إنهم يذّكروننا بكتّاب النظام السابق !

بقلم مهدي قاسم

من المعروف عن اللغة العربية :

إنها لغة ثرية ومطاوعة و مرنة جدا في شتى و صنوف
التعبير عن خوالج النفس الإنسانية والغور في أعماقها تنقيبا ،و بحثا ، و تصويرا ، و تعبيرا متنوّعا جميلا و رائعا بتعابير ساحرة ومذهلة وخلابة ، ولكن الأروع ما فيها هو دقة الكلمات و التعابير بوضوح معانيها الساطعة المعبرة حقا وهي تأتي في مكانها المناسب ، وحسب
الأحوال و الظروف و الأحداث والمناسبات ، و ربما لهذا السبب تبدو بعض الكلمات و المصطلحات والتعابير المستخدمة في غير مكانها أو محلها المناسب فجة و متناقضة بشكل صارخ ، بل شاذة حينا و مثيرة لضحك وسخرية حينا آخر ، كأن يُطلق ــ مثلا ــ كلمة ” المقدس ” على مجموعة
من مقاتلين أو محاربين ، وهي مجموعة قد تضم أشخاصا من مختلف الأفكار والقيم والسلوك والعادات ومستويات وعي و أفعال و أعمال قد تكون متنافية لقيم إنسانية وحضارية ، أو كأن يطلقوا كلمة الأنسانية أو الحضارية أم الربانية أو النورانية على نظام سياسي ديكتاتوري دموي و
كذلك على مؤسساته القمعية والتعسفية الباطشة ــ مثلما النظام الإيراني ــ أوعندما يطلقون على جلاد أوقاتل سفاح تسمية قديس أو على نصاب ومحتال كلمة نوراني و نزيه أو على وغد غدّار لقب نبيل وسامِ ، فضلا عن سكين مثلومة و مزنجرة تسمية وردة زاهية ، وعلى حبل مشنقة تسمية
أجنحة منطلقة في سمت سماء ، أو كأن يطلقوا على كومة نفاية تسمية موجة شفافة أو حقل زهور ساحرة ألوان و عذوبة عطور !!..

غير أن الطامة الكبرى في هذا الأمر : هي محاولة التذاكي
و التشاطر أو التظاهر بأن الأمر هكذا وكذا حقا وفعلا !! في محاولة بائسة ومفضوحة في استغفال القارئ الكريم بالدرجة الأولى ، دون أن يعلم هؤلاء المتشدقون و راشقي العبارات والأوصاف الرنانة والطنانة على عواهنها وفضائحها ، بأنهم إنما يجعلون القارئ الفاضل أن يتذكر
كتّاب النظام الديكتاتوري السابق ، و كيف أنهم كانوا يجهدون في تصويره و جعله نظاما ديمقراطيا وإنسانيا و حضاريا ، بينما وهو في أوّج دمويته ووحشيته الشرسة والسادية الرهيبة ، و كذلك تحويل هزائمه المتكررة والمخزية إلى سلسلة انتصارات نابليونية ملحمية طويلة و عريضة
..

فأين هم أولئك الكتّاب من الطبالين والرداحين للنظام
السابق ؟فأغلبهم انسحبوا مرفّلين بخزيهم ومتسترّين خلف نسيانهم المغبر ..

وهو نفس المصير المخزي سينتظر بعض الكتبة من مطبلي النظام
الإيراني الثيوقراطي القمعي الباطش..

ولكن ليس من عجب أو عتب إذا عرفنا أن ” الطيور على أشكالها
تقع ” فيما يتعلق الأمر بكتّاب و مسطري سطور عقائد وايديولوجيات شمولية ذات نزعة قمعية و إلغائية :

حيث يتسمون ــ جميعا ــ بنفس نهج وسلوك انتهازيين و
رداحين ، مضافا إلى ذلك ، ذهنية متحجرة و رؤية قصيرة وضيقة وذات بعد آني ، أو هلوسة عقائدية منحازة لحد هستيريا و ابتذال رخيص ..

دون أن يعلموا بأنهم سينتهون إلى نفس القمامة التاريخية
التي ، غالبا ، وعادة ما ينتهي إليها زعماء و قادة أنظمة شمولية وقمعية إجرامية على مر التاريخ ..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close