العراقيون وطقوس العيد

صالح الطائي

لا ينكر أن عادات وتقاليد أي شعب تتكون نتيجة التوارث عبر الأجيال، وأن لهذه العادات والتقاليد طقوسا تاريخية أغلبها عرضة للتغيير بسبب وجود بعض المتغيرات التي تطرأ عند التطبيق، سواء نحو الأحسن أو الأسوأ، وبعض هذه المتغيرات مأخوذة أصلا من الموروث نفسه وبعضها الآخر غريبة عنها ولا تمت لها بصلة، وهي عادة وليدة التطور المجتمعي والانفتاح على تقاليد وعادات الشعوب الأخرى، بما فيها الشعوب غير المسلمة، واليوم هناك الكثير من الدخائل في ممارساتنا الموروثة، نالت بعضها درجة القدسية، ولا نملك القدرة على تغييرها أو التنكر لها، أو الاعتراض عليها، ولاسيما منها تلك التي لها علاقة بالدين وممارساته!.

صيام شهر رمضان والاحتفال بعيده فضلا عن كونه أمر إلهيا ملزما، يعتبر تقليدا موروثا، وإذا ما كان الصيام بحد ذاته شعيرة دينية من فروع الدين، يجب أدائها للقادرين عليها، وإذا ما كان العيد نفسه مظهرا من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره، وهناك أحاديث ـ بغض النظر عن امتحانها ـ تدعو إلى الاحتفال بالعيد كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود عن أنس بن مالك، قال: “قَدِم النبي (ص) المدينة؛ ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: “قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما: يومَ الفطر والأضحى”، فإن هناك من يبيح الرقص والغناء في أيام العيد استنادا إلى رواية عن أمنا السيدة عائشة أم المؤمنين، قالت في صباح عيدٍ: دخل علي رسول الله(ص) وعندي جاريتان تغنيان بغناء يوم بعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي، فأقبل عليه رسول الله، فقال: دعهما، فلما غفل، غمزتهما، فخرجتا. هكذا رواه البخاري. أما رواية أحمد بن حنبل ففيها قول النبي(ص): “يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا … لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، إني أُرسلت بحنيفية سمحة”. وفي رواية أخرى أخرجها البخاري للسيدة أم المؤمنين عائشة، تتحدث فيها عن يوم عيد، يلعب فيه السودان بالدّرق (الدرع من الجلد) والحراب بجوار بيت رسول الله، وأنها إما هي سألت رسول الله(ص) وإما هو، قال لها: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدِّي على خده، وهو يقول: “دونكم يا بني أرفدة” حتى إذا مللت، قال: حسبك؟ قلت: نعم، قال: فاذهبي”.

وهناك قاعدة فقهية لدى بعض المدارس الإسلامية ترى أن السنة في الأعياد أن يظهرها المسلمون ويعلنوا بها . وفي فتح الباري لابن حجر: “أن إظهار السرور في

الأعياد من شعائر الدين”. وربما لهذا السبب ونظرا لتنوع الثقافات، دخل الاحتفال بعيد الفطر في باب الطقوس والعادات والتقاليد أكثر من كونه شعيرة دينية.

وحينما يتحد الطقس مع الشعيرة، تجد الكثير من الابتداع، بل إن التهيؤ للعيد بحد ذاته فيه انفتاحا طقسيا يجتمع على رؤية واحدة حتى مع اختلاف جزئياته، لها علاقة بالشعيرة والطقس، ومن ذلك التهيؤ لرؤية الهلال لتحديد التواريخ، جاء عن عبد الله بن عمر قوله: “تراءى الناس الهلل، فأخبرت النبي أني رأيته، فصام رسول الله(ص) وأمر الناس بصيامه” وقد ورث المسلمون هذه الممارسة عبر التاريخ، حيث الحركة الجمعية المفاجئة للبحث عن الأماكن العالية والمنفتحة الفضاء لإمعان النظر في الأفق بحثا عن هلال الشهر الجديد، حيث كان طقس الصعود على أسطح المنازل والخروج إلى البراري لمراقبة ولادة شهر شوال أحد الأمور المهمة جدا التي يحرص أغلب الصائمين على العناية بها والمشاركة في فعاليتها، ولا زالت إلى الآن قائمة في بعض المناطق، بعد أن كادت تختفي بفعل تناقل الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وهي وإن لم تعد لها تلك الأهمية إلا أني أتمنى لو أن الشباب أخذوا على عاتقهم ممارستها ولو لأغراض تخليد المناسبة لا أكثر بصفتها جزء من الموروث.

وكل الأمور الأخرى تتعلق بالرؤية نفسها، فإذا ثبتت الرؤية، يبدؤون ـ ومشاعر الفرح والحزن تتصارع في وجودهم ـ بتوديع شهر رمضان من خلال ترديد كلمات مثل: (الوداع يا شهر رمضان، الوداع يا شهر الطاعة والغفران) حيث يتأكد لهم أن يوم غد هو أول أيام العيد، وانهم سيتحررون من السحور والامساك وتعب الصيام والفطور في أوقات محددة لا يجوز مخالفتها، لكنهم مع ذلك وتبعا لتقليد الشهر كانوا يتسحرون السحور الأخير، ويسمى (سحور اليتيمة) ويقال إن التسمية أخذت من كون هذه الليلة هي ليلة حزينة كحزن اليتيمة لأنهم سيودعون الشهر، وينتظرون عودته بعد عام كامل، وهناك من يرى أن بساطة السحور باعتبار أن يوم غد ليس يوم صيام يشبه أكل اليتيمة في بساطته ومن هنا جاءته التسمية.

من طقوس هذه الليلة أن رب البيت يقوم بإخراج مبلغ زكاة (الفطــــــــر) وهي مبلغ بسيط عن كل فرد من افراد العائلة حتى لو كان جنينا في بطن امه وحتى عن الخدم، وتدفع الزكاة عادة إلى الفقراء ليدخل الفرح إلى نفوسهم. ويقال إنها

شرعت لسببين؛ مثلما يتضح من قول عبد الله بن عباس الذي أخرجه الحاكم وأبو داود وغيرهم: “فرض رسول الله زكاةَ الفطر؛ طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين، من أداها قبلَ الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات”.

ومن طقوس ليلة العيد أيضا أن حمامات الأسواق كانت تزدحم بالزبائن، لأن البيوت في ذلك الزمن لم تكن فيها حمامات خاصة، ولذا كان الأهالي يذهبون إلى حمامات السوق العامة.

والجميع في هذه الليلة صغارا وكبارا كانوا يضعون ملابسهم الجديدة بالقرب منهم وكان بعضهم يضعها تحت الوسادة، وينهضون مبكرين للاحتفال بالعيد.

في صباح اليوم الأول للعيد يذهب الكبار عادة إلى الجوامع لأداء صلاة العيد، ومن ثم يذهبون إلى المقابر لزيارة الأموات، وهو تقليد لا زال متبعا.

وأما الصغار فيبدؤون بجمع مبالغ العيديات للذهاب إلى أماكن اللهو لركوب المراجيح ودولاب الهواء والفرارات وركوب العربات والحمير، وباقي الألعاب البسيطة الأخرى. ويتناولون الأكلات الشعبية مثل لفة بيض مع العنبة او لفة الفلافل والعنبة وغير ذلك.

أما الشباب فكانوا يذهبون إلى المتنزهات والسينمات المنتشرة في بغداد، حيث كانت السينمات تعرض أكثر من دور، وعادة تكون الأفلام هابطة وقديمة.

أما العوائل فكانت تذهب إلى سلمان باك وشارع أبي نؤاس والحدائق القريبة.

وفي صباح أول أيام العيد يبدأ أبو طبيلة بالدوران على المحلات والمناطق التي كان يوقظها للسحور ليجمع منهم العيدية. وقد أصبح هذا التقليد مزعجا ولاسيما للفرق التي تستخدم آلات موسيقية عالية الصوت مثل البوق والطبل الكبير والآلات النحاسية، ولذا أتمنى لو ألغيت هذه الممارسة واستعيض عنها بخروج بعض الشباب وهم يرتدون الأزياء الشعبية ويحملون أدوات موسيقية بسيطة في ليلة محددة من ليالي شهر رمضان، لكي لا يتذكر الأبناء هذه الممارسة التاريخية.

ومن الحقائق الجميلة في العيد ولاسيما في اليوم الأول منه، وذلك بسبب طيبة قلوب أهلنا، انهم كانوا يترقبون العيد للمصالحة بين المتخاصمين وتنقية النفوس، حيث كانوا يزورون من لا يتكلمون معه ويصالحونه فتنسى العداوات.

والملاحظ أن هذه العادات والتقاليد تكون قريبة من بعضها في الجنوب والوسط والشمال، تكاد لا تختلف كثيرا، إلا في بعض الجزئيات، وفي هذا دلالة على وحدة العراق وتشارك أهله في مراسيم أفراحهم. وأمنيتي أن تحافظ الأجيال على بعض

هذا الموروث، وتستمر بالعمل به، وأن لا تأخذها التكنولوجيا الحديثة عن جذورها، فتتندم غدا لأنها لا تملك ما تورثه لأبنائها.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close