لهذا أريق دم القرآن الناطق في محراب الصلاة

* جميل ظاهري

 ثقلت وأمتلئت كتب التاريخ حروفاً وكلمات وجملاً ومقاطع وصفحات ومجلدات تروي كلها فضائل ومناقب الامام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام تلك التي بينها وقالها وذكرها سيد الأنام وخاتم المرسلين النبي محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بالاضافة الى عشرات بل مئات الآيات القرآنية التي أنزلها البارئ تعالى في محكم كتابه المجيد بهذه الشخصية والعبقرية الاسلامية الفذة .

أكد الرسول الأكرم (ص) الذي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 3و4، طيلة رسالته النبوية على وجوب التمسك والإلتفاف حول أخيه ووصيه دون فصل الامام علي (ع)، وفق ماروته كتب الصحاح لمسلم والبخاري والتاريخ لأبن عساكر والتأريخ الدمشقي والملل والنحل والنيسابوري والنقشبندي وأبن ماجه وأبن أبي الحديد واحمد بن حنبل وغيرهم من كبار علماء المسلمين ورواتهم، وهو (ص) القائل “لكل نبي وصي ووارث ووصيي ووارثي علي.. وأعلم أمتي من بعدي علي.. وأوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي.. وعلي الصديق الأكبر.. وعلي الفاروق بين الحق والباطل.. وعلي كفه وكفي في العدل سواء.. وعلي حقه على الأمة كحق الوالد على ولده.. وعلي مع القرآن والقرآن مع علي.. وعلي قسيم الجنة والنار… وغيرها مما لا يسع لهذا المقال من ذكرها حتى قطرة واحدة من فيض هذا البحر الهائل لمناقب ومنزلة علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) في الاسلام.

إلا إننا نرى الشجرة الملعونة عملت ما عملت بكل وسعها لمحو أو إخفاء تلك المناقب عن الأمة وتغيير تجاه البوصلة من عبودية الله والتمسك بحبله المتين أي الرسول (ص) والعترة الطاهرة عليهم السلام، نحو العودة الى الوثنية والقبلية الجاهلية، مأساة بدأت منذ أن أنكر من هرع في يوم “غدير خم” قبل الآخرين لتهنئة الامام علي (ع) بإختياره الوصي دون فصل بعد النبي (ص)، وهم يهتفون “بخ بح لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ومسلمة و..”، ووقفوا شاهرين سيوفهم بوجه خلافته معارضين وناكرين وناكثين ما قطعوه من عهد وايمان مغلظة على أنفسهم أمام الله عزوجل والرسول (ص) وأمام أكثر من 130 الف مسلم في ذلك اليوم كما يذكره أغلب الرواة.

عقدوا سقيفة “بني ساعدة” وأقعدوه داره وأحرقوا بابها تلك الباب التي كان لا يطرق ولا يدخلها الوحي الأمين جبرئيل (ع) إلا بأمر من الله سبحانه وتعالى وإيذان أهلها و.. وفعلوا ما فعلوا به وبأهل بيته الاطهار عليهم السلام واحداً تلو الآخر، وبشيعته ومحبيه وانصاره حتى يومنا هذا لا يسع لهذه الأسطر القليلة نقل حتى جزء يسير يسر منها وهي ليست بخافية على أهل الحق والحقيقة وكل من يرى نفسه حراً وأبياً عبر مطالعته لكتب التأريخ والرواة المتوافرة وبسهولة في الأسواق.  

كل ذلك كونهم وأتباعهم وأحفادهم من حكام وطغاة العصر في دولنا الاسلامية خاصة العربية منها في البحرين والسعودية والامارات والأردن والمغرب وغيرها كانوا ولا يزالوا يخافون حكومة هذا الحاكم العادل المطلق في العالم لأن مدرسته قائمة على أساس “حق المشاركة السياسية” للجميع الى جانب وجوب “حق ضبط الحكام” خلال فترة حكمهم على أن لا يقسطوا عن الحق والحقيقة والعدالة والمساواة  الذي أمر به الله سبحانه وتعالى ومن أجله بعث بجميع الأنبياء والرسل (ع) للبشرية على طول تأريخها الطويل والعريض.

نعيش هذه الأيام الذكرى (1400) لإستشهاده غدراً ونفاقاً، ليراق الدم الطاهر للقرآن الناطق في محراب الصلاة بمسجد الكوفة وتعتلي السماء صرخة جبرئيل “ تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى، وانفصمت والله العروة الوثقى، قتل ابن عم المصطفى، قتل الوصي المجتبى، قتل علي المرتضى، قتل سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء..”، مذكراً الأمة أسباب بكاء الرسول الأكرم (ص)بعد أن تحدّث عن شهر رمضان وشرفه وثواب الطاعة فيه، فقال له أمير المؤمنين (ع): يا رسول الله ما يبكيك؟ قال (ص): يا علي أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلي لربك، وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة صالح فيضربك ضربة على مفرق رأسك، ويشقه نصفين ويخضّب لحيتك من دم رأسك.. يا علي منْ قتلك فقد قتلني، ومنْ أبغضك فقد أبغضني، ومنْ سبك فقد سبني لأنك مني كنفسي، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، ان الله تبارك وتعالى خلقني وإياك، واصطفاني وإياك، واختارني للنبوة، واختارك للإمامة، فمنْ أنكر إمامتك، فقد أنكر نبوتي يا علي أنت وصيي، وأبو ولدي وزوج ابنتي، وخليفتي على أمتي في حياتي، وبعد موتي، أمرك أمري ونهيك نهيي، أقسم بالذي بعثني بالنبوة، وجعلني خير البرية، انك لحجة الله على خلقه وأمينه على سره وخليفته على عباده (عيون أخبار الرضا (ع) – الشيخ الصدوق – ج 2 – ص 265 – 267).

قالت أم سَلَمة: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ” َعلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَعَهُ، لَا يَفْتَرِقَانِ حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ” – رواه الحاكم في المستدرك /3/ 124/، وفي كتاب معرفة الصحابة – ذكر إسلام أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، حديث رقم: 4628، وفي كذلك المعجم الصغير حديث رقم: 721، باب العين؛ ورواه العلامة المجلسي في بحار الأنوار “الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام )” : 22 / 222 . روى عمر بن الخطاب قال: أشهد أني سمعت رسول الله (ص) يقول:” لو أن السموات السبع والأرضين السبع وضعن في كفة ميزان، ووضع إيمان علي في كفة ميزان، لرجح إيمان علي”، رواه كبار علماء العامة في:الرياض النضرة 2/226، وذخائر العقبى ص 100، وكنز العمال 6/156، وفردوس الأخبار للديلمي، وكفاية الطالب للكنجي القرشي الشافعي/الباب62 – مائة منقبة لعليّ دون سائر الصحابة.. رواه باسناد عن عمر بن الخطاب. وفي تعليقه قال: هذا حديث حسن ثابت، وكتاب فضائل علي/ للجوهري عن شيخ أهل الحديث الدارقطني. وترجمة علي بن ابي طالب/ أخرجه محدث الشام في تاريخه(ابن عساكر)، ونزهة المجالس 2/240 ط مصر سنة 1320 للصفوري الشافعي.

أبواق اعلام تلك الشجرة الملعونة بني أمية المضللة ورواة زورهم وكذبهم ودجلهم ونفاقهم منذ قبل السقيفة وحتى يومنا هذا، صبت جلّ إهتمامها بإخفاء مكارم ومحاسن وفضائل الحق والحقيقة والصراط المستقيم والعدالة السماوية والانسانية والايمان ذلك القرآن الناطق ووصي رسول رب العالمين (ص) وخلفه من بعده دون فصل الامام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع)، فلم يتمكنوا وأجبروا على نقلها من جيل الى جيل كما جاء العشرات منها في كتاب “فضائل الصحابة” للامام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل – الجزء الأول والثاني، وأخريات في كتاب “جمل من أشراف الانساب” للامام أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، وعشرات الكتب المعتبرة الاخرى ناهيك عما جاء في المستدرك والنيسابوري والصحيحين وغيرهما.

بعد مرور 14 قرنأ على تلك مؤامرة “سقيفة بني ساعدة” الوقحة والتي كانت السبب الأساس في قتل الحاكم العادل والقرآن الناطق، وإعادت الأمة الى عصر الجاهلية والقبيلة قبل الاسلام، إذا بالأمم المتحدة توثق وفي قرار سيبقى منارأ منيراً وصرحاً صادحاً وعلماً يرفرف عالياً في ربوع المعمورة وللأجيال القادمة بأن الامام علي (ع) والذي نعيش هذه الايام ذكرى استشهاده الأليم والدامي، هو أعدل حاكم على طول التأريخ لم ير من قبل ومن بعد حاكم بعدالته. حيث أصدرت سكرتارية الأمم المتحدة، لجنة حقوق الأنسان، في نيويورك عام 2002 برئاسة أمينها العام “كوفي عنان” قرارها التاريخي مستندأً بوثائق شملت 160 صفحة باللغة الأنكليزية، هذا نصه :

“يعتبر خليفة المسلمين علي بن ابي طالب(ع) أعدل حاكم ظهر في تاريخ البشر”

الحديث عن أمير المؤمنين الأمام علي (ع) طويل، لا تسعه المجلدات، ولا تحصيه الأرقام، حتى قال ابن عباس “لو أنّ الشجرَ اقلامٌ، والبحرَ مدادٌ، والإنس والجن كتّاب وحسّاب، ما أحصوا فضائل أمير المؤمنين علي عليه السلام” فكيف بمقالنا الصغير هذا يمكنه اعصاء حتى الجزء اليسير جداً من مناقب ومكانة هذه الشخصية الفذة في تاريخ البشرية من بدايتها وحتى ختامها على يد الموعود المنتظر (ع)- رواه الحافظ البرسي، مشارق 111: 58؛ وكتاب المناقب لموفق الدين بن أحمد الخوارزمي وغيره .

جاء في سنن ابن ماجة 1: 56 عن سعد بن أبي وقاص قال: “قدم معاوية في بعض حجّاته فدخل عليه سعد، فذكروا علياً، فنال منه، فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول اللّه (ص) يقول: “من كنت مولاه فعلي مولاه”، وسمعته يقول: “أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي”، وسمعته يقول: “لأعطين الراية اليوم رجلا يحب اللّه ورسوله”. وصرّح الشيخ الألباني في صحيحته 4: 335 ح1750 بصحّته، وخصائص الإمام النسائي، طبعة القاهرة: 23 ح12، و63 ح96 والمؤلّف لفّق بين الحديثين، وورد الحديث في صحيح مسلم 4: 30 ـ 32 باب فضائل علي بن أبي طالب.

 

 

jameelzaheri@gmail.com

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close