فلسفة : دور الزمن في حياة الانسان

* د. رضا العطار

اعتاد الناس ان يقسموا الزمان الى ثلاثة اقسام (ماضي) وقد انقضى ولم يعد له وجود و (حاضر) وهو في طريقه الى الانقضاء و (مستقبل) لم يتحقق بعد فهو ما يزال يفتقر الى الوجود ! وبين الماضي والمستقبل يبدو الحاضر كما لو كان نقطة هندسية لا وجود لها لانها مجرد ملتقى خطين : خط الماضي وخط المستقبل – – – ولهذا فقد انكر البعض على الزمان كل حقيقة واقعية مادام الحاضر نفسه لا يملك اية كثافة وجودية بينما يفتقر كل من الماضي والمستقبل الى الطابع العيني المميز لكل وجود Concrete

وعلى العكس فقد راق للاخرين ان يردوا اقسام الزمان جميعا الى الحاضر، فأعلن القديس اوغسطين (مثلا) ان هناك (حاضر الماضي) الذي يرتكز على (ملكة الانتباه) و (حاضر المستقبل) الذي يقوم على ملكة (الاستباق) . وكانت حجة اصحاب هذا الراي ان الاحساس بالزمان وظيفة نفسانية بحتة. فنحن نستبقي من (الماضي) ما نحبه ونتعلق به، وننتزع من الحاضر ما يروقنا ويستأثر بانتباهنا، ونستشف في (المستقبل) ما نريده وما نتطلع اليه. وبهذا المعنى تكون الصدارة للحاضر على باقي اقسام الزمان : لان وجود المستقبل رهن بمدى قدرته على استباق الزمان وفرض نفسه على الحاضر ! وسواء اتجهنا بابصارنا نحو المستقبل ام عدنا بذاكرتنا نحو الماضي فاننا في كلتا الحالتين لا نستمد من المستقبل او من الماضي الا ما من شانه ان ينشط سلوكنا في الحاضر او ان يعبّي قوانا في صميم حياتنا الراهنة.

واختلف الفلاسفة في اهمية كل من : الماضي او الحاضر او المستقبل
فمنهم من يرى ان الصدارة للحاضر على كل من الماضي والمستقبل بينما يذهب آخرون الى ان المستقبل يتمتع بصدارة مطلقة بالنسبة الى كل من الماضي والحاضر. والذين يقدمون (الحاضر) على كل من (الماضي) والمستقبل هم اولئك الذين يرون في الزمان صورة من صور (الازلية) فهم ينظرون الى الزمان على انه (حاضر مستمر) يتمتع بالاتصال والدوام والصيرورة الدائبة.

اما الذين يخلعون على (الماضي) ضربا من الاولية او الصدارة فهم اولئك الذين يرون ان (اليوم) مجرد ثمرة لل (امس) وان تراث الماضي هو وحده الذي يحدد طبيعة كل من الحاضر والمستقبل. ثم يجيء آخرون فينسبون الى المستقبل اولية مطلقة لانهم يرون ان الانسان لا يحيا الا من اجل مالم يوجد بعد، وكأن كل وجوده انما ينحصر في العمل على تحقيق مستقبله !
· مقتبس من كتاب فلسفة مشاكل الحياة د. زكريا ابراهيم – جامعة القاهرة

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close