ثقافة الإستقاله في بريطانيا

ساهر عريبي
sailhms@yahoo.com

قدّم خلال السنوات الثلاث الماضية 36 وزيرا بريطانيا استقالاتهم من الحكومة التي ترأسها تيريزا مي, التي قدّمت هي الأخرى استقالتها صباح اليوم الجمعه لتدخل حكومتها التاريخ باعتبارها الحكومة البريطانية التي استقال منها اكبر عدد من الوزراء. ومن بين هؤلاء 21 وزيرا استقالوا لمجرد إعتراضهم على كيفية إدارة رئيسة الوزراء لملف خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي المعروف ب“ بريكست“ والذي أدخل البلاد في مأزق كبير.

وأما الباقون فقد استقالوا لأسباب مختلفة بعضها شخصي وبعضها إثر فضائح ومنها قضية التحرش الجنسي التي اطاحت بوزير الدفاع مايكل فالون, فيما طلبت رئيسة الوزراء من خلفه غافين ويليامسون تقديم استقالته على خلفية مسؤوليته عن مشاركة شركة هواوي الصينية في بناء البنية التحتية غير الأساسية مثل الهوائيات لشبكة الجيل الخامس للاتصالات في المملكة المتحدة. إذ اعتبرت رئيسة الوزراء انه غير قادر على تحمل مسؤولية وزارة الدفاع! لم تتعرض بريطانيا لإحتلال خارجي ولم يتجرأ أحد على التجاوز على سيادتها وحرمة ترابها, لكن الوزير أثبت قصوره بسماحه لشركة أجنبية تثار شكوك حول إستخدامها تقنيات الجيل الخامس لأغراض تجسسية.

وقدّمت وزيرة الداخلية أمبر رود استقالتها بعد فضيحة مهاجري الكاريبي إذ إتهمت رود بتضليل البرلمان بشأن خطط الحكومة لترحيل مهاجرين غير شرعيين.
وأما فيما يتعلق بلمف بريكست فإن الوزراء الذين استقالوا وآخرهم زعيمة العموم في البرلمان اندريا ليدسوم جاءت أستقالاتهم إحتجاجا على سياسات تيريزا مي المتعلقة بالخروج من الإتحاد الأوروبي , وسبقها عدد كبير من الوزراء ومنهم وزير الخارجية بوريس جونسون ووزير البريكست دومنيك راب, واليستر البرت وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط ووزيرة العمل ايستر ماكفي وغيرهم. وكان أحد وزراء حكومة رئيس الوزراء السبق غوردون براون قدم استقالته بعد فضيحة مالية وهو وزير مسلم يدعى شاهد مالك.

وعند البحث عن أسباب استقالة هؤلاء فإنها تتمحور حول التجاوز على قيم إخلاقية أو عدم الكفاءة أو لدوافع مبدئية أوخيانة الأمانة. فلقد أطاحت فضيحة تحرش جنسي ورسائل نصية جنسية بوزيرين, فإن مثل هذه الممارسات اللاأخلاقية تطيح بالمسؤول مهما كانت مكانته وكان موقعه في الدولة. فيما يطيح الفساد المالي بالوزير وإن كان بسيطا وكما حصل مع شاهد مالك الذي استقال لمجرد بدء التحقيق ولوجود شبهة حتى برّأه القضاء لاحقا ليعود مرة اخرى الى الحكومة. واما إذا فشل الوزير في اداء مهمته او قصّر في أداءها فلابد له من الإستقاله وكما حصل مع وزير الدفاع ومع رئيسة الوزراء التي بذلت كل مافي وسعها للتوصل الى اتفاق يخرج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي إستجابة لرغبة الغالبية البريطانية وفي ذات الوقت الحفاظ على مصالح بريطانيا.

لكن 21 وزيرا لم يشاطروا رئيسة الوزراء رؤيتها حول كيفية الخروج من الإتحاد الأوروبي, قدّموا استقالاتهم لأنهم يرون أن تعاطي رئيسة الوزراء مع هذا الملف طعنة في ظهر 17 مليون بريطاني صوّتوا لصلح الطلاق من الإتحاد الأوروبي. فإتفاق الخروج الذي توصلت له مي مع الإتحاد الأوروبي اعتبره هؤلاء الوزراء لا يضمن خروجا تاما لبريطانيا من الإتحاد. ولذا فقد ضحى هؤلاء الوزراء بمناصبهم وفاءا لجمهورهم الذي صوت لهم بعد ان وعدوه بإحترام نتائج أي استفتاء حول الخروج من الإتحاد الأوروبي. إنهم يعتبرون أن خذلانهم للناخبين هو خيانة لأمانة حملوهم إياه وهم مستعدون للتخلي عن مناصبهم وفاءا لناخبيهم.

هذه الثقافة القائمة على قيم ومبادئ إنسانية, هي السائدة بين الطبقة السياسية البريطانية بمختلف احزابها لأن هذه الطبقة تربت على ان الحكم مسؤولية وامانة حملها إياهم الشعب, ووظيفتهم هي السهر على امنه وخدمته ورقيه في مختلف المجالات, وهي مسؤولية عظيمة لمن يشعر بثقل عبءها وليس لمن يعتبر المنصب إمتيازات, أو بابا لتعيين الأقارب او فرصة للثراء غير المشروع عبر الفساد العابر لكل الحدود والمعقول كما يفعل المتكالبون على السلطة ممن وضعوا ثمنا لكل منصب بحسب مقدار عوائده.

فأمثال هؤلاء لايهمهم وطن ولا شعب ولا قيم ولا أخلاق ولا دين, فكل همهم أنفسهم ولتغرق البلاد في بحر متلاطم من امواج الفتن والأزمات. ولذا فقد اصبح كرسي الحكم رأس بلاء الشعوب العربية والإسلامية التي ما جلس على كرسيها أحد الا وتمسك به وحتى آخر نفس إلا ماندر . والعجيب أن بعض هؤلاء المتكالبين على السلطة واللاصقين بالكرسي نسوا أن علي بن أبي طالب الذي تصادف هذه الأيام ذكرى أستشهاده, لم يسع للحكم وقد إجتمع حوله المسلمون مبايعين وكان قابضا يده قبل أن يبسطها بعد إقامة الحجة بوجود الناصر.

فعلي يرى في الحكم وسيلة لإقامة العدل والقضاء على الفساد وهو القائل“وَ اَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ اَلنِّسَاءُ وَ مُلِكَ بِهِ اَلْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ فَإِنَّ فِي اَلْعَدْلِ سَعَةً وَ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ اَلْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ ”. فسلام على امير المؤمنين في ذكرى استشهاده وتحية للمتمسكين بقيمهم الإنسانية مهما كانت مذاهبهم واديانهم واعراقهم , واما المتاجرون باسمه فقد انكشفت سوءاتهم, وعرف القاصي والداني دجلهم وتنكرهم لسيرة علي, فعلي ليس كلمة تلعقها الألسن بل نهج وقدوة في الحكم وكل من ينأى عنها فهو في خندق أعداء علي وإن رفع راية الدفاع عن أتباع علي!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close