيس الوزراء الدكتور( المهدي) عليك أن تختار أن تكون مع واحد منا (فلا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار)!.

نقول ليست الأقدار ولا الظروف وحدها من جعلت العراق يدفع ثمن الصراع والحرب أن وقعت بين أمريكا وأيران، فالسياسة الفاشلة التي أتبعتها كل الحكومات التي قادت العراق من بعد 2003 ولحد الآن والتي كانت كلها سياسة حكومات أملائية! يفرض عليها ما يريد هذا الطرف الخارجي أو ذاك ووفقا لمصالح تلك الأطراف وليس لمصلحة العراق هي من اوصلت العراق الى هذا الحال ووضعته أمام هكذا خيار صعب في موقف صعب!

. فلم تكن لتلك الحكومات أية رؤية وطنية ولا قرارعراقي مستقل دون تدخلات وأملاءات خارجية ، فقد أنشغلت ومع الأسف تلك الحكومات ولحد الآن بالصراعات الداخلية والطائفية والقومية وتصفية الحسابات فيما بينها وكذلك بتحقيق مصالحها الحزبية والقومية والفئوية والشخصية.

فكانت كل الحكومات تشبه بعضها البعض في ضعفها وعدم جديتها وحرصها على مصالح الوطن والشعب، بدأ من رئاسة الجمهورية ومرورا بالبرلمان وأنتهاء بالسلطة التنفيذية المتمثلة برئيس الوزراء، وقد نبه الكثير من الكتاب والمحللين السياسيين الى خطورة مثل هذه الحالة، في عدم أستقلالية القرار العراقي في شأنه الداخلي وحتى في أبسط الأمور!.

فعلى سبيل المثال أن رئيس الحكومة الحالي الدكتور (المهدي) وبعد مرور سنة على تسنمه منصبه لم ينجح في أكمال كابينته الوزارية لحد الآن؟! بسبب من التدخلات والأملاءات الخارجية التي تفرض عليه!.

هذا ناهيك الى أن المواطن العراقي لم يلمس منه وبعد مرور سنة على رئاسته للحكومة شيئا من القوة والحزم في فرض هيبة الدولة وسلطتها!، حيث أستمرت أمور البلاد الداخلية الى مزيد من الأنفلات والضعف والفوضى وغياب سلطة القانون، حيث تغولت سلطة العشيرة أكثر من ذي قبل، ولم يسمع للقضاء صوتا ألا في الأمور البسيطة والعامة، دون التقرب الى القضايا الكبيرة والمهمة!.

وما أحداث (النجف) الأخيرة وغياب سلطة الدولة وأجهزتها وقواتها في معالجة مجريات ما حدث وفرض وجودها، ألا دليل على ضعف الحكومة التي طالما تقف موقف المتفرج أمام هكذا أحداث وغيرها؟( لا ندري ماهو سبب صمت المرجعية على ما وقع من أحداث في النجف ولماذا لم يتم التطرق عليها في خطبة الجمعة، فهل وقعت الأحداث في الصين؟!).

نعود الى صلب الموضوع، لقد حاولت حكومة (المهدي) وقبلها حكومة العبادي أن تلعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن، ولكنهم فشلوا في ذلك، كما حاولت حكومة (المهدي) أن تكون صديقة لأيران وأمريكا في آن واحد!، ألا أنهم رفضوا تلك الصداقة المزدوجة، مجبرين (المهدي) الى الخيار الواحد في الصداقة بينهما!!.

وفي صدد الحرب بين أيران وأمريكا في حال وقوعها ومدى تداعياتها على عموم المنطقة وما ستلحقه من أضرار وخسائر على العراق تحديدا، ذكر أحد الدبلوماسيين الغربيين بأن البيت الأبيض الأمريكي لا تعنيه تلك الخسائر!!. كما ذكر الباحث لدى مؤسسة (تشاتام هاوس) (ريناد منصور): بأن القيادة الأمريكية أبلغت القيادة العراقية (أنتم معنا أم معهم؟).

نعود بالقول: أن سياسة مسك العصى من الوسط بين أيران وأمريكا والتي أتبعتها كل الحكومات التي قادت العراق منذ الأجتياح الأمريكي للعراق وعمق التدخلات الخارجية فيه من كل دول الجوار والمنطقة والعالم، لم تنجح وسوف لن تنجح أبدا!،

لأن كلا البلدين المتصارعين، أمريكا وأيران ترفضان أن يكون العراق حليف لكليهما في آن واحد!.

أخيرا نقول: مع كل تمنياتنا ودعواتنا بأن لا تقع الحرب ، بسبب من حجم الأضرار الكبيرة التي ستصيب العراق والتي ستزيد من معاناته وخرابه أكثر مما هو عليه الان، وفي ظل أصوات وطبول الحرب المخيفة والظروف العصيبة التي تمر بها المنطقة، لا أعتقد أن الحكومة العراقية، تمتلك القدرة والشجاعة في أتخاذ القرار العراقي الوطني المستقل والخيارالواحد الذي يصب في مصلحة الوطن والشعب، في ظل الصراع الدائر الآن بين أمريكا وأيران، وسيبقى وضع العراق عالقا ومعلقا ومتعلقا مع الأثنين وبينهم !.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close