هل سيرتفع الدخان الأبيض من مدينة السلام ام من مسقط؟

ساهر عريبي
sailhms@yahoo.com

دخلت عدد من الدول المنطقة في سباق محموم مع الزمن لنزع فتيل أزمة قد تكون الأكبر والأخطر في تاريخ المنطقة ومنذ عقود. فمنذ تصاعد التوتر بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية, فإن كلا من العراق وعمان يبذلان جهودا حثيثة لمنع انزلاق هذه المنطقة الحساسة من العالم الى اتون حرب ستكون لها تداعيات لا تعرف مدياتها على حاضر ومستقبل شعوب بلدان الخليج.

تحولت بغداد ومسقط الى محطتين للجولات المكوكية التي يقوم بها مسؤولون كبار في الجمهورية الإسلامية مما يوحي بان جهودا تبذل وراء الكواليس لتخفيف الإحتقان والتصعيد وابعاد شبح الحرب. ففيما وصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الى بغداد في زيارة اجتمع خلالها بعدد من كبار المسؤولين العراقيين, فإن نائب وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي توجه في جولة خليجية يزور خلالها كلا من عمان وقطر والكويت, وهي الدول التي يعلو فيها صوت الحكمة بين دول مجلس التعاون , إذ تحاول النأي بالمنطقة من أي حرب محتملة.

وتأتي زيارة عراقجي بعد زيارة مفاجئة قام بها وزير خارجية سلطنة عمان يوسف بن علوي الى طهران في وقت سابق من هذا الشهر, وزيارة أخرى لوزير خارجية قطر لطهران. ويبدو من نسق هذه الجولات الإيرانية أن مسارات أي جهود لنزع فتيل الأزمة تنحصر بين مسارين يمر أحدهما من طهران ببغداد والآخر بمسقط فيما ينتهيان في واشنطن. واما الدور القطري والكويتي فهو دور مساعد داعم لكلا المسارين بحكم علاقتهما الجيدة بكل من العراق وعمان وبحكم كونهما لايمكن ان يلعبا دور الوسيط المباشر في النزاع ولأسباب مختلفة ومنها ان قطر تعاني من أزمة الحصار التي مر عليها عامان دون النجاح في حلها, كما وان الكويت لا تتمتع بحظوة كبيرة لدى واشنطن ولأسباب تتعلق بالموقف الكويتي من قضية فلسطين.

ولذا فإن سؤالا مشروع يطرح نفسه وهو أي المسارين سيكتب له النجاح هل العراقي أم العماني؟ في الواقع ان نجاح كلا المسارين له مرجحاته, فبالنسبة لعمان فإن لها تجربة غنية في هذا المجال عندما إحتضنت مفاوضات سرية بين مسؤولين امريكيين وإيرانيين دامت لمدة ثلاث سنوات حتى توّجت في العام 2015 بتوقيع إتفاق بين مجموعة 5+1 وايران حول برنامج الأخيرة النووي.
إن هذا الدور الذي نجحت فيه مسقط يغريها اليوم بإعادة لعبه وهو ما تفعله اليوم. لكن شكوكا تحوم حول مدى قدرة عمان على النجاح هذه المرّة.

واما أسباب هذه الشكوك فلاتعود الى ضعف في قدرة السلطنة وحنكة قيادها, بل لأن الجالس في المكتب البيضاوي ليس نسخة أخرى من الرئيس السابق باراك اوباما المعتدل ولا من فريق عمله. فالرئيس دونالد ترامب يشكل اليوم ظاهرة فريدة في الرؤساء الأمريكيين الذي جلسوا في البيت الأبيض, إذ تشكل الدوافع الإقتصادية وامن اسرائيل الركنان الأساسيان في سياساته. فهو من جهة يسعى الى تحقيق أكبر منافع إقتصادية لأمريكا ومن جهة أخرى فإن إدارته تعتبر الإدارة الأكثر ولاءا لإسرائيل في تاريخ الإدارات الأمريكية.

وعند المرور على سيرته في الحكم خلال السنتين والنصف الماضيتين فيمكن وبسهولة ملاحظة أنه نجح نجاحا كبيرا في تحقيق هدفه الأول الذي توجه بتوقيع إتفاقيات مع السعودية قاربت قيمتها النصف تريليون دولار, واما هدفه الثاني فقد بدأ خطوات تحقيقه عبر طرحه لمشروع صفقة القرن الذي يهدف الى إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وإنهاء عقود من الخصومة بين اسرائيل والدول العربية. لكن تحقيق هذا الهدف يصطدم بعقبة ايران الكأداء وحلفائها القادرين على عرقلة هذا الصفقة التاريخية. وهو ما دفعه الى الإنسحاب من الإتفاق النووي وفرض عقوبات على ايران هي الأشمل من نوعها واخيرا التلويح بورقة الحرب.

لقد حقق ترامب أيضا نجاحا على هذا الصعيد بعد أن رضخت العديد من الدول المستوردة للنفط الإيراني لتهديداته وفي مقدمتها الصين والهند اللتان اعلنتا وقف شراء النفط الإيراني وقد سبقتهما في ذلك عدد من الدول ومنها اسبانيا وايطاليا واليونان. وامام هذا التشدد الأمريكي فلاتبدو أن فرص نجاح الوساطة العمانية قائمة لحل هذه الأزمة. ويعود ذلك ايضا الى ان الإدارة الأمريكية حتى وإن لم تكن في وارد شن الحرب على ايران فإنها نجحت في فرض العقوبات ولذا فهي ليست في عجلة من امرها للتفاوض, ولن يجبرها على التفاوض سوى خرق الحصار المفروض على ايران من قبل الصين مثلا, وحينها فلن تكون ايران بحاجة للتفاوض.

ولكون هذا الفرضية مستبعدة حاليا, وتبعا لذلك فإن فرص نجاح الوساطة العمانية تبدو ضئيلة فبالنسبة لايران فإنها تسعى لرفع الحصار فيما تنظر له الإدارة الأمريكية كورقة رابحة, ويبدو من خلال تصريحات المسؤولين الأيرانيين الأخيرة أن أمريكا تسعى لتركيع ايران وهو الأمر الذي لن ترضاه الأخيرة. وأما بالنسبة للعراق فإن حظوظه في حل الأزمة لاتبدو أفضل من الحظوظ العمانية ولذات الأسباب, ولكن ما يميز العراق أن علاقاته وثيقة بكلا البلدين فضلا عن كونه ساحة لتواجد كليهما, ولذا فهو يسعى للنأي بنفسه عن هذا الصراع وتبعاته ويأمل بنزع فتيل الأزمة عبر بذل جهود استثنائية .

ولذا فإن الأمل ضعيف في أن يرتفع دخان أبيض من بغداد او عمان مؤذنا بإنتهاء الأزمة, إلا إذا ما قررت ايران تقديم تنازلات كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية وحينها فإن الدخان الأبيض سيرتفع من مدينة السلام, لأن أمريكا وايران ليستا ضيفتين في العراق فكلاهما يشعران بانه بلدهما بعد ان تقاسما النفوذ فيه وأصبح تحقيق التوازن بين مصالحهما سياسة لا يحيد عنها قادة العراق وبإنتظار حسم النزاع الأمريكي الإيراني الذي سينهي هو الآخر نفوذ أحدهما في بلاد الرافدين , أو أن تحقق الوساطة العراقية معجزة ستكون أبرز تداعياتها استمرار القطبين بتقاسم النفوذ في أرض السواد!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close