المتأيْرنون!!*

هم العرب الذين أصبحوا أكثر غيرة على إيران من الإيرانيين أنفسهم , فتنازلوا عن إنتماءاتهم الوطنية والعربية والقيمية والأخلاقية والتأريخية , وذابوا في الحالة الإيرانية حتى الإمتزاج المتجانس الرائق , الذي يُذهب ملامحهم ومميزاتهم الذاتية والموضوعية.

وما أكثرهم وأشدهم عدوانا على العروبة والدين , وإمعانا بالتمذهب والتطرف والعدوانية على كل ما لا يتفق ورؤاهم , وتصوراتهم المدججة بالإنفعالات والعواطف السلبية المستديمة.

عرب صار ربهم ودينهم عمائم قم ولحاها ورموزها بأنواعها ومشاربها , وما تبثه أهواؤها ونوازعها ومراميها للسلوك الهدام , الذي أصاب المسلمين بالتشظي والضعف والإندحار.

عرب أقلامهم تشير إليهم وتبرهن على ولاءاتهم المطلقة لإيران , وكأنهم من نسل قم وطهران , وأن أجدادهم لا تجري في عروقهم روح عربية ولا نطقت ألسنتهم بالضاد , ولا ترعرعوا فوق تراب العرب , وشربوا من مياه أمة العرب , وتنعموا بأنوارها الروحية والفكرية , إنهم من البشر الذي تم تصنيعه وبرمجته وإقتلاعه من جذوره , وإطعامه من أثداء السوء والبغضاء.

وهذا سلوك غريب ويتنافى مع بديهيات البقاء والإرتقاء , ويتسبب بإنهيارات أخلاقية ومعنوية مروعة , فلا يوجد فرنسي أكثر غيرة على بريطانيا أو إيطاليا أو ألمانيا من بلده ومصالحه , والعكس صحيح , رغم أنهم في إتحاد أوربي , لكن ذلك شائع بين بعض العرب , الذين لا يغارون على عروبتهم بقدر غيرتهم على تبعيتهم وإنتمائهم للآخرين.

ولا يُعرف ماذا سيقول الجاحظ بحقهم لو كان بيننا اليوم , وبماذا سينعتهم , ويبدو أن هذه الظاهرة السلوكية تتكرر عبر العصور , لكنها تبوء بخسران عظيم وهزيمة نكراء , وكأنها عرق دساس تجري في أعماق بعض الذين أنكروا عروبتهم وتنازلوا عن هويتهم وملامحهم العربية.

ولا يمكن إلقاء اللوم على إيران لأنها تقوم بما يحافظ على وطنها ويدرأ العدوان عنها , فالوطنية الإيرانية واضحة في سلوك أنظمة حكمها المتعاقبة , والغيرة الوطنية الإيرانية تستحق الإحترام والتقدير والإحتذاء بها , لأنها قدوة حسنة ومثال على السلوك الوطني الذي يذود عن مصالح البلاد والعباد.

لكن اللوم كل اللوم يقع على الذين إنسلخوا عن ذاتهم وموضوعهم , وأصبحوا بيادق تنفذ إرادة الآخرين وتنكر الإرادة والمصالح المتصلة ببلدانهم , وإندفعوا بإنفعالية صارخة بإتجاههم وإعتبروهم جوهر حياتهم وأصل وجودهم , ولا بد لهم من التفاني في سبيلهم , وكأنهم لا يعرفون بأن الذين يضحون من أجلهم , يؤمنون بأوطانهم ويذودون عنها بحماسة وثبات وإصرار على الحفاظ على الكرامة والقوة والإباء , وأنهم يسخِّرونهم لكي يكونوا موانع ومصدات لحمايتهم مما يستهدفهم , ولا يعنيهم فيهم إلا مدى قدرتهم على الحفاظ على مصالحهم , وليحصل لهم ولبلدانهم ما يحصل , المهم أنهم سواتر بشرية ضد العدوان عليها وحسب.

فهؤلاء الذين أسكرتهم الأضاليل والخداعات والجرعات الإنفعالية والحقن العاطفية , المقرونة بما يؤهلهم للتحول إلى عبيد ومستخدمين لتنفيذ أجندات الآخرين , هم الذين سيخسرون وسيربح دوما أسيادهم المجندون لهم والقابضون على مصيرهم.

فهل سيستيقظ الغافلون , ومتى سيمتلكون غيرة وطنية على بلدانهم كالأيرانيين؟!!

ترى , لماذا لا يسعون إلى إقامة تفاعل طيب يستند على آليات حسن الجوار والحفاظ على المصالح المشتركة بين البلدين؟

ولماذا هذا التطرف ما بين العدوان والإمعان بالتنازل عن الأوطان؟!!

*المتأيرنون من الأيرنة وهي الإنتماء المطق لإيران.

د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close